تتعرض وكالات التصنيف الائتماني الدولي الثلاث الأكبر في العالم لانتقادات منذ الأزمة المالية التي عصفت بالعالم ما بين عامي 2008 و2009. فـ «ستاندرد أند بورز» و «موديز» و «فيتش»، التي تتخذ كلها من الولايات المتحدة مقراً، اتُهِمت بالإخلال بواجباتها نحو المستثمرين، إذ أصدرت تصنيفات إيجابية لمؤسسات مالية ما لبثت أن عانت خلال الأزمة، بما فيها «ليمان براذرز» الذي مثّل انهياره في أيلول (سبتمبر) 2008 بداية الأزمة العالمية، ولسندات محفوفة بالأخطار، مثل السندات المرتبطة برهون عقارية والتي ساهمت لاحقاً في انهيار قطاع الإسكان الأميركي.

ومنذ عام 2010 تركز الوكالات على الديون السيادية الأميركية والأوروبية، وشمل ذلك الخفض غير المسبوق من «ستاندرد أند بورز» في آب (أغسطس) الماضي للتصنيف الائتماني الأميركي من درجة AAA الممتازة التي حظيت بها واشنطن لعقود، ما أطلق طفرة بيع عالمية للأدوات المالية واضطراباً في أسواق الكرة الأرضية غير مسبوق منذ أواخر 2010. ومنذ أواسط 2010، خفِّضت الوكالات تصنيفات اليونان والبرتغال وإرلندا إلى مستويات دنيا، فاتهم سياسيون أوروبيون بارزون الوكالات بمفاقمة أزمة منطقة اليورو.

واتخذت الولايات المتحدة وأوروبا تدابير لتنظيم الوكالات الثلاث الرئيسة وضمان تمتعها بمزيد من الشفافية والتنافسية. فواشنطن أصدرت في تموز (يوليو) 2010 قانوناً أسس «مكتب التصنيفات الائتمانية» في «لجنة السندات والصرف» ليعمل على محاسبة الوكالات وحماية المستثمرين والأعمال. أما الاتحاد الأوروبي فأسس في مطلع 2011 هيئة مستقلة باسم «السلطة الأوروبية للسندات والأسواق» مكلفة تنظيم نشاطات وكالات التصنيف وفقاً لمعايير الاتحاد الأوروبي.

تهدف هذه الوكالات إلى مد المستثمرين حول العالم بتحليلات معمقة للأخطار المرتبطة بسندات الديون. وتشمل هذه السندات سندات الخزينة الحكومية وسندات الشركات وشهادات الإيداع وسندات البلديات والأسهم التفضيلية والسندات المضمونة (تشمل السندات المضمونة بديون) والسندات المستندة إلى رهون عقارية. ويعود الخطر المرتبط بالاستثمار في هذه السندات إلى احتمال فشل الجهات المصدِّرة لها في تسديد الفوائد المستحقة على الديون في مواعيدها.

وتتألف التصنيفات من أحرف لاتينية مثل AAA، وهو التصنيف الأعلى، ثم تتدرج التصنيفات الأدنى إلى حرفين فحرف، أي AA وA، ثم إلى الأحرف التالية، وصولاً إلى الحرف الأخير، مع إضافة علامة ناقص أو زائد هنا وهناك. ولتصنيفات الوكالات الثلاث تأثير واسع في المستثمرين والأسواق حول العالم. وتتعرض الوكالات للانتقاد لأن الجهات التي تحظى بتصنيفها تسدد أتعابها، قبل أن تتوافر التصنيفات مجاناً للمستثمرين وللرأي العام، وهو تطور يعود إلى سبعينات القرن العشرين، فقبل ذلك كان المستثمرون يطلبون تصنيفاً ويسددون ثمنه، لكن الوكالات تحولت إلى تحصيل أتعابها من مصدِّري السندات، لأن هؤلاء أكثر رغبة في التصنيفات من المستثمرين بهدف الترويج لإصداراتهم.

وكالات صغيرة

وثمة وكالات تصنيف صغيرة لا تزال تتقاضى أتعابها من المستثمرين، وفق الأسلوب الأقدم، لكنها تواجه عادة رفضاً من مصدِّري السندات للتعاون، فتكتفي بمراجعة البيانات العلنية المتعلقة بهم. وتتهم هذه الوكالات نظيرتها الأكبر باحتكار سوق التصنيف، كما أن دراسات اقتصادية علمية تفضّل تصنيفات الوكالات التي تتقاضى أتعابها من المستثمرين.

وخلال الأزمة المالية العالمية، تعرضت الوكالات الثلاث لمساءلات في الكونغرس وواجهت دعاوى قضائية من مستثمرين متضررين، إذ اشتبِه بأنها أصدرت تصنيفات مضللة. كذلك اتُهِمت بخفض تصنيف السندات المرتبطة بالسوق العقارية الأميركية إلى مستويات يعتبرها المستثمرون بمثابة نصيحة بسحب استثماراتهم، فور بدء السوق بإبداء علامات وهن، بعدما كانت تصنفها AAA. وبلغت قيمة السندات العقارية التي خفضت «موديز» تصنيفها، مثلاً، 869 بليون دولار. وتتلخص الشكوى في أن الوكالات لم تتحرك في شكل أسرع.

ولوحظ أن «موديز» حققت فقط من تصنيف السندات المالية المعقدة التي كانت سبباً رئيساً في الأزمة، تصنيفاً عالياً، نحو 881 مليون دولار عام 2006، ما يفوق كل عائدات الوكالة عام 2001. ودافعت الوكالات عن تصنيفاتها بالقول إن التصنيفات كانت تصدر عن لجان، وليس عن خبراء أفراد، وأن عائدات أعضاء اللجان لم تكن تُحتسَب وفق التصنيفات التي كانوا يتوصلون إليها. وشددت على أن تسديد المستثمرين لأتعابها يمكن أن يمثّل ضغطاً عليها لخفض التصنيفات، فالسندات المصنفة محفوفة بأخطار أكبر تدرّ عائدات أدسم.

وفي أوروبا بدأت مشكلة منطقة اليورو مع وكالات التصنيف حين خفضت «ستاندرد أند بورز» في نيسان (أبريل) 2010 تصنيف الديون السيادية اليونانية إلى درجة خطرة، ما أفقد المستثمرين ثقتهم باليونان وعمّق الأزمة المالية في البلد، وأجبر الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي على تقديم رزم إنقاذ ضخمة إلى أثينا. وتكرر الأمر مع إرلندا والبرتغال.

وعرقلت الوكالة ذاتها جهوداً أوروبية لتحميل الدائنين جزءاً من ديون اليونان في النصف الثاني من 2011، إذ أعلنت أنها ستصنف أي خطوة في هذا الاتجاه على أنها توقف من جانب اليونان عن تسديد أقساط الفوائد المترتبة على ديونها. وجاء رد قوي من المستشارة الألمانية أنغيلا مركل التي قالت: «مهم ألا نسمح للآخرين بسلبنا قدرتنا على اتخاذ قرارات». ولم يتردد بعض الخبراء في تبني وجهة «ستاندرد أند بورز» بذريعة أن أي تحميل للدائنين بعض الأعباء لا يعني فعلاً إعادة جدولة طوعية للديون من الدائنين.

ويتهم مسؤولون أوروبيون وكالات التصنيف الثلاث بمحاباة الولايات المتحدة، فهي حافظت حتى آب على تصنيف AAA على رغم أنها كانت تعاني لشهور عجزاً غير قابل للاستمرار في موازنتها ومستويات تزداد ارتفاعاً من الديون العامة. واستغرب رئيس المفوضية الأوروبية خوسيه مانويل باروزو إصرار الوكالات على الضغط على دول أوروبية حاولت استباق وصول الأزمة إليها بأن اتخذت قرارات ملموسة لضبط المالية العامة، متهماً الوكالات بـ «التحيز» ضد أوروبا. وحض مسؤولون أوروبيون، بمن فيهم المفوض للأسواق الداخلية والخدمات، ميشال بارنييه، على تأسيس وكالة تصنيف أوروبية مستقلة.

ولم تسلم الوكالات من سهام المسؤولين الأميركيين، فلدى خفض «ستاندرد أند بورز» تصنيف الولايات المتحدة، نعتها وزير الخزانة الأميركي تيموثي غايتنر بأنها تعاني «افتقاراً مذهلاً إلى المعرفة»، خصوصاً أن الديموقراطيين والجمهوريين كانوا توصلوا قبل خفض التصنيف وبعد أسابيع من الأخذ والرد، إلى آلية منعت الحكومة الفيديرالية من التوقف عن تسديد مستحقاتها. وردت الوكالة بأن الولايات المتحدة، على رغم الاتفاق على الآلية، لم تتخذ تدابير كافية للجم ديونها المتنامية بسرعة.



" الحياة " .