دع الاتكال والنعاس .. الاعتماد على الذات سر النجاح

من وسائل الفوز والنجاح للأفراد والجماعات في مقاصدها وغاياتها الاعتماد على النفس وعدم الاتكال على الغير في قضاء المصالح.

فإن الاتكال كما قيل وسادة لينة يتطلبها من يميل إلى النعاس، وأي فرد أو شعب تربى تربية استقلالية إلا وتجد النصر حليفه و الظفر أليفه في جميع ما يتجه إليه من الأعمال فعاش حرا شهما عزيزا محترما في أعين الناس.

إن الاعتماد على النفس درجة لا بد منها في سلم الرقي و النهوض و الإصلاح، فإن الاعتماد على الغير في خدمة القضايا الهامة وتسيير دفة الإصلاح مظنة الخيبة والإخفاق، فإذا كسل الإنسان عن قضاء مصالحه ووهن عن مباشرة شؤونه بنفسه فغيره أكسل و أوهن، ولا سيما في هذا العصر عصر المادة و عباد المادة.

وما نجاح المسلمين في العصر الذهبي عصر النبوة إلا بعملهم بذلك المبدأ الإسلامي العالي وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، و ما إخفاقهم الآن في مواقع كثيرة إلا بتركهم لذلك المبدأ واعتمادهم على غيرهم الذي كان السبب في هلاكهم و خرابهم.

وعلى هذا النحو كانت قضايا الأفراد المعتمدين على أنفسهم فما نجح و ظفر من ظفر وفاز من فاز سواء في علم أو مال أو منزلة علياء إلا بالاعتماد على النفس.

وهل خاب من خاب وخسر من خسر إلا بالوهن و الفشل و الاعتماد على الغير؟ ولا تكثر المصائب وتتوالى الهزائم إلا في الأوساط التي سادت فيها فكرة أصحاب الطرق التي تعتمد في حياتها على الزيارات و النذور و حلول أوان الجذاذ و الحصاد لا على السعي و العمل و الإنتاج.

طمع وسقوط النفس وخنوع

تنشأ عن هذا المرض صفات ذميمة كالطمع وسقوط النفس و الخنوع للأشخاص و الهياكل لا للمبادئ و القواعد.

وينشأ عنها مد الرقاب للصفع، و موت الإحساس، وجهل ذاتية النفس، و تعطيل المواهب والاستعداد، وعلى قاعدة الاعتماد على النفس يجب أن يؤسس منهاج التعليم بل يجب أن يشربها الأطفال مع اللبن حتى يشبوا على الهمة والعزة والشهامة غير واهين ولا وكلين ولا معتمدين على الوظائف و المرتبات والحقوق والزيارات و النذور.

يحيى المعتمد على نفسه حياة عز واستقلال سالما من كل إهانة واحتقار كالنخلة باعتمادها على نفسها واستقامتها على جذعها تعيش في مأمن من دوس الأقدام و نيل الحيوانات منها.

ويعيش المتكل على غيره معيشة ذل وصغار، حياته معلقة بخيط من رضاء سيده المعتمد على ظله، كشجرة العنب لا تنمو وتمتد أغصانها إلا بامتدادها على غيرها، واعتمادها على سواها. فإن حياتها تدوم ما دامت مستندة على غيرها. فحينما ينفصل عنها تصبح عرضة للجوائح و دوس الأقدام و نهبة الحيوانات.

إن الاعتماد على النفس لا ينافي التوكل على الله سبحانه لانفكاك جهتيهما فان الاعتماد على النفس فيما هو داخل ضمن الطوق البشرى كاتخاذ الأسباب و الاحتياطات اللازمة التي هي داخلة ضمن قدرة المخلوق.

وأما التوكل على الله ففيما هو خارج عن طاقة البشر كالحفظ من الآفات ومنع الجوائح كإنزال الأمطار وإنبات الأرض و التوفيق و التسديد و التأييد و النصر.الخ.

وترك اتخاد الأسباب التي اقتضت سنته تعالى بارتباط المسببات بها و ترك اتخاذ الاحتياطات اللازمة وكل ما هو من وظيفة المخلوق بدعوى التوكل على الله في جلبها للإنسان وتمكينه منها إنما هو خور وسخافة وعبث مع الله سبحانه ومحاولته لتبديل سنته في خلقه لأجل مجادة ذلك الوهن الوكل. كما أنه لا يتنافى التعاون مع الخبير في المهمات مادام يستشعر المرء من نفسه أنه يعتمد عليها في كل ماله وحده قدرة عليه بدون عسر أو حرج.

وكذلك لا ينافى استشارة الغير واستمداد الرأي منه مادام هو يعمل فكره ورأيه ثم هو إذا أخذ برأي مستشاره فما هو إلا لأنه أصبح رأيا له و إلا فإنه يكون معه وهو عين المشكل على الغير.

معنى التوكل

وقد تسرب الغلط في معنى التوكل لكثير من الكسلاء و العاجزين فحملوه على معنى القعود عن العمل وعدم اتخاذ الأسباب وإعداد المعدات اللازمة لمواجهة الطوارئ مما هو داخل في طوق البشر تبريرا لميلهم إلى الدعة و إخلادهم إلى الراحة وعدم كفاءتهم للقيام بالعظائم، ففشلوا بذلك العامة وشلوا أعضاءها عن العمل. فعجزت عن إشادة المشاريع الكبيرة و المؤسسات العظيمة ففشا فيها الفقر وحاق بها الذل والمسكنة و استثمر حالها هذه ذوو المطامع و الغايات.