google
twitter
facebook
twitter
google
forex

صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 1 2 3 الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 20 من 22

الموضوع: والله ان الفوركس مدرسه !!!

  1. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    920

    افتراضي

    أصدام - أو ، غلطان يا معاند بحر



    لا لا لا !!
    لا تذهب بخيالك الى البعيد . المقال ليس سياسيا ، بل هو يتناول شؤون السوق .
    صاد ِصدام مكسورة ، ودالها ليّنة غير مشددة ، والمرمي إليه ليس حدث الساعة . بل حدث كل ساعة !
    أخي المتعامل .
    السوق بحر صاخبة أمواجُه ، عميقة لججُه ، خطيرة مجاهلُه ، عديدة ألغازُه ، وفيرة خيراتُه ، كثيرة كنوزُه ، معلومة مكارمُه ..
    السوق هذا أكرم الكثيرين ممن هادنوه ، وأذلّ العديدين ممن عاندوه ..
    لا تصادم السوق ، وإلا صدمك ..
    لا تعلن الحرب عليه ، فأنت خاسر حكما . .
    لا تبحث عن ثأر عنده إن غدر بك مرّة ، إذ لن تلقى عنده قلبَ الأب المحب ، ولا لسانَ الاخ المرشد ، ولا حكمة الصديق المتسامح .
    وان فعلت فلن تستيقظ من صدمة لتغفوَ على صدمة ، ولن تشفى من لطمة لتبلى بلطمة . ثمّ ، لا يعود اليك وعيُك ، إلا وقد انتهى أمرُك .
    وإني لأراك ، أخي القارئ ، تنظر اليّ بعينين ملأهما العجب ، وتهمّ بنطق كلمتين صاغتهما الدهشة .
    وما العمل إذن ؟ وما وسيلة التعامل الفضلى ؟
    مارس عملك كتاجر، ولا تنزلق الى غياهب الرهانات السوداء .
    كن تاجرا مناورا مرنا، ولا تكن ممّن قتّر الله عليهم في الرزق ، فحمّلوا ظهورهم حقيبة ، وداروا في القرى النائية أو الأحياء الفقيرة ، ينادون على بضاعة لا تريدها الا قلّة من نسوة ضاقت بهنّ سبل العيش .
    هادن السوق وقت المهادنة ، صادقه إن هلّ عليك زمن المصادقة ، رافقه في مسيرة شاك دربها ، ثمّ ، إن بدت لك مواضع ضعف في جنب من جنباته ، لا تتمهّل ولا تتردد . سدّد طعنة يومك ، والق ثمرة جهدك .
    مواطن الضعف في السوق قد تبين كلّ ساعة في يوم ، وقد لا تبين إلا في ساعة من يوم . المهمّ ان يكون سهمُك مبريا ، وفأسُك مشحوذا . والمهمّ المهمّ أن تكون متيقظا بكلّ ما وُهبت من همّة ، وكلّ ما أوتيت من إرادة .
    أخي المتعامل .
    شيمة السوق الغدرُ ، لتكن شيمتك الحنكة .
    وماذا غير الحنكة ؟
    الكثير الكثير !
    وفي أخبار العرب مآثرُ . وفي أقوالهم حكم .
    روي عن شيخ قبيلة حلمُه ، ونقلت عنه رويّته . كان شيخَ قبيلته ، وكان حكيمَها وخادمَها .
    وصل الى مجلسه يوما شابٌ غريرٌ من شباب القبيلة وما سلّم ، بل اقترب منه وسدد الى وجهه صفعة ، صُعق لها كلّ من جالس الشيخ .
    وبكل ما أوتي الشيخ من وقار، و رويّة ، وهدوء ، واتزان قال : لِمَ تصفعُني يا أخي ؟
    وبكل ما أوتي الشاب من غرور، واعتداد ، وجهل ، وغباء قال : رهان بيني وبين شلة من أقراني . الرهانُ على من يجرؤ على صفعك . وها أنا قد ربحت الرهان .
    وبمثل ما سأل الشيخ أجاب : لقد خسرت الرهان يا أخي وما ربحته . فما عدتُ شيخَ قبيلتك . إنّ فلانا قد تولّى امور القبيلة وهو الان شيخُها المطاع ، فاذهب إليه واصفعه .
    وكان فلان هذا رجلا ممّن لا يردون الصفعة إلا بطعنة ، فكان ان لقي الشابُ حتفه على يده .
    وفي واقع الحال وحقيقة الامر من طعن الشاب الغرير ؟ أفلانٌ أم شيخُ قبيلته ؟
    لا يختلف اثنان على أنّ شيخ القبيلة أخذ منه ما هو دين له .
    بحلمه ، ورويّته ، وحكمته ، استحق أن يكون ما هو عليه .
    وانت أخي المتعامل .
    انت ، إيّاك أن تعاند السوق ، ولا تنسى المثل : غلطان يا معاند بحر !
    أوصيك بالمرونة ، والرويّة ، والحنكة ، والحكمة .
    أوصيك بالمنهجية الموضوعية ، وبالروح العلمية .
    وقبل كل شيء .
    أوصيك بالحلم !!
    الحلم ، بكسر الحاء لا بضمها .
    الحلم هذا ، فيه أسرارُ الربح ، ومنه إكسيرُ النجاح .
    عليك به .
    وأنت ، بإذن الله وعونه ، من الظافرين الرابحين .

  2. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    920

    افتراضي

    إن شئت أن تعمل جمّالاً عليك أن تعلّي عتبة دارك



    مثل عربي معروف ، فيه ما فيه من العبرة والتفكه . ان ذكره اللبنانيون والسوريون قالوا : البدو يعمل جمّال بدو يعلي عتبة دارو .
    خطا الاوروبيون خطوات جبارة في توحيد قارتهم ، وما ان وصلوا الى توحيد العملة حتى اشتدت المخاوف من احتمال الفشل ، وارتفع معيار التحدي ، إذ لا يجوز ل " مسيو يورو - او - هارر يورو " أن يكون اقلّ شأنا من " مستر دولار " .
    قوة العملة هي ، ولا شك ، تعبير وانعكاس لقوة اقتصادية ، واستقرار سياسي ، وبحبوحة داخلية ، وثقة خارجية . عوامل تتضافر كلها لتخلق حالة من الهيبة التي يطمئن لها ااخاطر ويطرب بها الفؤاد .
    الاوروبيون ، كلّ الاوروبيين في منطقة اليورو، عامة شعب وسياسييين ، طربوا وانتشَوا ، يوم انطلق اليورو مساويا للدولار ثم ارتفع بعد أيام قليلة ليبلغ ما يزيد على ال 1.1500 دولار. ولم يطل الامر على هذه الحالة حتى عاد الى التراجع واستمر فيه الى أن دقّ ابواب ال 0.7000 سنتا . يومها كانت التنهدات تسمع في منطقة اليورو ، وكان الترقب سيّد الموقف . وكان الخوف من الشماتة كبير .
    ولاسباب لسنا الان في وارد تفصيلها بدأ العد العكسي ، وعاد القطار الى المسار بالاتجاه الصحيح ، وها نحن اليوم على ابواب ال 1.3500 . فما ردّة فعل الاوروبيين على ذلك ؟
    لا شكّ في أن عامة الناس ينظرون الى الوضع نظرة الافتخار والزهو ، فعملتهم قد تمكنت من التفوق على الدولار وقهره . عملتهم باتت اليوم تاخذ مكانها على المستوى العالمي بسمعة بيضاء نقيّة طاهرة ، هي تطمح ان تحتل المركز الاول عالميا كعملة احتياط . هي على وشك ان تسلب الورقة الخضراء عرشا تربعت عليها الاخيرة عقودا كثيرة . " منذ ولادته في العام 1999 ، تمكن اليورو من جذب ما يقارب خُمس الاحتياط النقدي العالمي . فهو احتوى جزءا ارتفاع من 13.5% عام 1999 الى ال 19.5% العام 2003 " . انه خبر مفرح ومبشر . ولكنه ياتي في وقت غير مستحب .
    عملة احتياط عالمية ، ثقة فائقة باليورو على مستوى البنوك المركزية الدولية ، الكثيرون منهم يشيحون نظرهم عن الدولار ، يخرجون منه ، يميلون نحن عملة القارة الموحدة ، هي تستهويهم بما لها من بريق عذري لم يمَسّ . الروس ، الصينيون ، الكثير من بنوك الشرق الاوسط ، يعون خطورة الموقف . هم يريدون التحول بجزء من احتياطهم النقدي من الدولار الى اليورو . اجل بين ليلة وضحاها بات اليورو عملة احتياط عالمية .
    ولكن ما الذي قد يعنيه هذا للاوروبيين ؟
    عامة الناس فخورون . هذا نلمسه بالتحدث معهم . هم لا يقدرون خطورة الموقف . السياسيون قلقون ، يحذرون ، يطالبون البنك المركزي الاوروبي بعمل شيء ما . السيد تريشيه يحاول ، هو يحاول بوسائل عدة ، يحاول اقناع الاميركيين بعمل موحد لمنع هذا التحول المفاجئ في اسواق النقد . الاميركيون يشيرون بوجههم عنه . يقولون لا شأن لنا بذلك . لا مصلحة لنا بان نكون عملة الاحتياط العالمية الوحيدة ، شاركونا بهذا الفخر ، هم يقولونها وعلى الشفاه ابتسامة ساخرة .
    يميل السيد تريشه الى الاسيويين ، يريد منهم شراكة فعلية للتدخل في السوق شراء للدولار ، من اجل منع هذا التراجع المتعب للجميع . الآسيويون يفتشون مثله عن دواء ، ولكنهم جربوا الكيّ في الماضي ، أوجعهم الكيّ كثيرا ولم يجدِ نفعا . اليابانيون كلفتهم التدخلات السابقة في السوق ما يقارب المئتي مليارا من الدولارات ، النتيجة كانت خيبة وراء خيبة . في كل مرة كان اليابانيون يتدخلون شارين للدولار ، كان السوق يهلع صعودا بحركة جنونية مرعبة ، ثمّ ، وبكل برودة اعصاب يبرز على الساحة من يعاود بيع ما اشتراه اليابانيون فيعود السعر الى أعماق أكثر آيلاما من السابقة .
    ماذا جنى اليابانيون ؟ جنَوا امتلاكهم لمئتي مليار من الدولارات ، اشتروها باسعار يزيد نصفها عن ال 110.10 ، وهم الان يحملونها ، عارفين ان الدولار سيتراجع الى ما دون ال 100.00 ، وعارفين ايضا ان الخسارة التي تكبدوها لا بد من الانتظار طويلا لتعويضها . لذا لا بد من استبعاد امكانية التفاهم بين الاوروبيين واليابانيين على تدخل مبرمج ومدروس في السوق ، فاليابانيون لن يعرضوا انفسهم للدغ من الجحر مرتين .
    ماذا بقي امام السيد تريشه ؟
    تخفيض الفائدة . هي حلّ من الحلول المطروحة . ولكن هل سيقوى هذا الحل على وقف ارتفاع اليورو ؟
    نعتقد انه سيقوى على تبريد الحماوة الحالية ، ولكنه لن يكون الحل الناجع على المدى المتوسط والبعيد . وهو الى ذلك ينطوي على مخاطر كثيرة ان تم الاقدام عليه وسط اجواء غير تضخمية تستدعيه . اذ لا يضمن احد اذذاك عدم الانزلاق شيئا فشيئا الى باحة الركود الاقتصادي ، فالدواء المعطى لم يكن المناسب للداء الموجود .
    وباختصار فان التدخل في السوق مستبعد حاليا ، وتخفيض الفائدة على اليورو مستبعد ايضا ، للامرين محاذير كثيرة ، ولا بد من اخذ الامور بالتروي .
    اجل ، انه لمن المستحب ان يرى المواطنون عملتهم تتحول الى عملة احتياط عالمي . انه لمدعاة للفخر ان يرى الاوروبيون هدفهم و قد تحقق بسنوات قليلة جدا ، هدفهم المتمثل باعادة شيء من التوازن الى النظام المالي العالمي ، وبانتزاع جزء من العزّ الذي احتفظ به الاميركيون لانفسهم طيلة عقود . انه لمن دواعي السرور ان تتحول العملة الى عملة احتياط دولي وتتدفق اليها الرساميل من كل حدب وصوب ، فتساهم في تمويل العجز ، بل تقف حاجزا دون حدوثه . هذا كان الحلم الاكبر للاوروبيين ، سياسيين واقتصاديين .
    وها هي الامنية تتحقق ، الرساميل تتدفق ، فاذا بها تصير عبئا . تدفقت الرساميل في وقت غير مناسب . الدولار يتراجع بقوة ، الرساميل تتدفق على اوروبا ، يساعد هذا على ازدياد تدحرج الدولار . إذن ما كان بالامس أمنية ، صار اليوم عبئا .
    والمقلق في الامر ان اليورو يرتفع دون ان يعكس في ارتفاعه وضعا اقتصاديا وسياسيا اوروبيا مطمئنا ، فالنمو الاوروبي لا يشكل الا نصف النسبة الذي يقدر بها النمو الاقتصادي الاميركي .
    نعم أراد الاوروبى ان يدخل حلبة النقد الدولية من بابه العريض . فتح له الاميركي اليوم الباب على مصراعيه . دخل ، ويبدو انه يتوه في هذه الارجاء الواسعة . يبدو انه سيستغيث ، الاميركي يتفرج ، ويبتسم . الاسيوي لن يقوَ على الاغاثة .
    كان على الاوروبي أن يعرف ، كان عليه أن يقرأ الامثال العربية : "من يريد ان يعمل جمّالاً عليه أن يعلّي عتبة داره " .

  3. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    920

    افتراضي

    أدب الرفق بالاعصاب .
    الجزء الاول



    مقالتي اليوم هي وليدة صدفة نتجت عنها زحطة لسان في حديث جمعني مع عزيز .
    قلت : عليك ان تمتلك وأن تتشبث بفنٍ ، إسمه فن التعامل مع الأعصاب ، فتحافظَ بذلك على كلّ فلس تحققه في تجارة البورصة وتزيد عليه .
    ما ظننت أن كلمتي ستفعل في نفسه ما فعلت ، ولا ستقع منها حيثما وقعت ، إذ طالعني في اليوم التالي بقول حرّك في نفسي رغبة بالكتابة .
    قال : كلمتك بالإمس أنبتت فيّ بذرة كانت لا تزال غافية ، وهي تتنامى ، وأنا أتنعم بفيئها .
    طربت لما سمعت من العزيز ، كعادتي عندما أسمع من عزيز قولا يوحي بانه نجح ، بطريقة ما ، في زيادة لبنة ولو واحدة على ما يبني .
    أدركت أهمية الكلمة ، واستشعرت إهمالا مني بعدم تفصيلها حتى اليوم . غفرت لنفسي الإهمال وسمّيته تأخيرا ، لكوني كنت قد نويت كتابة سلسلة مقالات عنوانها " أدب البورصة " ، وكان هذا المقال ليحتلّ مكانه في السلسلة المذكورة دونما شك . وها أنا ، ولأن الحادثة حرّكت فيّ رغبة بالتقاط قلمي ، والبحث عن ورقة ، أراني قد بدأت بالحديث عن واحد من فصول " أدب البورصة " قبل أوانه ، إيفاء بوعدي ، وإرضاء لأنانية الرغبة في الكتابة ، وإفادة لمن يهمه هذا الامر .
    وعدت العزيز بكتابة مقال أعنونه " فن التعامل مع الاعصاب " ، وها أنا أشعر برغبة في تعديل العنوان ليكون " أدب الرفق بالأعصاب " ، ظناً مني بأهليته في نقل أبعاد وأعماق ، وفي غرس بذور لأحاسيس ونبضات ، ما كان ليستطيعَها العنوان الأول .
    هدفي كان ، وسيبقى ، شيئا من التنوير في درب مَن هدف الى اتخاذ العمل بالبورصة مهنة له . وما انحرافي الآن الى بعض اللقطات المعبّرة المقتبَسة من المسرحية السياسية التي يجري تمثيلها حاليا على المسرح السياسي اللبناني ، إلا رغبة في إلقاء الضوء على كيفية تحاشي الأخطاء ، توفيرا لتحمّل عبئا لا بد أن تورثنا اياه .
    اقتبس لقطات من المسرحية السياسية لشدة قربها من حياتنا ، نحن العرب . نحن سياسيون بالفطرة . كلنا سياسيون . نهتم بالسياسة ونعمل بها ونتلهّف لها ، بطريقة تختلف كليا عن عمل وتلهف أهل الغرب ، هي خبز يومي لنا .
    نحن كلنا سياسيون ، فإلى إيضاحاتنا التي لا أرمي منها إلى انتقاد ، ولا إلى نصرة فئة على أخرى ، من الفئتين المتصارعتين على مسرح الساحة اللبنانية الحالية ، مع تقديري ومحبتي لهم جميعا ، ومع إعجابي وذهولي بهم جميعا ، لما يتمتعون به من لياقة ، في الأبدان بتحويلهم المسرح الى حلبة ، وفي الأذواق بامتلاكهم كلّ آداب السياسة وفنون الحكم الراقي والمعارضة الخلاقة .
    اقتباسي لمشاهد من المسرحية اللبنانية هذه ، ليست انتقاصا من المسرحيات الأخرى التي يقوم بها ممثلون آخرون في أمكنة أخرى من عالمنا العربي . أرجو التكرم بالنظر اليها من زاوية الأهمية البالغة لما يجري اليوم على المسرح اللبناني ، واختصاره المعبّر لما يجري على المسرح العربي عامة . افتباسي هذا له علاقة ايضا بقناعة كون لبنان في قلب كل مواطن عربي ووجدانه .
    أطلنا ، ولنعد الى صلب ما نحن فيه . ألأعصاب وفن التعامل معها ، مسجلين الآتي :
    في السجال الدائر منذ فترة حول الأكثرية والأقلية في تكوين نسيج المجتمع اللبناني ، أسجل دعوة أحد الاقطاب الفاعلين في السياسة اللبنانية الى إجراء استفتاء عام حول القضايا المختلف عليها . أسجل أن هذه الدعوة بحد ذاتها كانت إنفعالية الى حدّ ما لكونها غير متناسبة مع الواقع اللبناني الطوائفي .
    في رد على الدعوة المذكورة ، إنبرى إبن أحد الاقطاب المعارضين الكبار ، وهو ورث السياسة عن جدّه ، وسار على خطاه ، ويتدرب حاليا على يد أبيه . إنبرى ليقول : "الكلمة ليست للأكثرية الكميّة ، بل للأكثرية النوعيّة ".
    الكلمة هذه خير مثال على عدم إتقان الرجل فنّ التعامل مع الأعصاب واللطف بها ، ممّا أثار في وجهه عواصف من الردود والإتهامات ، إضطرته أخيرا الى محاولة التوضيح لما قصد من كلامه ، دون أن ينجح في ذلك . الكل فهم أن مقاصده هي نفسها ما كان جده يعمل بموجبه ، ويُختصر بالقول أن المسحيين متفوقون على المسلمين في لبنان بامتلاكهم الثقافة الغربية ، رغم تفوق المسلمين بعددهم حاليا . صاحبنا لم يسمع بعد بحقيقة التحولات الأخيرة والتي جعلت من المسلمين في العقود الثلاثة الماضية ، قوّة ثقافية وعلميّة شمولية لا تقلّ عن قوّة المسيحيين الفاعلة . يبدو انه لم يستطع التخلص من المعادلة التي كانت سائدة في السبعينات والتي سمعها من جدّه في طفولته ، وهو في لحظة فلتان لغرائز معينة ، وفي ظل غياب " فن الرفق بالاعصاب وأدب التعامل معها " ، أوقع نفسه في مأزق كبير وخسارة كبرى ، أظن أنها ستلازمه تعييرا طيلة حياته السياسية . هذه الحالة من الفلتان لغرائز معينة ولغياب لحالة " الرفق بالاعصاب وفن التعامل معها " ، هي ذاتها التي توقع التاجر في البورصة في مآزق تسبب له الكثير من الإحراج والأسف والندم . وما كان كلامنا عن السياسة ، إلا توسلا للوصول الى النتيجة التي تهمنا في تجارتنا .

    رئيس حكومة لبنان الحالي عمر كرامي ، وبعد اشتداد الضغوط عليه من طرف المعارضة ، بان عليه التوتر والإنفعال ، قال في تصريح مقتضب : " باليومين القادمين منفرجيهم " يقصد المعارضة . الصحف تندرت كلها على دولة الرئيس - الديمقراطية وحريّة الرأي في لبنان تسمحان بذلك - الكلّ انتظر نهاية اليومين ، دولة الرئيس نسي تهديده عندما هدأت أعصابه . الرأي العام لا يرحم . لم ينس تصريح دولة الرئيس . الصحف تذكره به بين الحين والحين ، هي تعرف انه لن يجيب ، هو يعرف انها لا تريد جوابا . المسرحية تجري ، نحن في الصالة نضحك ، إضحكوا معنا . ما يهمني من الأمر هو أن دولة الرئيس في لحظة مهمة من لحظات حياته السياسية ، غابت عنه لفتة الى فصل أساسي من فصول قاموس آداب السياسة ، ما كانت لتغيب عن أخيه الرشيد رحمة الله عليه . هذا الفصل له عنوان متكرّر : " أدب الرفق بالأعصاب " . صفقة رئيس حكومة لبنان كانت خاسرة .

    وزير الداخلية وفي مواقف عديدة ، خرج عن المألوف في الحديث ، ووصل الى حد الشتم بكلام غير لائق . ألكل أجمع على كون معاليه متوتر الاعصاب ، والبعض استرسل في نصحه بوصفات طبية شعبية مختلفة . رئيس طائفته أنبه ناعما . معاليه افتقد في تلك اللحظات " فن التعامل مع الأعصاب " . أخطأ وكان خطأه كبيرا . هذا أمر سيعيره به الكثيرون ، وسيستغله أخصامه ، إن هو ترشح آجلا أو عاجلا الى رئاسة الجمهورية . صفقته كانت خاسرة .

    زعيم معارض كبير في معرض اندفاعه اتهم حزبا ذا نفوذ مميز بقتل والده قبل ثماني وعشرين سنة ، دون أن يملك برهانا على ذلك . ألأمر ورّطه بدعاوى قضائية أقامتها عليه الجهة المُتهَمَة . الزعيم المشهود له بالحنكة أخلّ في عمله هذا بقانون أساسي يقضي بالتناغم الدائم مع ميزان الاعصاب الشديد الحساسية . صفقته كانت خاسرة .

    كفانا انتقادا ، وللقوم حسناتهم أيضا ، هيا بنا اليها .

    في قراءتي اليوم لاخبار أمس السبت الموافق ل 12 فبراير 2005 ، لحظت موقفا إيجابيا يستحق رئيس الحكومة التهنئة عليه .
    الخبر التالي قرأته في إحدى الصحف : " السلطة أقدمت أمس على احتجاز أربعة ناشطين من جمعيات خيرية في العاصمة من الصباح لتفرج عنهم في التاسعة ليلاً، بححة التحقيق معهم في قضية إقدام "جمعية بيروت للتنمية الاجتماعية" على توزيع صفائح من الزيت على العائلات المحتاجة".
    والمجهود القضائي الذي تبذله النيابة العامة التمييزية وقسم المباحث الجنائية المركزية على هذه القضية لم يتوقف عند هذا الحد، بل تمّ استدعاء الناشطين الأربعة الى التحقيق مجدداً، غداً الاثنين." انتهى الخبر .
    التوقيف كان بتهمة رشوة الناس لاغراض انتخابية . اي اطعام الناس زيتا ليصوتوا في الانتخابات النيابية القادمة التي ستجري بعد شهرين مع الجهة التي تطعمهم اليوم وهي جمعية خيرية تابعة لمؤسسات الرئيس رفيق الحريري .
    ليس هذا ما يهمني بالخبر وهو لا علاقة له ببحثنا .
    المهم أن القضية تطورت ، نواب جبهة الرئيس الحريري قصدوا قصر العدل لمقابلة المحتجزين . تمّ منعهم من ذلك . مما دفع بمفتي الجمهورية اللبنانية للاتصال برئيس الحكومة تعبيرا عن رفضه لمنع ايصال الزكاة الى مستحقيها تحت أي ذريعة .
    سماحة المفتي اتصل مرة ومثنى وثلاث ورُباع وخُماس ، ورئيس الحكومة لا يجيب . في المرة السادسة وُفق في ذلك . حصل على وعد بالتدخل وإجراء اللازم .
    أيضا ليس هذا ما يعنيني في الأمر . ما يعنيني أنا فيه هو أن الرئيس كرامي قد نجح هذه المرة بامتلاك " فنّ التعامل مع الاعصاب " فأعطى نفسه المهلة الكافية بتأخير المحادثة وتاجيلها والمماطلة بها ، ريثما تكوّنت لديه القدرة النفسيّة الإيجابية ، وريثما تجمّع عنده المخزون الفكري اللازم ، لمواجهة صاحب السماحة بما يمليه عليه الأمر من توازن في الحديث ورصانة في التعبير ، فوفّر على نفسه ردّة فعل متسرعة من نوع : " منفرجيهم باليومين القادمين " . رئيس الحكومة أجرى بتصرفه هذا صفقة رابحة .
    مع تسجيلي للرئيس عمر كرامي حكمته وحسن امتلاكه هذه المرة - وبايحاء من روحية أخيه المرحوم رشيد - ل " أدب الرفق بالأعصاب ، وفن التعامل معها " ، أدعو أعزائي المتعاملين في تجارة البورصة الى التشبه به ، بتأجيل الهواتف التي تأتي في أوقات غير مناسبة داعية بفتح صفقة معينة ، إن سيطر على المتعامل جوّ من انعدام الشفافية ، وكثافة الضبابية في الرؤية ، وبالأخص ان كان الهاتف الداخلي ملحاحا على القول : " ماذا تنتظر يا هذا ، إشترِ ! ها قد بلغ النهار نصفه ، وأنت لم تعقد صفقة واحدة الى الآن . "
    وطالما إني قد سجلت لرئيس حكومة لبنان الحالي هذه الحكمة ، وأقريت له بهذا الأدب السياسي الملتزم ، فلا بدّ من الإتيان على ذكر ما طالما أُعجبت به من مواقف للرئيس السابق لحكومة لبنان . مواقف توحي بأن الرجل يمتلك أدب الرفق بالأعصاب وفنّ التعامل معها بامتياز .
    لقد حاولت أن أسجل عليه موقفا أو زلة تساويه هو بغيره ، وتجعلني انا بعيدا عن الانحياز في بحث موضوعي ، فما استطعت . ما وجدت هذه الزلات على الأقل في المسرحية السياسية التي تدور رحاها الآن على المسرح اللبناني ، والتي بدأت بفصل تعديل الدستور في سبتمبر الماضي .
    فن الرفق بالأعصاب الذي يمتلكه رفيق الحريري قد يكون عنصرا مهما وأساسيا من عناصر نجاحه الفائق سياسيا وماليا واقتصاديا . وهو الراوي عن نفسه : " كانت أمي تجري لنا - أنا وأخوتي - حمامنا الأسبوعي في اللكن المعدني ، وفي نفس الغرفة التي نجلس وننام فيها . وفي صباي عملت صانع دكان يبيع الحلوى ، وهو ما زال موجودا الى الآن ويثير فيّ ذكريات طيبة ". "
    أنا على ثقة بأن امتلاك الرجل أدب الرفق بالأعصاب كان ولا يزال من أهم العوامل التي حققت له هذه النقلة النوعية على جميع المستويات .
    أخي المتعامل ، لقد أطلت في أمثلة أرجو أن تكون على شيء من التعبير الكافي لتجعلك مستعدا لتفادي مخاطر الاستخفاف بما يجب ان أن يُجَلّ في مهنتنا هذه . وعدي أن نُتبع بحث اليوم بآخر يوسع ما يعنينا نحن في السوق من هذا الموضوع . رجائي من الله أن يفتح ما قد يكون موصدا في وجهك من أبواب تقود الى المزيد من النجاح . ولا نجاح بدون معرفة .

  4. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    920

    افتراضي

    أدب الرفق بالأعصاب . أو فن تحقيق الربح .
    الجزء الثاني



    ألأعصاب ! وما أدراك ما الأعصاب !

    إن نحن بحثنا في المكونات البشرية البيولوجية والشعورية ، وسعينا الى كشف المستور من أبواب التمييز، وفصل المرئي من عناصر التمازج بينهما ، فلقد يتبين لنا أن الأعصاب من أقرب الكثيف الى اللطيف ، في ما يكوّن هذا المخلوق البديع الذي نسميه إنسانا . بل هي أقربها على الإطلاق .

    والمتعامل في أسواق المال ، هو أشدّ الممتهنين لأية تجارة أخرى حاجة لإدراك هذه الحقيقة ، والغوص في أعماقها ، والعمل على تدريب طباعه ، لتكون أكثر تناغما مع حقائقها ، واستفادة من مسلّماتها .

    ما من شكّ على الإطلاق ، في كون كل متعامل في هذا السوق يسعى من خلال تجارته الى تحقيق ربح ، وتسجيل نصر ، وإدراك فوز . ولا يختلف امرؤ مع امرئ على كون الربح مبعثا للّذة ، ومصدرا للفرح ، ومنبعا للسعادة ، يستلذه كل من حققه ، ويفرح به ، ويسعد لامتلاكه . ومن لم يظفر بتحقيق مراده ، فما نصيبه الا النقيض : ألم ومرارة وشعور بالإنخداع .

    هنا بدأت لعبة الأعصاب ، وإن هي بدأت ، فلن يكون لنهايتها من مجال .



    وإن بدأت لعبة الأعصاب ، فلن يكون من السهل بلوغ المراد ، ولن يكون من المستساغ تذوق لذة الإنتصار .

    وكيف يمكن منع لعبة الأعصاب ، والحؤول دون انطلاقتها ؟ وهل لهذا من سبيل ؟

    أنا ، علمتني الأيام انه ما من سبيل الى تحقيق أي ربح في هذا السوق ، إلا بعد إقفال كل الأبواب ، أو معظمها ، على لعبة الأعصاب المؤذية ، وكرّة الإنفعالات المدمرة .

    أنا ، علمتني الأيام ألا أنخدع باللذة الخارجية ، معتقدا إنها قائمة في الأشياء المحيطة بي ، بما فيها الربح .

    أنا ، علّمتني الأيام أن لا أنجذب إلى لذّة ممتطيا جواد جهلي ، متمثلا بحشرة تمّ وضع قطعة صغيرة من الزبدة فوق أنفها ، فتندفع في كل اتجاه ، باحثة عن مصدر هذه الرائحة ، مفترضة وجودها في كلّ مكان ، في كلّ مكان ، إلا حيث هي .

    أنا ، علمتني الأيام أن ابحث عن اللذة في كلّ مكان إلا خارج ذاتي ، وبعيدا عن نفسي . اللذة في داخلي ، والسعادة في وجداني ، والفرح في قلبي .

    أنا ، لم أستطع تحقيق ربح ، أو تسجيل نصر ، إلا بعد أن ادركت كلّ بارقة فكر في أنوار مفكرتي ، واقتنعت كلّ نبضة حياة في نسيج وجودي ، بأنه لا جدوى ، لا جدوى على الإطلاق من البحث عن الفرح ، واللذة ، والسعادة ، والنشوة ، والنصر ، والتميز ، في الربح الذي أسعى لتحقيقه .

    أنا ، لم أستطع تحقيق ربح ، أو تسجيل نصر ، إلا بعد أن تمّت لي الحقيقة كاملة : أن إفرح بالخسارة ، وأقبلها ، وهلّل لها ، ورحّب بها ، وأوسع لها مكانا في صدرك ، بالتمام ، كما أنت فاعل بالربح !

    نعم أيها الأكارم . أنا ، ما إن تمّت لي هذه الحقيقة ، حتى بدأت أحقق الربح ، وراء الربح ، دون أن أستشعر فيه لذة ، ودون أن انجذب إليه باشتهاء .

    نعم أيّها الأكارم . أنا ، ما إن تمت لي هذه الحقيقة ، حتى زالت لعبة الأعصاب عن مسرح عملي ، وسقطت من مفردات علمي ؛ فاذا بحلبة المصارعة مع السوق التي كنت أعيش عليها ، تتحول من تلقاء ذاتها الى فضاء فسيح تتناغم فيه الأصوات والألحان ، بحيث لا يمكن ان يكون مصدرا للفرح ، أو ينبوعا للسعادة ، لأنه هو الفرح عينه ، والسعادة عينها .

    نعم أيها الأكارم . أنا ، ما ان تمت لي هذه الحقيقة ، حتى أمسيت محققا للربح في الغالب ، وللخسارة في النادر ؛ دون أن أفرح به ، أو أحزن لها .

    نعم أيها الاكارم .

    إن تحقيق الربح لا يمكن أن يتمّ ، إلا ان ساوينا بين الربح والخسارة وقبلناهما على أرض سوية ، وتحت سقف سويّ .

    إن تحقيق الربح لا يمكن أن يتمّ ، إلا ان عملنا من أجل العمل ، ومن أجل العمل فقط ، عنيت : ليس من أجل الربح .

    إن تحقيق الربح لا يمكن أن يتم ، إلا ان عملنا من أجل الربح ، أو - أقول أو - من أجل الخسارة على السواء .

    إن تحقيق الربح لا يمكن أن يتم ، إلا ان امتلكنا آدابا جليلة رفيعة سامية ، أسّها أدب الرفق بالأعصاب .



  5. #15
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    920

    افتراضي

    أدب الرفق بالأعصاب . أو فن منع الخسارة .
    الجزء الثالث




    حتى ولو سعى الكلّ لتضليلك ، بإخفاء ما دسُم وسما ، وإبراز ما وَضُع وتفه ، فأنا لن أفعل .
    حتى ولو راوغ الجمعُ في ما ينصحون ، وكُذِبَ الكلّ في ما يصرّحون ، فصدّقني .
    أنا لم أصرّح إلا بما خبرت ، ولن أبلّغ إلا بما عملت .
    هذا السوق يبدوللكثيرين - إن لم أقل للجميع - غامضة حقائقه ، مبهمة تفاسيره ، مشفرة مفاتيحه ، مرصودة أبوابه ، عميقة لججه ، خطرة مراكبه .
    هذا السوق يبدو لي - وللكثيرين غيري - جليّة صفحاته ، بهيّة طلعاته ، حريريّة لمساته ، ورديّة بسماته ، محمولة عثراته ، مقبولة صفعاته ، مأمونة مواعيده ، مأمومة موارده .
    أنت وهو ، أنتم وهم ، الكلّ قادرون على أن يكونوا حيث أنا ، ليس في الأمر استحالة ، إن في الأمر لدقة .
    المتعاملون في هذا السوق - من حيث الهدف الذي يسعَون اليه - فريقان ، لا ثالث لهما .
    يسعى الفريق الأول ، ومنذ يومه الأول ، وفي خطوته الاولى ، إلى التعجيل في إجراء ضربة العمر ، ضربة تنيله المبتغى كلّ المبتغى ، وتميزه عن أقرانه كلّ أقرانه ، وتحمله الى النعيم ، والغنى ، والثروة ، والجّاه ، والعزّة ، والنفوذ ، والسّلطان .
    ضربة العمرِ ، ويا لها من كذبةٍ مُخمليّةٍ ندّاها إبليسُ بعطورٍ جناها من بستانٍ مَكرِه ، وحبكها بشِباكٍ حاكها من أحابيل مُغرياته .
    ويسعى الفريق الثاني ، إمّا منذ يومه الأول ، أو، بعدَ أن يكون قد استخفّ بالنصيحة ، وتلقى الصفعة ، وتلقن الدرس ، وفهم السرّ ، وفكّك الرموز ، وأدرك الأحجية ، وأشرك العقل ، وعطّل الجنون .
    يسعى الفريق الثاني هذا الى تحويل العمل من مراهنة الى تجارة ، يسعى الى اتخاذ هذه التجارة مهنة أساسية ، يمتهنها ، يتقنها ، يمارسها ، يكسب رزقه منها .
    يسعى الفريق الثاني هذا الى رزقه كلّ يوم ، راضيا بما قسمه الله له من رزق ، مُوسّعا كان أو مُقترا عليه به ، فترى الواحد راضيا بالدينار ، وممتنا للقنطار ،قانعا بالقليل ، راغبا بالكثير .
    الى الفريق الثاني أتوجّه بحديثي ، واليه أسِرّ خفايا قلبي .
    ألفريق الأول لا أعرفه ، أنا براء مما يفعل . أمقت غنى الظروف والمناسبات . أحِبّ جَنى فكري . أستلذ رغيفا دوّرته يداي .

    أن تكون البورصة مهنتك ، يعني نجاحَك في أن تؤمن دخلا ثابتا لك منها ، دخلا يكون ثمنا لمجهود فردي فكري وروحي في آن ، دخلا يتراوح بين القلة والكثرة بحسب ما منّ الله عليك من رصيد مادي ، وما وسّع عليك به من حنكة ودراية وذكاء .
    أن تكون البورصة مهنتك ، يعني بكل بساطة أن تكسب منها رزقا . ولتكسب منها رزقا ، لا بد أن تحقق منها ربحا . ولتحقق منها ربحا ، لا بد أن تمنع عن نفسك الخسارة .

    نعم أخي المتعامل . لكي تنجح في تحقيق الربح في هذا السوق الهائل العجيب ، يجب أن تبدأ من حيث انتهى غيرك - قصدت من حيث فشل - ، يجب أن تهتمّ في الدرجة الأولى بمنع الخسارة . كلّ خسارة ، كبيرة كانت أو صغيرة . فإن نجحت في ذلك ، فقد نجحتَ في المرحلة التالية ، عنيتُ تحقيق الربح .

    نعم أخي المتعامل . إليك سرّي :" إنّ تحقيق الربح يبدأ من النقطة التي لا يجوز أن تصل إليها ، وليس من النقطة التي يجب أن تصل إليها ."

    إنّ السواد الأعظم من المتعاملين يبدأون عهدهم مع هذا السوق بالبحث عن الوسيلة المثلى التي تحقق لهم الربح . انهم يسعون الى دراسة كل المؤشرات المتوفرة ، الكل يبدأ بالبحث عن وسيلة تؤمن له فهم أسرار الدفاع والمقاومة السحرية . ألكل يريد ان يشترك بسباق باريس داكار . ألسواد الأعظم من المتسابقين يسعون الى امتلاك أفضل سيارة توصل الى الهدف . ألسواد الأعظم يسعى الى ال IBM او ال APPLE . ألسواد الأعظم يفخر بال WINDOWS XP او ال NT . ألسواد الأعظم يفضل اليوم الشاشة المسطحة FLAT DISPLAY . ألسواد الأعظم ينطلق من باريس ويريد بلوغ داكار قبل غيره . ألقلة تهتم بكل المعوقات التي يمكن أن تحول دون الوصول الى الهدف . ألقلة انكبت قبل ساعة الصفر على هذه المعوقات وأوجدت حلا لكل منها . هذه القلة هي المؤهلة بالوصول الى الهدف . هذه القلة هي التي وصلت فعلا . هذه القلة بوسعها ان تصير هي الكثرة .
    يصل الى الهدف من أدرك موقع المنعطف ولم تنحرف سيارته عن الطريق . من استبق وجود حفرة ولم ينزل فيها متسببا بعطل يحتاج الى ساعات من التأخير . من لم يتجاهل عن قصد وعورة مسافة يعرف مخاطرها . من لم يركب مراكب هوسه وسار على رمال متحركة .
    في السوق سباق ولا أمرّ . ليس بالضرورة أن يكون النصرُ من نصيب الأسرع . النصرُ هو غالبا من صنع الاذكى ، ألأدهى ، . ألحظ يمكن أن يكون من نصيبك مرّة لكنّ عقلك وفطنتك معك دوما .
    اخي المتعامل . إن روحَ نخوتنا العربية ، وأعرافَ فروسيتنا العربية ، وذهنية بطلنا عنترة ، لا فائدة لها في هذا المكان . نصحت واحدا من محدثيّ مرة بشعر عربي شاع واشتهر الى أن صار مثلا ، قلتُ :
    ألعقل قبل شجاعة الشجعان --------- هو أوّل ٌ وهي المحلّ الثاني .
    أعجبه كلامي كقول ، أثنى عليه ، أيدني في ما أرى ، هنأني على مبدأي . مضت دقائق خمس ، خاطبني بقوله : راهنت على صفقة كبيرة ضد الدولار ، في الصباح اكون قد خسرت كلّ ما في حسابي ، أو اكون قد ضاعفته . سألته : هل راهنت ضد الدولار ؟ أم تراك بعت الدولار ؟ أدرك صاحبي ما رميت اليه . لم يجبني . خفت عليه .
    عاد في الصباح ليقول : ليتني عملت بما أشرت عليّ . لم أفاجأ بما أسرّ إليّ . واسيته . أمِلت أن يفلح في التغلّب على هَوَسِهِ .

    مُحدّثي كنت قد حدّثته بمشهد قلّ من لم يشاهده على شاشة التلفاز . غزال يرعى في مرج أخضر ، هو يتلذذ عشبا طريا ساهيا عن كلّ ما سواه . على مسافة غير بعيدة أسدٌ يتربص اللحظة المناسبة للإنقضاض ، هو يمني النفس بلحم طري منصرفا عن كلّ ما سواه . في السماء جماعة من الكواسر تبحث عن حصّة في رزق قد يكون المولى ادخّرهُ لها في جعبة كرمه وإحسانه .
    اللحظة دنت . ألأسد ينقضّ . الغزال ينهار . جماعة الاسود تشارك . جماعة الطير تنزل إلى الأرض . تتجمع على بعد امتار قليلة . هي تعرف قدرها . تعرف انها غير مدعوة . تقدّر الخطر .
    البعض منها يغلبها طمعها ، تسيطر عليها شهوة غريزية ، تندفع الى المغامرة ، تحبّ المخاطرة ، تقترب من الفريسة مستغفلة شبلا ، تلتقط حينا ما تستطيعه من رزق ناجية من شرّ انتقام ، وتقع حينا في وزر جنونها فما تصيب إلا جروحا في عنق أو جناح عوضا عن نصيب في وليمة .
    ألطيور المجرّبة تتصبر وتنتظر . هي تعرف أن ساعتها لم تأتِ بعد . هي تراقب بدقة العالم الفهيم . هي تدرك أنها ستصيب من الغذاء ما تحتاج اليه . هي لا تطمع بأكثر مما تحتاج اليه .
    دقّت الساعة . شبعت الأسود . انصرفت عن المكان . تسابقت الكواسر الى الفريسة . نالت كلها ما تحتاج اليه ، كل بحسب قدرته وحاجته .

    أخي المتعامل . إن شئت أن تلقى نصيبك في هذا السوق ، عليك :
    1 - بالدرجة الاولى أن تسعى بكل ما أوتيت من حيلة وقدرة وحنكة ، حتى لا تكون الغزال .
    2 - بالدرجة الثانية أن تقتنع بكل جوارحك ، وتدرك بكل مداركك ، أنّه ليس باستطاعتك أن تكون الأسد ، هذا دور غيرك من اللاعبين .
    3 - بالدرجة الثالثة أن تعرف أنه قدّر لك أن تكون الطير الكاسر في هذا السوق ، فتشكرَ الله على نعمته ، وتراقبَ بدقة جماعة الطيرفي هذا المشهد التلفازي ، وتركزَ على كل حركة من حركاتها ، وتعملَ على التمثل بها ، وتقليد كل تصرّفاتها .
    إن غامرت فكن طائرا سريع الحركة ، يحسنُ الإستعانة بجناحيه إن خانته قدماه ، كن حريصا على منع الخسارة ، أو في أسوأ الأحوال على تقليلها . وإن لم تغامر فانتظر ساعتك ، إذ لن يفيدك بشيء أن تلبس جلد أسد . ألأسود تعرف بعضها .
    أخي المتعامل . إن كنت مبتدئا في السوق فاعلم !
    إنّ اول شرط لتحقيق الربح في هذا السوق هو تحاشي الخسارة ، التقليلُ منها ، منعُها كليا إن أمكن . وكن على ثقة ، إن نجحت في ذلك ، فإن نصيبك من الربح لا بد ان يكون محفوظا .
    أخي المتعامل .
    أخبرني أحدُ معارفي قال : لقد سمعت نشرة الأحوال الجويّة في الصباح ، كانت تبشر بيوم ربيعي مشمس . بعد ساعتين رأيت الغيوم الدكناء تغطي صفحة السماء . هي تتكاثر بحيث انها حجبت كلّ نورٍ من الشمس . ظللت واثقا بأن خطر العاصفة بعيد . ألم يؤكد مذيعُ الأخبار في الصباح إن النهارَ سيكون ربيعيا بامتياز ؟ لقد كنت أحمقا ، وما عرفت ذلك إلا بعد أن تبللت ثيابي ، وعدت الى منزلي في منظر جُرَّذٍ يخرج لتوّه من بركة ماء آسنة .
    كُن شديدا في التنبّه ، سريعا في القرار ، حازما في التنفيذ . إيّاك والعناد ! . إيّاك وبلادة الذهن !

    أخي المتعامل .
    إن مصير صفقتك يتحدّد فور فتحها ، بل قبلَ فتحِها . إعلم - وبخاصة إن كنت مبتدئا - إن فتحت صفقة ودخلت بها السوق دون أن تكون قد حدّدت كل ما يحيط بالصفقة من مخاطر، ومن حظوظ ، فانت قد ارتكبت أشدّ الأخطاء ، ووقعت في أخطر المحظورات .
    إعلم - وبخاصة إن كنت مبتدئا - إن قدرتك الذهنية تكون حرّة من كلّ قيد ، متحرّرة من كل ضغط ، قادرة على كل قرار ، عارفة بكل قاعدة ، واعية لكل خطر قبل أن تفتحَ الصفقة وتصيرَ داخل اللعبة . فإن فعلت ، فاعلم - وبخاصة إن كنت مبتدئا - إن قدراتك العقلية هذه يختلف مردودُها ، فهي لا تلبث أن تصيرَ أسيرة المشاعر المدمّرة ، ولا يمكن لها أن تلبيَ النداء ، إن انت شعرت بحاجة ماسة لعونها .
    خطّط لصفقتك قبل فتحها ، حدّد مسالكَ الكرّ ، أرسم مخارجَ الفرّ ، واحرص على ان يكون هدفك الأول في كلّ ذلك : منعَ الخسارة بأي ثمن .

    أخي المتعامل .
    هذا غيضٌ من فيضٍ . ولنا في الأمر كلامٌ وفير . أرجو لك التوفيق كلّه والخيركلّه .

  6. #16
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    920

    افتراضي

    حصبة الفوركس




    قد يبدو العنوان غريبا للوهلة الأولى ، خاصة للعتاق الذين يعرفون الحصبة ، سمعا أو معاناة .
    " دريد لحام " أو " غوار " كما يعرفه الكثيرون ، واحدٌ من أذكياء الأمة .. أحترمه ! أحب فنه !
    أبٌ سوريٌ ، أمٌ لبنانية .
    " دريد " سبكة لبنانية سورية .
    سبكة ؟
    نعم سبكة نفيسة ، أوليس الفنان الملتزم من الذهب أغلى ؟
    سأحاولُ ألا أطيل !
    في شبابي المبكّر ، كنت أحب " غوار " ومقالبَه . اليوم بتّ أحب " دريد " أكثر من غوار .
    سألت نفسي تكرارا عن مردّ محبتي له . لم أجد جوابا .
    ترى ألأنه سبكة لبنانية سورية ؟ - أو سورية لبنانية - لا فارق - لا أعرف ، قد يكون هذا واحدا من الأسباب .
    من الأسباب بالتأكيد ايضا ، أن الرجل طريف ، ظريف ، لكن ما يعنيني فيه كونه ملتزم شريف .
    نكتته تضحِك دوما الى حدّ الحسرة . لا تخلو ابدا من البعد السياسي . نقدُهُ تلميحي لطيف . فيه صفعة ، خال من اللسعة . خرّاقٌ للجلود السميكة ، يٌشعرُ ولا يؤلم !
    سمعته يحكي عن طفولته . أعجبني اعتزازه بمنبته المتواضع . قرأت نفسي في كلماته . دمعت عينه إذ تحدث عن أمه . دمعت عيني لصدق كلامه !
    غفِلت عن متابعة الحديث . عدت اليه بعد سفرٍ في الماضي للحظات . فاتني سماع كلام دمعت له عينه مرة ثانية . رأيته ينزع نظارتيه ليمسح دمعة . دمعت عيني لرؤية عينه دامعة ، دون أن أعرف السبب . نزعت نظارتي ومسحت عيني أيضا - ليس بمنديل كما فعل ، بل بكُم القميص - ، كما عندما كنت ولدا !
    لا لا ! لسنا امة عقيمة ! عندنا الكثير الكثير من المبدعين . ليت المفسدين يتنحّون ، ليتهم يسلمون مبدعينا الدفة . لو قٌدر لهم ، لكانوا رعاة صالحين !
    أطلنا !
    لا بأس سنصل في حديثنا الى " الفوركس " .
    سماعُ حديث " غوار " حملني الى الماضي ، والماضي الى الحصبة ، والحصبة الى الفوركس .
    حديث " دريد " أثار فيّ ذكريات ، سافرت في الماضي ، إلى أيام السعادة والبراءة . أحداث وأحداث . عذابات ولذائذ في الحياة . لا أعرف سبب توقفي أمام أيام " الحصبة " .
    " ألحصبة " صارت اليوم من أمراض الماضي ، أوجد الطب لقاحا لها . في أيامنا كانت من هموم العائلات ، وبخاصة الأمهات ، فيما لو دخلت البيت .
    حرارة عالية ، حبيبات وردية صغيرة تكسو الجلد في كل أنحاء الجسد . تذهب وتعود ، مرات ومرات ، إلى أن ينظف الجسم منها . الحصبة يجب أن يصاب فيها الانسان ، مرة واحدة في حياته ، غالبا في طفولته .
    عندما دخلت الحصبة بيتنا ، أصابتنا جميعا ، أخوتي وأنا . كان علينا ملازمة الفراش ما يقارب الشهر . غذاؤنا الوحيد شوربة العدس . هكذا سمّوها ، ولكنها ليست من الشوربة بشيء . عدس مسلوق بالماء ، يمنع عنه الزيت أو أي نوع من السُمون ، حتى الملح كان ممنوعا .
    أولاد يأكلون هذه الوجبة ما يقارب الاسابيع الثلاثة . أمّ ملهوفة تحتار في لفلفة أجسادهم الطرية ، مخافة البرد . " الحصبة " زارتنا في الشتاء . كنت الحلقة الأضعف بين أخوتي . خوفها علي كان دوما لا يقاس . كنت أعرف ذلك . صرت أقدر ذلك اليوم أكثر . العمر يعلم .

    شبعت نفسي من الذكريات . عدت الى هموم العمل . تداخلت الأفكار ، ولاحظت أن " الحصبة " مرض يغزو سوق " الفوركس " .
    كل متعامل في هذا السوق ، يصاب مرة بهذا المرض ، لا مهرب له من ذلك . لا لقاح مجدٍ له . لا دواء مجدٍ له . فقط الحمية في الطعام . والحمية في الطعام بالنسبة ل " الفوركس " فصلناها في مواضع عدة . عدم تحميل النفس أكثر مما تستطيع .
    كل متعامل في هذا السوق ، عليه أن يحسب ل "حصبة الفوركس " حسابا ، فإن زارته ، عليه بالعدس المسلوق شهرا كاملا ، وبالدفء والصبر والرفق بنفسه . وقبل كل شيء عليه بالحرص على رضى أبويه ، والطلب اليهما أن يُكثرا له من الدعاء .
    وإن لم يفعل ، فسيكون من الصعب عليه أن ينجوَ من " حصبة الفوركس " . والحصبة إن لم تدارى فهي قاتلة !

    هذه حصبة الفوركس الوردية ، أما الحمراء فالويل منها ، وهي أشد أشد خطورة . فماذا تراها تكون ؟
    الحصبة الحمراء يصاب بها قلة من المتعاملين وليس كثرة . وهم إن أصيبوا صار خطرُهم على غيرهم أشد وأكبر من خطر المسعور ، أبعده الله عنكم وعنا . وإليكم التفصيل فيها .
    أخبرني أحد العاملين في " عرب أونلاين بروكرز " قال :
    حادثني يوما أحد المهتمين بالفوركس . بعد السلام ، أراد أن يطمئن الى مصداقية الشركة فركز على هوية العاملين فيها ومنبتهم ، ثم انتقل للسؤال عن القائمين على إدارة شؤونها وأخلاقياتهم ومقدار الثقة التي يمكن إيلاءهم إياها .
    بعد أن اطمأنت نفسه الى كل ذلك ، وأنِست للتوجه العام ، عرض حاجته . قال :
    أعجبني موقعكم ، انا أتدرب على العمل منذ فترة ،أريد أن أعمل معكم ، ليس كمتعامل بل كمسوق ، أعرّف العملاء على شركتكم وأربح من جراء عملي هذا . وأنا أقنعت لتوي أحد معارفي ، وهو يريد أن يفتح حسابا بمبلغ عشرة آلاف دولار . الأمر مبتوت ، ولكن لي شرطٌ واحد لعقد الإتفاق . - أقنع أحد معارفه -
    قالها حتى قبل أن يسمع الجواب فيما إن كان ثمة موافقة على طلبه .
    أشرط ، قال محدثه .
    أريد أن أحتسب لنفسي مبلغ عشرة دولارات ، تحسم لي عن كل عقد يجريه الزبون ، تحولونها الى حسابي . شرطي ألا يعرف او يشعر أو يطلع الزبون على ذلك .
    أخبرني من كان محادث الرجل . قال :
    ما استطعت عليه صبرا ، ولكنني كتمت غيظي ، أبلغته بأن شيم وأخلاقية ومصداقية القيمين على العمل والعاملين فيه - هذه الصفات التي ارتحت لها في بدء حديثنا - لا تسمح لنا بالتعامل بهذا الاسلوب . وأنهيت الحديث معه . ذهب مغتاظا .
    عزيزي القارئ . ألآتي أعظم !
    ألامر يدعو الى السخرية ، أو الى الإشمئزاز ، أو الى القرف . أنا أعرف ذلك . ألمعذرة لا أريد ان أعكر يومك إن كنت مصبحا ، او أحلامك إن كنت ممسيا ، لكن الأمانة تدعو الى السرد ، وليس العجب في ما سلف من ، بل في ما سيأتي .
    كان الرجل مصابا بحصبة الفوركس الحمراء ، وكان المرض قد اشتد عليه . أبى إلا ان يكون مسيئا . أراد ببساطة أن ينتقم لنفسه . إتصل بعد ما يقلّ عن الشهر . طلب نفس الشخص الذي حادثه في المرة السابقة . شاء أن يفقأ حصرمة في عينه . أعطاه اربعة عناوين لأربعة مواقع قال بفخر واعتزاز : هذه كلها لي .
    تصفحنا المواقع فكان العجب .
    الرجلُ صار مسوقا لاربع شركات في الفوركس دفعة واحدة ، يعرض خدماته على خلق الله ، وخلقُ الله غير دارين ما يمكن أن تجره الحصبة الحمراء من ويلات .

    عزيزي القارئ . لن أكثر عليك من الامثلة التي لا تحصى ، منها المبكي ومنها المضحك ، لكنّ ثمة واحد يحرق شفتي ، ألبوح به يريحني ، وقد يكون فيه منفعة لك .

    إتصل بي أحد المتعاملين معنا وهو من معارفي القدامى . أعطاني عنوان موقع . قال : هل هذا الموقع تابع ل " عرب أونلاين بروكرز " ؟
    فتحت الموقع ، وجدت نفس النصوص ، نفس الإخراج ، نفس الصور ، نسخ عن موقع " عرب أونلاين بروكرز " ولصق على الموقع الآخر . قرصنة الزمن الجديد .
    هززت رأسي . استعذت بالله . كدت ان اقفل الموقع لأعود الى محدثي فأجيبه عن استفساره . وقع نظري على اسم الموقع . القرصنة أيضا في هذا المكان . أخذ الرجل - بل الرجال ، هم ثلاثة - اسم " عرب أونلاين بروكرز " حذف منه الكلمة الأخيرة . ركز مكانها كلمة أخرى . لقصر نظره لم يعرف ان التركيب قد تشوّه ، صار يتضمن خطأ لغويا . صفق لنفسه للاكتشاف الجديد . هو مستعجل في كل شيء ، مستعجل حتى في خداع الناس وتضليلهم . ألأخطاء اللغوية في اسم موقعه غير ذات أهمية . ألمهم أن يقدم نفسه للناس على أنه عرب أونلاين . الكلمة لها رنة ومصداقية ...
    عزيزي القارئ . لقد أخبرتك بجزء من العجب في هذا الموقع والجزء الأكثر سخرية آت :
    كنت قد أخبرتك إنني هممت على ترك الموقع والعودة الى صديقي ، لكن رؤيتي للقرصنة في إسم الموقع أثارت حشرية جديدة في نفسي . عدت الى الموقع من جديد . ضحكت كما لم أضحك منذ زمن .
    على ماذا ؟
    إليك الخبر . قرأت في الموقع ما معناه :
    إن كل من يجلب زبونا ليفتح حسابا للتعامل في " الفوركس " عبر هذا الموقع يأخذ عشر دولارات تدفع له نقدا من أصحاب الموقع . وأضاف : تخيل لو أنك تجلب عشر من الزبائن فانت ستربح مئة من الدولارات .
    اخي القارئ !
    لا أنكر أنني ضحكت . ضحكت كثيرا . ولكنني في قرارة نفسي حزنت . حزنت كثيرا .

    حزنت لأشياء كثيرة كثيرة .
    حزنت لمصير هؤلاء الذين سيغرر بهم من أجل عشرة دولارات .
    حزنت من أجل الشركات التي ترتضي ان تسقط الى هذا الدرك تسويقا .
    حزنت للمستوى الذي حمل إليه بعض المسيئين العمل في " الفوركس " .
    حزنت لتحول " الفوركس " لسلعة تباع على طبق يحمله بائع على رأسه ويدورمناديا : معانا فوركس .... .
    وكل ذلك لم يحل بيني وبين الضحك .
    ضحكت للإبداع الغريب في التسويق المتماشي مع القرن الواحد والعشرين .
    ضحكت لأنني تذكرت أحد معارفي . كان اسمه عبدالله ، لم يوفق في تجارة " الفوركس " ، لعله صار صاحب واحد من هذه المواقع المنتشرة على النيت !!
    إشتقت لعبدالله ، تحدثت عنه مرة في واحد من مقالاتي ، مضى عليّ زمن غير يسير لم أسمع منه كلاما .
    ضحكت وضحكت ، لأن الذاكرة عادت بي خمسين عاما الى الوراء ، الى مشهد بائع كنت أراه يحمل سلة كبيرة على رأسه ويدور بها في الأحياء ، إلى جملة كنت قد ظننت إني نسيتها وها هي تستيقظ في ذاكرتي .
    كان الرجل ينادي على بضاعته : " كراكير، مناكير، زيت شعر، وبكر " .
    وما استطعت ان أقفل الموقع المشؤوم دون ان أتخيل اليوم الذي سيرسل فيه أصحاب المواقع هذه مندوبيهم الجوالين الى الاحياء الشعبية للمناداة فيها ترويجا لبضاعتهم : " فرنكات ، ينات ، يوروات ، دولارات . قرب يا ابو العيال ، وينك يا ابو الولاد . "

    اللهم هوّن على خلقك ، وعلينا !!!!!


  7. #17
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    920

    افتراضي

    السوق دوما على حق



    كان السوق أمس صعب المراس ! السوق دوما صعب المراس . كان السوق أمس معدوم الشفافية ! السوق دوما معدوم الشفافية . ليس من العدل ان تعج كلمة " تريشه " بالايجابيات ثم نفاجأ بتراجع اليورو ! صحيح في الامر ظلم للكثيرين . ليست كلمة " تريشه " هي التي تحدد مسار السوق بل فهم السوق لها وتفاعله معها . ما يحرك السوق باتجاه معين هي الرساميل التي تصب بهذا الاتجاه أو ذاك ، وغالبا ما يحصل ذلك لسبب عاطفي أكثر منه عقلاني . هذه هي البورصة وهي دائما على حق . حدثان شديدا الشبه يوم أمس :

    تراجع اليورو الذي سبب خسارة للبعض ، وتدافع الحجاج في مكة المكرمة الذي سبب مأساة للكثيرن . كلاهما نتيجة لسبب واحد . في الحالتين هناك من يهرب ولا يعرف من أي خطر ، هذا هو السوق . وان صار كامل الشفافية بطل كونه سوقا . لو صار كامل الشفافية لأمسى كل داخل اليه رابحا ، ولأفتقرنا الى من يصنع الخبز والثياب والبيوت وغيرها من حوائج الحياة . بوضوح أكثر : تكلم السيد " تريشه " رئيس المركزي الاوروبي .

    ألقى بيانه بكل هدوء . كل شيء تقريبا إيجابي . لا مدعاة للقلق . جاءت ساعة أسئلة الصحافيين الذين غالبا ما يتحولون الى محققين عدليين . ظهر على السيد تريشه بعض التردد حيال بعض الاسئلة الحساسة . هو غير واثق من كون النمو قد خطا الخطوات الكاملة لتعدي دائرة الخطر . هو لا يستطيع ان يؤكد وان يحدد متى سيأتي وقت الخطوة التالية لرفع الفائدة . هو لا يستطيع أن يسمي الامور بأسمائها . يريد ان يكون متحررا من التزام ما . أسقطه الصحافيون في الامتحان وتعلق المتعاملون بكلمتين تحملان معنى السلبية متناسين كل الايجابيات التي سبقت . هكذا هو السوق !! ولكن هل يصح القول بأن ارتفاع الدولار وتراجع اليورو وغيره من العملات الرئيسية كان فقط لهذا السبب ؟ طبعا لا ! لا يجب نسيان الميزان التجاري الاميركي الذي أظهر تراجعا للعجز بنسبة فاقت ما كان السوق يتوقع لها اذ تراجعت الى ما دون ال 65 مليارا . اذن الحيرة كانت قائمة والميزان يتأرجح . يتأرجح بين ايجابيات البيان الاميركي الذي يسمح بارتفاع الدولار وبين بيان المركزي الذي يسمح بارتفاع اليورو . في هذا الوقت جاءت كلمات " تريشه " المترددة فغلبت كفة الدولار على اليورو ورجح الميزان الى ناحيته . هل هذا فقط ؟ طبعا لا . بل كما يحصل دوما في مثل هذه الحالات فقد تفعلت ستوبات كثيرة كانت تتواجد تباعا في السوق فوق المقاومات المتتابعة وتحت الدفاعات المتتالية فكان الهلع وكانت كرة الثلج وكان ما كان .

    هل يعني ذلك ان الدولار قد استعاد شبابه وجدد عافيته ؟ لنكن واقعيين . طبعا الجواب نفيا . ان تراجع العجز التجاري بضع المليارات ليس كافيا للذهاب هذا المذهب . لا بد من انتظار مؤشرات أكثر تعبيرا . مؤشرات توحي بالثقة إنتاجا وبطالة واستهلاكا وهذا ما سيعطي الاسابيع القادمة أهمية متجددة لعلها تحمل الخبر اليقين . حتى الان لا نزال في نطاق التخمين . التخمين على الصعيدين الاميركي والاوروبي . ما هو مؤكد الان ان نهاية الجاري سترفع الفائدة مرة واحدة على الدولار . ما هو مرجح جدا انه في مارس سترفع الفائدة مرة واحدة على اليورو . البيانات القادمة ستنبئ اذا بما يلي .

  8. #18
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    920

    افتراضي

    ألني ثقتك , أصنعْ منك صيّاد صفقات ! (1)



    ومن منا ان قارب الستين لا يحنّ الى عهد الشباب !

    انا أفتقده في كل يوم ، ويزيد افتقادي له مع كل غياب شمس , أرجو ان يعود مع كل إطلالة فجر .

    للشباب روعة ، وله مذاق , وله بهاء , وله نقاء , وله فتنة , لا يدرك قيمتها إلا الكهول .

    يا لروعته - الشباب - ان طغى فيه السعي على الكسل !

    يا لفتنته - الشباب - ان كان كلّه , أو جلّه ، بناء وجنى !



    تلك الأيام الحلوة التي كانت لا تعرف فشلا إلا لتتكلل بعده بنجاحات . تلك الأيام الساحرة المصطبغة بأرجوان انتصارات ما تحققت الا اغتصابا للحقيقة , والحقيقة إن نجحت في اغتصابها تنسكبُ على قدميك سائلا أرجوانيا دافئا ، غيرُ عينك وغيرُ فؤادك لا تبصرُه عين ولا يشعرُ به فؤاد .

    نعم أيها الأكارم , كل واحد منكم مدعو لفعل اختراق نوراني لغشاء الحقيقة النوراني ؛ وإن تمّ فعل الإختراق فقد تكشف الأفق النوراني ، وإذا بك لا ترتضي العيش مع ذاتك جريحَ الفشل , أسيرَ الخيبة ؛ ولكن فارسا مقداما , راجيا أن تغلبهما على الدوام , قادرا أن تغلبهما في غالب الأحيان .

    نعم أيها الأكارم , ألوني ثقتكم , وأنا صانع منكم صيادين مهرة !

    نعم أيها الأفاضل , انا لا أنظم شعرا , حتى ولو تجلببت أفكاري بالمختوم من الكلام .



    أيام الشباب التي ذكرت أفقدتنا الكثيرَ من رونقها أيامُ الحرب . الحرب التي لعبها هواة حمقى في أواسط السبعينات في لبنان . حرب لبنان عرفنا يوم اندلاعها أنها عبثية عاهرة , عرفنا أنها تفتقر لشرف يجب ان يتوفر لكل حرب لتستحق أن تخاض بإسم وطن أو من أجل شعب . عرفنا ذلك , وخالفنا بقدر استطاعتنا أن نخالف مَن خاضوها من أصحاب وخلان وأحبة , إتهٍمنا وعُيّرنا وطورِدنا وخوِننا وحوصِرنا . كل ذلك لأننا رفضنا ال " نعم " لحرب سخيفة قذرة ملوثة . وها هم اليوم فرسان تلك الحرب يطأطئون الرؤوس : " لقد اخطأنا يوم تقاتلنا " ، هكذا نسمعهم يصرحون .



    إندلعت الحرب قبيل منتصف العام 1975 , وكانت بدايتها في بيروت , فما كان منا إلا الإنكفاء عنها واللجوء إلى ريفنا الذي ما أحببت شيئا في الأرض مقدار حبي له .

    وفي ريفنا ترابٌ تفوح منه رائحة من المسك أعطر , ترابٌ ينسيك زفت بيروت .

    وفيه صخرٌ وجبلٌ وتلة ومنحدرٌ ومُتسلقٌ ومُنبسطٌ وواد .

    وفي ريفنا أحراجٌ مدروزة شجرا من كل صنف ونوع .

    وفي ريفنا بساتينٌ مغروسة شجرا من كل ما لذّ وطاب .

    وفي ريفنا نبعٌ وسبيلُ ماء يسمونه عينا , وفيه ساقيةٌ , ونهيرٌ يسمونه نهرا .

    وفي ريفنا سنونوة تحمل إليك بشائرَ الربيع , وديكٌ بشارة النهار .

    وفي ريفنا طيرٌ مهاجرٌ وطيرٌ مقيم .

    وفي ريفنا - ولعلها أخير وأطهر ما فيه - فلاحة , حَرَمُ فلاح , وبنت فلاح . سرقت الحرب ابنها , أو سرقته المدينة , أو سرقه البحر . ما عاد ابنها فلاحا . خسرته الأرض .

    وفي ريفنا - ولعله أكبر وأشرف ما فيه - فلاحٌ يزمجرُ كأسد ويأبى كنسر . هو , هو وحده يملك حق اغتصاب الارض وسره ؛ وهي , بقدرة قادر , تسلّم ذاتها وتكشف ثدييها, بكل ما فيهما من جمال واكتمال ؛ وهو , هو بما يشبه عفافا ألوهيا , يتدحرج بينهما كملهَم , غير مبصر سوى عضوي غذاء ونبعي خير وبركة , فإذا هو يغفو في حضن التراب مع كل ربيع , ولا يملك إلا ان يتجدد بأفواج متكررة من الاحلام .

    أيها الأكارمُ . إن - أو لو - أعطيتم ريفا كما أعطينا , أكان يمكن لقلوبكم إلا أن تهيمَ به حبا ؟

    نحن , أحببنا ريفنا وانكفأنا إليه يوم طُردنا - أو هربنا - من بيروت , انا لا أجد فارقا بين الحالتين , فقد تنازلنا عنها يومها للمتحاربين - أو قل للمتناحرين المتذابحين - الذين يسمون أنفسهم أخوة . وهناك الى اهتمامنا بالحقل والكتاب والصحيفة اليومية ونشرة الأخبار المسائية ، أخذنا الصيد , فكانت به متعتنا المُثلى .

    موسم صيد السّمّن في لبنان يبدأ في أواسط التشارين ويمتد الى أواخر الكوانين , تتدفق فيه أفواج الطير عابرة للبحر الأبيض المتوسط سعيا الى الدفء والغذاء الذي تجده أكثر ما تجده في أشجار الزيتون التي تكون قد أنضجت ثمارها - وبكم من المجهود والصبر - وحان قطافها , بعد أن اختزنت هذه الأخيرة أكبر قدر ممكن من الزيت .

    كان طير السّمّن مفتونا إذا بحصوص الزيتون المستوية اليانعة ألبابه يتلذذ بطعمها , وكنا نحن مجموعة من الصيادين من مختلف الأعمار مفتونين بطير السّمّن المدهِنة مؤخرته المكتنزة صدوره نتسابق الى صيده . وفي صيد طير السّمّن كان لواحدنا طريقته وللآخر استراتيجيته , لواحدنا خطته وللآخر مدرسته . فحين يفضل البعض الجري في الأحراش سعيا وراء ما قد يصادفه في طريقه من طير على غصن أو فوق صخرة , كان البعض الآخر يؤثر الوقوف في مكان مشرف على وادٍ سحيق تعلوه بساتين الزيتون راسما استراتيجيته على أساس أن جماعات الطير لا بد لها أن تخرج في الصباح من مكان مبيتها في الأحراش الى البساتين سعيا الى الغذاء فيكون هو لها في المرصاد ان مرّت تجهد في الطيران صعودا في مرمى بندقيته .

    وكان بيننا في تلك الفترة رجلا جاوز الستين , وكان الى مجاوزته لنا عمرا قد جاوزنا أيضا حنكة وتبصرا مما أهله لأن يكون لنا مرشدا وموجها . كان الرجلُ يرافقنا كل يوم من الضيعة التي نسكنها , ولكنه يفارقنا عند وصولنا الى باب الغابة خلسة , أو قل تسللا , متعمدا ألا يثير ضجة , حريصا على ألا يستدعي انسحابُه سؤالا مُحرجا من أحدنا عن المكان الذي يقصده . والحقّ يقال أن واحدا منا , نحن الشبان الأغرار غير المحنكين كفاية في الحياة , غيرالمجربين كفاية في الصيد , لم يرَ في طريقة انصراف الرجل غرابة , ولم تثره طريقة افتراقه كل يوم عن المجموعة في نفس المكان سالكا نفس الوجهة , كما لم تثره وفرة الطيور التي كان يعود بها , ظنا منا أنها نتيجة طبيعية للهالة التي كانت تحيط بصاحبنا بحكم سنه وخبرته .

    ولكن الأمر تكرر وطال وما عاد يقع في نفسي موقع التصديق والاستساغة , وما عدت أصدق أن الأمر نتيجة شطارة فقط , ففي حين كان يطلق كبيرنا بين عشرة وخمس عشرة طلقة ليعود بعشر الى خمسة عشر طيرا ,كنا كلنا مجتمعين - وكان عددنا يزيد أحيانا على خمسة شبان - نطلق ما يزيد على مئتي طلقة لنعود بما يقل عن عشر طيور . لا بد من أن يكون في الأمر سرّ , ثارت فيّ حشرية البحث والتدقيق , فقررت أن أتجسس على رفيقنا بحثا عن السرّ الذي تقصّد إخفاءه عنا .

    اتخذت قرار التجسس مساء يوم غنم فيه صاحبنا ضعف ما غنمناه مجتمعين , فما غمض لي جفن في تلك الليلة ولا هدأ لي بال , وأنا من ذلك الصنف العنيد الذي إن استقر قراره على شيء يصعب عليه ألا يناله . إنتظرت الصباح وما ان بدأت عساكر العتمة بالانهزام وطلائع الضوء بالظهور, حتى كنت في طريقي الى الغابة , هدفي البحث عن أثر ما , والتدقيق في دليل ما , والتحليل لمعطيات ما قد أقع عليها وتكون كفيلة بإرشادي الى ضالتي ووضع حد لتساؤلاتي .

    انطلقت في مهمتي التي انتدبت نفسي لها , وبدأت بتنفيذ خطة أمضت مخيلتي الليل بكامله في رسمها . عليّ أن أبحث عن كومة من الطلقات الفارغة يكون صاحبي قد تركها في مكان ما يكمن أو يقف فيه . عليّ أن أبحث عن مكان أزيلت منه نباتات شوكية مزعجة ليتسنى للصياد أن يتحرك فيه براحة وهدوء . علي أن أبحث عن رماد خلفته نار قد يكون مريدنا أوقدها ليدفأ في يوم بارد غابت شمسه . علي أن أبحث عن معلبات بلاستيكية او معدنية قد يكون الرجل تناول غذاءه منها وخلّفها وراءه . علي أن أبحث عن آثار حذاء تسلق كان صاحبنا ينتعله .

    انطلقت في مهمتي , وبحثت عن كل ما سبق تعدادُه , لكني فشلت في العثور على أثر يفيدُني , فالرجل كان من الدهاة , لعله يكون قد أزال عن عمد وتصميم كل الآثار التي يمكن ان تفضح سرّه . كدت أن أيأس من إمكانية النجاح لولا فكرة ( ذكية) خطرت لي وكان فيها بارقة أمل . عملت بموجبها . بحثت وبحثت , حللت ودققت , رسمت وحذفت . وجدت ضالتي . وكان لي في ما وجدته تجربة وأمثولة أفادتني كثيرا في عملي في السوق في ما بعد , بحيث أن واحدة من أفضل استراتيجيات العمل فيه قستها عليها واستنبطتها منها . .

    نتيجة تجسسي على صاحبي الذي كان يكبرني سنا ويفوقني حنكة , كما بند مهم من بنود خطتي التي قستها عليها لأطبقها في فتح الصفقات , سوف لن أخفيها عنكم أيها الأكارم - كما فعل كبيرنا معنا - ولكنها تأتي في الحلقة التالية .

  9. #19
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    920

    افتراضي

    ألني ثقتك , أصنعْ منك صيّاد صفقات ! (2)



    لقد فشلت خطتي , ولم افشل انا !

    بنيت خطتي في البحث عن الحقيقة على التجسس ولم أفلح في بلوغها !

    لم أشكّ ابدا في قدرتي على بلوغ مرادي !

    سرّ نجاحي قام على عدم إقراري بفشلي , وإصراري على تحميل النتيجة التي وصلت اليها لخلل في الخطة التي اعتمدت ، وليس لي شخصيا .

    أنا صممت الخطة الفاشلة ، أنا أصمم غيرها .

    لو أقريت بأني أنا الذي فشل لكانت النهاية المحتومة ، أقريت بفشل خطتي . وثقت بقدرتي على الانبعاث من جديد . من هنا كانت بدايتي الجديدة . الحل بسيط : علي استبدال الخطة أو تعديلها ، والبحث عن الطريق الأسلم للوصول الى الهدف المنشود .

    بدايتي الثانية ، انطلاقتي المتجددة بنيتها على ضرورة إعادة النظر في موضع الخلل الذي اعترى خطتي الاولى ، وهكذا كان .

    لماذا فشلت خطتي الاولى ؟

    أعتقد ، واميل الى التاكيد بان فشل المحاولة الاولى يعود لكون المنطلق انجرافا وراء مشاعر جياشة تدفع باتجاه البحث عن نصر ما ، وتضغط من أجل تسجيل نجاح ما ، بأية طريقة ، وبأي ثمن ، وبصرف النظر عن الأسلوب والوسيلة . هذا هو الفخ الخطير الذي يجب تحاشيه ، هذه هي الحفرة العميقة التي يجب التنبه لها .

    خطتي الاولى كانت نسيج اندفاع وتسرع ، كانت نتيجة رغبة الحصول على نصر رخيص : التجسس على صاحبي .

    التجسس على صاحبي . بكلام لائق مخفف منمق : إستعارة شيء من عندياته ، إقتباس اكتشاف وفق اليه ، اقتراض فكرة من افكاره .

    لنكن صريحين : التجسس على صاحبي يعني سرقة ملك له وصل اليه بجده وتعبه .

    المرعى وفير ، والجو فسيح . النبع غزير ، والساحة تتسع للجميع . علامَ التحاسد والتصارع ؟





    المشكلة على المشرحة ، الرحلة الى الحقيقة .

    في كل مرة يسود فيها العقل ، يتحقق النصر .



    انطلقت في رحلتي الثانية للبحث عن الحقيقة من قناعة أولية ثابتة لا مجال للتشكك فيها : إن صاحبي لا يصطاد الطيور طائرة بل على شجرة . هذا سر اقتصاده في عدد الطلقات .

    علي اذا ان أن أبدأ مسيرة الحقيقة من هذه النقطة وليس من البحث عن آثار قدم أو بقايا طعام أو طلقات نارية فارغة . عليّ أن أبحث عن شجرة ، عن شجرة في غابة ، عن شجرة في غابة كثيفة الشجر ، عن شجرة مميزة عن غيرها من الشجر ، عن شجرة يقع عليها الطير اختيارا ولسبب ما لا يزال مجهولا لدي .

    ألخطوة الصحيحة الأولى في مسيرتي نحو الحقيقة قد تمت .

    علي أن أبحث عن مكان الصيد ليس بالتجسس على صاحبي بل على الطير .

    علي ألا أقتفي آثار صاحبي ، بل آثار الطير .

    ألخطوة الصحيحة الثانية في رسم درب الحقيقة قد تمت أيضا .

    يا لغبطتي ! أنا ذكيَ ، ذكيّ جدا ، هكذا قيّمت نفشي في هذه اللحظات الحرجة . .



    هي حربي أنا ويجب أن أربحها بعدتي . مسموح لي أن أتمثل بصاحبي ، وليس مسموحا لي أن أسرق ما حققه هو . إذا لا بد من درس الأرض جيدا ، من طرح الاحتمالات كلها ، من حذف غير المنطقية منها ، من تصنيف المنطقية الى عادية ومهمة وشديدة الأهمية ، من التعامل معها بأولوياتها .

    وهكذا كان .

    صعدت الى مرتفع يشرف على الغابة دون أن يكون بعيدا عنها . وقفت على صخرة وفرت لي فرصة مراقبة كل كبيرة والتدقيق في كل صغيرة ، مسحت الغابة كلها بناظري فماذا رأيت ؟

    رأيت شجرة واحدة ، بدت لي مميزة ، لا شبيه لها في هذه الغابة المترامية . شجرة زعرور نبتت على أكَمة صغيرة وسط شجرات من السنديان والملول والشربين ، تفصل بينها شجيرات من البطم والقندول والوزال ، تشابكت مع بعضها بحيث أنها باتت توفر ملجأ صالحا لمبيت الطير ليلا ان أخذته الوحشة ، وللفيء فيه نهارا ان اشتدت حرارة الشمس .

    كانت شجرة الزعرور مميزة بموقعها بحيث انها علت ما سواها من شجر وشمخت فوقه ، وكانت كذلك مميزة بشكلها بحيث أنها خلت من الأوراق كليا ، وان أغصانها تعرّت بحكمة حكيم إلا من بعض حبوب الزعرور ذات اللون الأحمر القاني .

    قلت - وفي نفسي فرحة المستشعر بالنصر ، المستبشر بطلائعه ، المبصر لمدلولات لا بد أن تصيب - إن لفي الأمر سر ، وقد تكون فيه ضالتي . أراقب حركة الطير ، وقد يفتح الله لي من المراقبة بابا .



    راقبت حركة الطير ساعة ، أو ربما ساعتين ، او ربما أكثر . أمعنت النظر في كل تحرك ، مررت كل فكرة على غربال الشك المنهجي والنقد الايجابي . انتهت الساعة ، أو ربما الساعتين ، فإذا بصرخة الإنتصار المؤكد : وجدتها ، وجدتها !



    كانت طيور السمن المرقطة وبعض الشحارير السوداء تجول فوق الغابة عند وصولها باحثة عن مدرج سهل مناسب تقع عليه ، وكانت بمعظمها لا تجد من شجرة الزعرور أفضل ، ولا منها أسهل ، فتستريح عليها برهة من الزمن تقصر أو تطول ، تحدد خلالها مكانا تنتقل إليه في عبّ شجرة أخرى ضمن الدبشة المحيطة بشجرة الزعرور .



    رجحت عندي كفة على أخرى ، وملت الى الظن بأن ضالتي قد وجدت . قررت الاستمرار بالمراقبة لمزيد من اليقين .



    كانت الشمس قد مالت الى المغيب ، وكان وقت الصيد المفضل عند صاحبي قد دنا ، وقت الصيد المفضل هو وقت مبيت الطيور ، وقت صيد الطيور عند مبيتها . رأيت الرجل يقبل من بعيد ، ثم يدخل الغابة من طرفها الغربي على درب تتلوى بين شجرة وصخرة ، وترتفع على اكمة فتنخفض وسط منزلق . رايته يقبل من بعيد ليغيب أخيرا وسط الادغال فتستحيل رؤيته أو تحديد وجهته إلا تقديرا وترجيحا .

    إستمريت متسمرا في مكاني وفي رأسي فكرة أتتبع مدلولات بَناتها ، وفي يدي رأس خيط استرشد بوجهته . عيني على شجرة الزعرور ، وفكري على التقدير الذي ارغب في ان اراه وقد تحول الى يقين .

    مر الربع الأول من الساعة التي قررت أن أستمر فيها في عملية الرصد والمراقبة . لم يحمل لي الربعُ الاولُ جديدا . كاد الربعُ الثاني أن ينقضي ايضا . عيناي على الشجرة ، أعصابي مشدودة كأوتار ، أملي كبير وخوفي أكبر . هذا شحرور أسود يحوم فوق الغابة حومة ، ها هو يجنح مائلا الى اليسار ثم ينخفض تدريجا ويتجه الى شجرة الزعرور . ها هو يغطّ على غصن من أغصانها . في هذه اللحظة تنطلق طلقة من بندقية صيد . تنفست الصعداء . إقتربت خطوة من الهدف المرجو .

    قررت الاستمرار في المراقبة . تسمرت عيناي على شجرة الزعرور أكثر فاكثر ، إنشدت أعصابي الى اوتارها أكثر فأكثر . مرت خمس دقائق أخرى ، جنح طير سمن مرقط قاصدا شجرة الزعرور . وطئت قدماه غصنا من أغصانها . إنطلقت طلقة من بندقية . تنفست الصعداء مرة جديدة . أنا في الطريق الصحيح .

    مكثت في مكاني ما يزيد عن ساعتين فصلتاني عن المغيب . رفرف خلال هذا الوقت فوق شجرة الزعرور ، وغطّ عليها ، خمسة عشر طيرا من أحجام وأنواع مختلفة . إنطلقت في نفس هذا الوقت خمس عشرة طلقة من بندقية صيد .

    كانت كل طلقة تتبع نزول كل طير بما يقارب الثانية وقتا .

    كانت كل طلقة تحمل لي تأكيدا لما كان ترجيحا ، فأطرب لها ، وأهنأ بها ، وأغبط نفسي على نجاحها وأهنئها على فلاحها ، فتمتلكني أحاسيس كل ما يمكن أن يقال فيها إن الملوك كانوا ليحسدوني عليها لو انهم شعروا بمثلها .

    نعم أيها الأكارم ، لقد نجحت في مخططي . كان نجاحي ثمرة لجهدي الفكري التحليلي المصيب .

    كان من حقي أن أفخر بما حققت .

    كان من حقي أن افرح لما حققت .

    إفرحوا لفرحي ، فالآتي لا يقلّ أهمية عما مضى .





    أمضيت أمسية ليلتي هذه وسط حالة من الرضا والهدوء جعلاني أبيت على تصميم بأن يكون لي في الصباح يوم عمل وبحث وتخطيط جديد لا يقل أهمية عن سابقه .

    بتّ الآن على يقين تام بأن صاحبي يكمن للطيور ولا يجري وراءها .

    بتّ الآن على يقين بأن الطيور تأتي الى صاحبي ، ولا يذهب هو اليها .

    بتّ على يقين بأنه يرمي رميات واثقة على هدف حدده مسبقا ، وليس على ريح كيفما هبّت الريح .

    لقد حددت المكان الذي يتواجد فيه صاحبي ، وعرفت الوسيلة التي يأنس اليها لتحقيق ظفره ( ربحه ) في كل يوم صيد . لقد حققت نصرا عظيما ولكن هذا النصر لم يفدْني الا بالمجال النظري حتى الآن ؛ شجرة الزعرور هي شجرة صاحبي . هي اكتشافه هو . هي نتيجة سعيه هو ، سأكون من الجبن والحقارة والتفاهة بما لا يتناسب مع مبادئي إن انا سابقته عليها أو نافسته فيها .

    الجو فسيح ، والمرعى وفير ، والنبع غزير . الساحة تتسع للجميع ، علامَ التحاسد والتصارع ؟



    معركتي مع ذاتي مستمرة اذا ، ولا بد من سعي مستديم . الهدف لم يبلغ بعد .



    الهدف يُختصر بضرورة أن تكون لي شجرة زعرور كما لصاحبي ، لا أن تكون لي شجرة صاحبي . الهدف هو أن اصطاد طيورا كما يفعل صاحبي ، لا أن اصطاد طيور صاحبي .

    طلع علي الصباح فعززت نفسي بزاد قروي متواضع ، قوامه عدد من الارغفة ، أدامها قطعة من الجبنة البلدية البيضاء ، وعقدت العزم أن أضيف اليها حفنة من الجرجار (حبوب الزيتون الشديدة النضج ) ، والتي كان علي أن أجمعها طازجة من كرم زيتون لا بد من ان اعبر وسطه وصولا الى الغابة التي جعلتها اليوم ايضا مقصدا لي وهدفا .

    بلغت الصخرة المشرفة على الغابة – والتي كنت قد حولتها في اليوم السابق الى برج للمراقبة - قبيل طلوع الفجر . ومن عليائي عاودت مهمة المراقبة والرصد .



    مسحت الغابة مرة اخرى بناظري - هذه المرة بواسطة منظار صغير حملته معي لهذه الغاية - ، ثم عاودت مسحها مرة ومرة ، فرأيت .

    رأيت على الناحية الشمالية منها شجرة تتوسط مجموعة من شجيرات قزِمة تقصرها قامة وتقلها شموخا ، شجيرات تحيط بالشجرة الأم كما لو كانت خادمات أمينات لملكة نحل . هنّ يتحلقن حولها ، ويقمن على رعايتها ، دون أن تطمح واحدة منهن للتجرؤ عليها أو التمثل بما فيها .



    قلت : هذه هي ضالتي ، وهذا هو مقصدي .

    قصدت المكان فبلغته بعد ساعة من الجهد ، غير آبه بما كان يصيبني من وخزات تخصني بها دبابيس شجيرات القندول دفاعا عن حصونها ، وغير مكترث لجروح تتلقاها يداي من حجارة كنت استعين بنتوئها في تسلق حائط أو قفز فوق منحدر .

    بلغت الموقع فعمدت الى دراسة جهاته الاربعة ، وحددت الموضع الأفضل لتكوين مخبأ أرى الطيور منه ولا تراني الطيور فيه . كوّرت المخبأ وسط شجيرات كثيفة أوراقها ، وموهت مدخله بجذوع مورقة جمعتها من المكان . جعلته فسيحا وعاليا بحيث يكون فيه متسعا للجلوس والوقوف والاضطجاع . كان الوقت قد جاوز الظهيرة فاسترحت ساعة تناولت فيها شيئا من المؤونة التي كنت قد حملتها معي ، ثم جلست محدقا في الشجرة العملاقة التي جعلتها مقصدي ، مترقبا سقوط أول طير عليها ، ممنيا النفس بالظفر به .



    ربع ساعة اول . ربع ساعة آخر . جناحان يرفرفان فوق رأسي . غصن يهتز على الشجرة المرَاقبة . طير سمن ذكر عليه .

    رفعت بندقيتي بحذر . ثبتتها على كتفي . صوبت على الطير . كدت أن أطلق الطلقة ، عاود طير السمن انطلاقه ، لعله قد رآني . الطير عين وجناح .

    كمدت غيظي . واسيت نفسي . قلت : خيرُها بغيرِها .

    ربع ساعة أخرى تمر . جناحان آخران . غصن آخر يهتز. طير سمن جديد على الشجرة . يا لحظي ! يا لسعادتي ! لقد احسنت في اختيار المكان .

    عاودت الحركة ذاتها ، أطلقت طلقتي ، لم أوفق بالاصابة ، طار الطير في نفس اللحظة التي ضغطت فيها على الزناد . نجا بنفسه وتركني فريسة مشاعر الغضب والندم . ليتني عجلت وأطلقت قبل ثانية واحدة . لو إني فعلت لما كانت جعبتي الآن فارغة .

    غضبت وثرت ولعنت حظي العاثر. لم يكن من الهدوء بدّ . هدأت وواسيت نفسي بما يرضيها ، وانتظرت فرصة جديدة ، يحدوني الأمل أن تكون على أفضل من سابقتيها .

    جاءت الفرصة الجديدة وجاءت عديدات بعدها . لم أفلح في بلوغ مرادي . لم أوفق في الفوز الا بطائرين من السمن بين ما يزيد على الاربعة عشر طائرا نزلت كلها على الشجرة . كانت الطيور تنجو بنفسها قبل أن أضغط على الزناد بجزء من الثانية فتذهب طلقتي سدى ، أو كانت تغادر الشجرة في اللحظة التي أثبت البندقية على كتفي وأهم بإطلاق النار .

    طائران من أربعة عشر طيرا . صيدٌ غير وفير ، وكان من الممكن أن يكون وفيرا .

    اثني عشر طيرا نجت ، اثنتي عشر نوبة غضب وانفعال وشتم وندم ، لم تفدني شيئا ، ولم تزدني إلا توترا وشللا إضافيا لقدراتي التحليلية المنتجة .

    حل المساء وكان علي أن أغادر المكان ، ولو قدر لي الخيار لما غادرت . لو قدر لي الخيار لمكثت في مكاني حتى الصباح مشغوفا بما حققت حتى الآن من انجازات ، ومدفوعا بنعمة وُهبت لي جعلتني أكره الإنهزام ، فأسعى بكل قواي الى حل يرضي طموحي ، حلّ لكل مشكلة تعترض تحقيق واحد من أهدافي . كان علي أن أغادر المكان ، ولو لم أفعل لكانت أرجاء الغابة قد رددت بعد أقل من ساعة أصداء صوت والد مشغول البال ينادي على ابن غرّ لم يبلغ العشرين بعد ، خافت عليه أمه من مكروه قد يكون أصابه ، في غابة لا يعلم الا الله ما يخبئ المجهول فيها من خفايا .

    كان علي أن أغادر المكان ، فغادرته وجل اهتمامي منصبٌ على الحل المنشود ، فما وطئت قدماي منزل والدي إلا وقد بلغته .

    امسكت الخيط من طرفه ، تبعت كل تحركاته ، بلغت آخره ، وجدت الحلّ . وجدت الحل بالتحليل والتدقيق والمقارنة والاستنتاج . وجدته بعيدا عن الانفعال والتوتر والعناد والتهور والاندفاع .

    قلت في سري : لقد اصطاد صاحبي اليوم على شجرته خمسة عشر طيرا . لقد اصطدت أنا على شجرتي طيرين .

    لقد نزل على شجرتي أربعة عشر طيرا ، ولو أني اصطدتها كلها لكنت قد حققت نتيجة مساوية بالضبط لنتيجة صاحبي .

    لو كانت نسبة اصابات صاحبي كنسبة اصاباتي انا - اي 2 الى 14 - لوجب ان يكون قد نزل على شجرته ثمانية وتسعين طيرا ليظفر بخمسة عشر منها . ان هذا مستحيل لان مراقبتي لشجرته في ما مضى حسمت استحالة هذا الامر .

    النتيجة اذا : نزلت على شجرة صاحبي طيور مساوية بالضبط للطيور التي نزلت على شجرتي . ولكنه فلح في اصطيادها كلها . فلح في ما فشلت به انا .

    اذا النصر الاول لي قد تحقق من حيث ايجاد الشجرة وتحديد المكان المناسب .

    الخلل يكمن في ما تبقى من تفاصيل . الخلل قد يكون في المكمن الذي أختبئ فيه وهذا أمر مستحيل لاني عملت على تمويهه بحيث انه بدا لكل عين كناية عن شجيرات تشابكت أغصانها فكونت ما يشبه دبشة يصعب الدخول الى وسطها .

    الخلل يكمن اذا في يدي اللتين لا بد ان تكونا أشد سرعة ، وفي تصويبي الذي لا بد أن يكون أكثر دقة ، وفي حركتي التي لا بد أن تكون اكثر عياقة .

    هنا صرخت مرة جديدة : وجدتها وجدتها !

    لقد كانت صرختي هذه محقة ، صرخة المنتصر الذي استحق نصرا ، لقد وجدتها فعلا ، وكنت جديرا بجني ثمار ما وجدت .

    الطير كما السوق تماما : عين وجناح .

    عين يستكشف بها وجناح ينجو به .

    انطلقت من هذه القاعدة لحل اللغز فماذا وجدت ؟

    الطيور لا تنزل على الشجرة التي أكمن لهم تحتها للمبيت فيها بل يتخذونها خطوة اولى للانتقال الى مخبأ أكثر امانا ، فهي اذا تتخذها ممرا وليس مستقرا .

    لحظة نزولها تعمد الى مسح المحيط المرئي بعينها الثاقبة يمنة ويسرة ، ولا بد انها ترى اية حركة حتى رفع البندقية بتؤدة وترو فائقين . هي ترى فتعمد الى الهرب قبل ان تبلغ البندقية الكتف أو قبل الضغط على الزناد .

    الحل اذا ؟

    يجب رفع البندقية الى الكتف في الفترة التي يكون الطير لا يزال بعيدا مترا او مترين عن الغصن الذي يهم بالنزول عليه . في هذه اللحظة تكون عين الطير مصوبة بشكل تام على الغصن وتكون حواسه مركزة على عملية الهبوط بنجاح ، فتنطلي عليه الخدعة ، وتمر الحيلة ، في وقت لا يستطيع التفكير بامكانية وجودها ، ويسهل تحقيق ( الربح ) والوصول الى ( الهدف ) بسهولة ندرت مثيلتها .

    يجب أن يتم الضغط على الزناد في اللحظة ذاتها التي يوشك فيها الطير أن يمسك غصن الشجرة باصابع قدميه ليثبت عليها ، ومع آخر رفة لجناحيه انتقالا للاتكال على قدميه . في هذه اللحظة تكون حركة الطير قد هدات ، وتكون قدماه قد لامست الغصن او كادت ، ويكون قد صار في وضع ثابت او كاد ، ويكون ثقل جسمه لا يزال بعهدة جناحيه أو يكاد . في هذه اللحظة بالذات ، لحظة تسليم ثقل الجسم من الجناحين الى القدمين ؛ في هذه الوضعية بالذات ، وضعية التسلّم والتسليم بين الجناحين والقدمين ، النجاح مضمون مئة بالمئة .



    هكذا عمدت الى تحليل الامر ، وهكذا وصلت الى الحقيقة الدامغة : صاحبي يحقق النجاح بهذه الوسيلة وانا ساحقق نفس النجاح ان شاء الله لي ذلك .



    اليوم التالي : نجاح باهر .

    ماذا كان في اليوم التالي ؟

    ماذا أفدت من تجربتي ؟

  10. #20
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    920

    افتراضي

    ألني ثقتك , أصنعْ منك صيّاد صفقات ! (3) - والاخير



    أعرف اني أطلت الغياب وكان علي ألا أطيل . من الأخوة المهتمين في متابعة ما يُكتب في هذه الزاوية السماح ، للعمر حق ، للظروف الصحية أحيانا حق . حتى الفَرَس المؤصلة لها حرنات . الكلمة أيضا قد تحرَن حينا ، فتحجم عن تلبية ما للفكرة من رغبات ، ولا يكون بدّ من هجرٍ بين العاشقين ، إلى أن يعود الحنين ، فيسيل الحبر على الورق من جديد تجارب تليها امثولات وعبَر .
    في وقت الانقطاع هذا سمعت عتابا : كل ما سبق كان تقديما ، هات الخطة نحن ننتظر الختام .
    وسمعت : ما همّنا من كل ما سبق . لا غرام لنا في الطيور ولا شأن لنا في صيدها .
    وسمعت : كفتني كلمة من كل ما كتبت ( صياد صفقات ) . هذه الكلمة جعلتني أغير خطة عملي كلها . بدأت من جديد . أعتقد أن النجاح سيكون قدرا لي هذه المرة .
    وقرأت : لن أكون بحاجة لانتظار ما ستزيد من شرح وتفصيل ، أنا قرأت بين سطورك وفهمت ما ترمي اليه . أشعر بأني على وشك أن أكون صيادا ( في غابة يسمونها سوقا ) .
    وقرأت : ما شأني في كل ما تكتب ؟ أنت تتوسل الإنشاء ، والزخرفة اللفظية وأنا عن كل ما تقول في غنى . أريد تحقيق الربح في عملي ، ولا أهدف لشيء آخر .
    وسمعت : قرأت ما كتبت بشغف . قرأته مرات ومرات . وفي كل مرة وجدت الجديد . وفي كل مرة أفدت مما ظننته تفصيلا في ما سبق . أحسني الآن صيادا محترفا ، أعرف مواضع الكرّ ، ومواقيت الفرّ .
    سمعت الكثير الكثير ، طربت حينا لما سمعت ، حزنت حينا لما سمعت . ولكن الحق أقوله لكل من يبحث عن اتعاظ ، واقوله بكل ما للصدق عندي من مكانة وإجلال وتهيّب .
    أقول إنني أنا نفسي - أنا نفسي كاتب تفاصيل هذه التجربة الحياتية الدقيقة - أعود من وقت لآخر الى ما خطت يداي ، فأفيد منه في ما أفعل كل يوم . أنا نفسي أجد في الكلمة التي نقلت فكرة من أفكاري - اذا ما عدت اليها - صورة متطورة جديدة ، لم أتنبه لها في حالة وعيي السابقة .
    لم أتنبه لها في حالة وعيي السابقة ، إذ تكون قد تسللت من مفكرتي تسللا ، وتقمصت جسد كلمة من كلماتي تقمصا ، وتحولت الى قول من أقوالي تحولا ، واستهدفت عقلا من عقول قرائي استهدافا ، وثبتت في وعي بعضهم جنينا ينمو ليصير منهجا . كل ذلك في لا وعيي الكامل لما يصير حقيقة تامة ؛ ولا أعي تلك الحقيقة إلا إن عدت الى ما كتبت من جديد ، فأزداد تعلما من نفسي بترجمة تجربتي تطويرا مستمرا لمنهجي الذي لا يعرف الركود الآسن ، ويبحث دوما عن ضجيج ، عن ضجيج مبتهج خلاق .
    أنا نفسي ، أفيد كل يوم من استذكار تجربة أكون قد عشتها مرة وهجرت ذاكرتي لفترة ، ثم إن عدت الى أوراقي أراها قد انطلقت من جديد ، فإذا هي شعاعي المحيي وجناحي المنبعث . أنا نفسي أعيش هذه اللحظات فلا يخجلنّ أحد مما يستحق الفخروالاعتزاز .

    الانتقال من التخطيط الى التطبيق .


    يومي الأخير كان يوم القطاف ، قطاف ثمار جهد طال زمنه ، تحليلا لمعطيات ، وتدقيقا في ظاهرات ، وبحثا عن ثوابت ، ورسما لتوجهات . قطفت الثمار وحفظت الدرس الذي تحول بالنسبة لي الى منهجٍ حياتي يقوم على عدم أخذ الأموربظواهرها السهلة رؤيتها ، بل البحث دوما عن بواطن غالبا ما تكون الدرر في ألبابها .
    في يومي هذا كنت شخصا آخر ، كنت شخصا مصمما على الربح لا باحثا عنه . كنت شخصا واثقا من الربح لا متوسلا له . كل الشكوك التي رافقتني في أيامي السابقة غادرتني اليوم وبت والثقة صنوان . في أيامي السابقة كنت أنتظر صيدا لأفرح ، أليوم أنا في حالة من الفرح المستمر ، أنا واثق من النصر المؤكد . أنا قوي اليوم في نفسي ، النصر لي . كنت في ما سبق أبحث عن نصر ليس فيّ . الصيد ( الربح ) ، النصر يستحيل أن يتحقق إلا إذا صار حالة فرح وجداني ملازم للنفس غير منفصل عنها .
    في هذا اليوم لم يعد يهمني ان حققت صيدا وفيرا او متواضعا . لقد تأكد لي النصر وتحقق الربح بمجرد بلوغي الهدف . الهدف هو الصوابية في التفكير ، المنهجية في التخطيط ، الدقة في التطبيق . كل ما تبقى من نتائج تكون تفاصيل غير ذات أهمية .
    الحق الكامل اقوله لكم : كان فيّ اليوم انسانا جديدا ما عرفته من قبل . بت لا أكترث لعدد الطيور التي سأصطادها . كان يهمني ، وكنت واثقا ، وكنت فرحا ، فقط لأنني اعرف أن خطتي ستسمح لي بصيد ( ربح ) كل الطيور التي ستقع على شجرتي ، سيّان عندي أكان صيدي ( ربحي ) هو لطيرين او لعشرين او لمئة طير . يجب أن ( أربحها ) أظفر بها كلها ، او بالغالبية الساحقة منها ، هذا هو مقياس نجاحي ، هذا هو مبعث فرحي .
    كنت فرحا لأنني بت أملك شجرة في غابة ، هي شجرتي أنا . بت املك استراتيجية صيد ( عمل ) ، إستراتيجية أوجدتها عبقريتي وهي كشجرتي ، لي ، لي أنا ، لي أنا وحدي . كنت فرحا ، وكان فرحي عظيما . أنا محظوظ جدا . أنا أملك شجرة وخطة .

    ما عملته في اليوم الأخير كان لمسات أخيرة على مخطط رسمت له ما وجب أن أرسم ، وعملت فيه ما يجب أن أعمل ، فإذا هو ضالتي التي وجدت وفخري الذي استحقيت . جلست في مخبأي ولم أقف . جلست على حجر مسطح خفيض ، بشكل يسمح لركبتي ان تكونا سندا ليديّ اللتين تحملان البندقية ، دون أن أضطر للإنحناء إلى الأمام إلا قليلا ، وبشكل يسمح لعينيّ التحديق في الشجرة كما في الفراغ المحيط بها ، رصدا لكل حركة يمكن ان تستجد عبر جناح مقبل من بعيد .
    جلست في مخبأي . كفّاي ممسكان بالبندقية . أصبع اليد اليمنى على الزناد في تأهب مستمر ، ويقظة فائقة ، وجهوزية كاملة . أنا أعرف عمّا أبحث ، أعرف ما انتظر ، أعرف الوقت الذي يحين فيه التدخل ، أعرف اللحظة التي يجب فيها أن أتصرف ، أعرف ان عدم التصرف أو التردد ثانية واحدة قد يضيّع الفرصة ، لذلك تراني لا أتردد . ( ضياع الفرصة لا يعني ضياع العمر ، ثمة فرص أخرى لا بدّ آتية )
    أنا اليوم أعرف كلّ تفصيل مما سيحصل معي ، أرى كل شيء آت كما لو إنه من الماضي . أنا أعرف . كل شيء فيّ يعرف ، يداي تعرفان ما عليهما ، عيناي لا تجهلان ما لهما ، أكاد أقول إن كلّ خلية فيّ أخذت على عاتقها شيئا ما .
    معرفة نتيجة الفعل يقوم على الثقة بالفعل ، وأنا كنت واثقا في ما انا فيه وإليه .
    في هذا الوقت ما عاد يعنيني ما يفعله صاحبي وكيف يحقق نتائجه . انا لي طريقي ، لي خطتي ، علي السعي لتطويرها وتهذيبها وتحسينها سعيا لما هو افضل .

    من صيد الطيور ، الى صيد الصفقات ..

    في السنة التالية لموسم الصيد كان صاحبي قد غاب عنا . لبى نداء ربه مع الذين لبّوه ضحايا حرب ظالمة . هجرت الصيد والوطن بعد ذلك بقليل . جاءت المرحلة التي شاء الله لي فيها أن أتعرف على غابة أخرى - البورصة - أكثر وعورة وأعقد الغازا من غابتي الأولى ، وشاء لي أن افيد من خبرة اكتسبتها في الصيد مراقبة وتحليلا وتخطيطا وتنفيذا ، وشاء لي أن أدمي يديّ وقدميّ في مسيرتي الثانية هذه ، وشاء لي أن أفرح بهذه الجروح التي تتكرر دوما دون أن أبالي بأوجاعها ، وشاء لي أن اعثر لاعود فأنتصب من جديد ، وشاء لي أن أعرف أخيرا كل قرنة في هذه الغابة العالية مخاطرها ، وأحفظ كل درب من دروبها ، وأتعرف على كل شجرة من شجراتها ، وشاء لي أن أتعلم في كل يوم فيها درسا جديدا على امتداد سنوات طوال . وشاء لي أن أحفظ الدروس جيدا ، الى ان بلغت ما بلغت من معرفة حمتني من تجارب كثيرة ، ووقتني شر عثرات لا تحصى ، ووفرت علي مغامرات وفيرة خاضها غيري وكنت في مأمن الا من قلّة محصورة مخاطرها .


    حاولت في اول عهدي بالبورصة ان استورد لنفسي خططا ، واستجدي استراتيجيات جهد غير في وضعها . حاولت الحصول عليها تارة بالحيلة والتجسس، وطورا بالتفاوض . كنت أحصل عليها حينا بهذه ، وحينا بذاك . لكنني والحق يقال ، كنت أشعر بعدم الرضا تجاهها ، كنت كمن يلبس ثوبا فُصّل لغيره ، ولا نفع له منه .
    عمدت الى شراء اشارات توصيني ببيع وشراء على نقاط محددة . قلت : أوفر على نفسي جهدا ، أن كنت قادرا على شراء رغيف طازج فلِمَ الزرع والحصاد ، ثم الطحن والعجن والرق والخَبز ؟
    جربت هذا فما نفعني بشيء . في حين كان خبّاز التوصيات هذه يهنأ برغيفه ، كنت أجد فيه أحيانا طعما عفنا يُكرهني الطعام ويجبرني على الابتعاد عنه . كان مثلي مع هذه الحالة مثل من جهل الصيد وفنونه فكان يعود كل يوم الى بيته مفتخرا . البندقية في يمناه وجملة من الطيور في يسراه . طيور اشتراها من السوق ، فقط ليوهم زوجته بقدراته المزيفة .
    حاولت كل شيء قبل ان أهتدي الى الحقيقة التي لا حقيقة سواها : أنا هنا في غابة لن ينفعني فيها سوى جهدي وعقلي وإرادتي وقوتي . عادت الى ذاكرتي أيامُ الصيد ، فاستقيت من تجربتي الاولى كل تفصيل وأفدت من كل عبرة فيها .
    اقتنعت انه لا جدوى لي من صيد الصفقات طائرة ، وانه لا بد لي من انتظار وقوعها على مدرج لأظفر بها . إقتنعت وثبت لي بالنتائج المقنعة أن علي التربص بالسوق كما يفعل النمر حيال فريسة قبل أن ينقض عليها ، وكما كنت أعمل يوم غرامي بصيد الطيور . كما اقتنعت أن السوق يكون حينا طائرا صغيرا او متوسط الحجم يسهل صيده كما يكون أحيانا وحشا كاسرا يجب الاحتراس منه ، فإن آلمته ولم أصب منه مقتلا ارتد علي بكل ما فيه من قسوة ورغبة بالانتقام . ولكم نجح في الحاق الهزيمة بي إذ أكون قد أطلقت عليه في غير الموضع أو الوقت المناسب .
    أصبت جراحا كثيرة من وحوش السوق أولا ومن كواسره تاليا ، الى ان تكونت عندي القناعة البليغة أخيرا . علي أن اكتفي في بداية عهدي بالطيور الصغيرة ، صيدا أجمّعه فوق صيد ، وربحا أجمّعه فوق ربح ، حتى اذا بتّ قديرا وبات هو وفيرا ، إغتنيت عن جوع وعلا شأني وصرت مقتدرا في تطوير مخططاتي وتجذيرها .
    طبقت اذا في أول عهدي بالسوق نفس استراتيجيتي في الصيد فنجحت . كانت أوقات العربدة في السوق لا تجذبني الى العمل ، دون أن تربكني أو تخيفني . كنت أدرك أن للهيجان هذا نهاية محتومة ، فأشحذ خنجري ، والقم بندقيتي ، وأتخذ وضعية التأهب الواجبة ، وأنتظر . كان يطول بي الإنتظار حينا ويقصر احيانا ، ولكن الظفر كان دوما من نصيبي ، وما اذكر أني خرجت من المعركة بجراح إلا في ما قلّ وندر ، وإن حصل فغالبا ما يكون نتيجة خطأ ارتكبته ، خطأ حتمته ضغوط نفسية او جسدية طارئة .
    نعم أيها الاكارم ، ولّت الفترة التي تحكمت بي فيها التوترات النفسية ، والأزمات الوجدانية . صرت صيادا بارعا في غابة تنجو القلة من مزالقها . سرّ براعتي هو نجاحي في تحديد هدفي ، وتوازن هذا الهدف مع قدرتي في كل مرحلة من مراحل عملي التي كنت أطورها بشكل متوازن معها . وكانت لي مرحلة صيد جديد مستقاة مبادئه من الفترة الاولى ومطورة بحسب قواعدها .
    نُصحي لكل صيّاد يبغي في هذه الغابة صيدا أن يعي الخطر بنفس النسبة التي يطمع فيها بالربح .
    نُصحي له أن يُحدد موضع الصيد والتوقيت المناسب له ، ثم أن يكمن بانتظار صفقة بعينها في لحظة بعينها يعرفها ، فلا يرضى عنها بديلا .
    نُصحي له أن يكتفي في المرحلة الأولى لعمله بأرباح قليلة تقوي من عزيمته وثقته إن هي تتابعت ، وتصلّب من عزمه وتصميمه إن هي تجمعّت وتراكمت لتوفر ثروة صغيرة تكون منطلقا لتطوير الاستراتيجية وتحسبنها .
    أقول لكل من أحسن تنظيم خطته واختيار شجرته وبناء مخبئه إن طيرا يقع على غصن عال للشجرة يسهل صيده وتُضمن إصابته ، وإن طيرا يغلّ بين الغصون قد يكون في مأمن إذ انه يكون محميا بالغصون . أقول : أطلق على كل طير مضمون بنسبة عالية واصرف النظر عما سواه .
    أوصي كل من ورث مالا كثيرا وشاء أن يتاجر معنا أن يحرص على ماله الموروث باتباع نفس الخطوات في المراحل الأولى ، فيكتفي بالصغير من الطير ( القليل من الربح ) يصيده في أوقات هادئة محددة ايضا ، وأن لا ينسى أبدا أن وحوش هذه الغابة في جوع مستديم ، لا تشبع أبدا ، وهي قادرة على ابتلاع كل شيء ، والإجهاز على كل ثروة مهما عظُمت . الحلّ الوحيد برأيي لكل متعامل ( أو لكل مبتدئ على الأقل ) أن لا يعرّ ض نفسه بصدر مكشوف لأنياب الوحوش هذه وبراثنها.

    هذه وصيتي ، حصاد زرعي ، نتيجة تجاربي ، جنى جهدي .
    هذه وصيتي ، حصيلة حرصي الدفين على أن يفيد مَن أولاني الثقة من تجاربَ كانت لي دروسا لا أنسى منها كبيرا ولا أنسى صغيرا .
    نصيحتي أخي : خذ بوصيتي ، تقِ نفسك شرّ العثرات .


ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •