التباطؤ الاقتصادي الحاد الذي تشهده الصين، إلى جانب توجّه الفيدرالي الأمريكي لرفع الفائدة خلال الأشهر المقبلة، انخفاض أسعار السلع والنفط في العالم، كلها أسباب اجتمعت لتكون ضاغطة على الاقتصاد الدولي. توقّع صندوق النقد الدولي في وقت قريب بأن الاقتصاد الدولي ربما يتوقّف عن النمو خلال عام 2015، وربما يقع في الانكماش عام 2016، حيث أشار صندوق النقد الدولي إلى قيم قريبة جداً من نمو 3.0% في الاقتصاد الدولي، وبحسب قواعد الاقتصاد الحديث، نمو 3.0% في الاقتصاد الدولي يمثّل توقفاً عن النمو، فيما أي قيمة تقل عن المستوى المشار له 3.0% تعني انكماش في الاقتصاد الدولي.خسرت الأسواق المالية في العالم أكثر من 3 تريليون دولار أمريكي خلال الفترة القصيرة الماضية، كما أن سعر برميل النفط انخفض لمستويات متدنية جداً، لنرى بأن سعر النفط قريب الآن من مستوى الـ 40 دولار. التضخم في العالم عند مستويات متدنية قريبة من الصفر في كثير من الدول المتقدّمة، وهذا كله عبارة عن إشارات مشاكل اقتصادية حقيقية تلف في العالم من كل الجهات.لم يكن ينقص الاقتصاد الدولي شيء بعد ليقع في مشكلة اقتصادية ! لكن الصين لم تترك ذلك على حاله، بل قامت بخفض سعر صرف عملتها “اليوان” مقابل الدولار الأمريكي، وهذا ضمن محاولات من بنك الشعب الصيني لأن يقوم بدعم اقتصاد بلاده الذي بدأ يظهر ملامح ضعف حاد، ويخشى بنك الشعب الصيني وقوع الاقتصاد الصيني في الركود.خفض سعر صرف اليوان الصيني يضع كل آسيا تحت ضغط هائل! فاليابان وغيرها من الدول الآسيوية سوف تكون أمام تحد الصادرات من جديد، بل أن الضعف الاقتصادي وصل إلى أستراليا ونيوزلندا اللتان تأثرتا في الضعف الاقتصادي الصيني، ثم أتى خفض سعر صرف اليوان الصيني ليزيد الطين بلّة.
تشير التوقعات إلى أن سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل اليوان سوف يرتفع ( أي ينخفض سعر صرف اليوان الصيني) إلى مستوى 6.5 يوان للدولار الواحد مع نهاية هذه السنة، ثم إلى مستوى 6.9 يوان للدولار الأمريكي مع اقتراب انتهاء عام 2016، وهذا يعني انخفاض في سعر صرف اليوان يقارب الـ 10%، وهذا بحسب ” بنك أميركا ميريل لانش”.
استمرار خفض سعر صرف اليوان يسبب عمليات بيع هائلة في الأسواق المالية، إذ أن اليوان تم استخدامه لتزويد متاجرات العائد، وهذا أيضاً يضع ضغطاً هائلاً على أسعار السلع والأصول الاستثمارية والأصول المرتفعة العائد. من ناحية أخرى، سوف يضر خفض سعر صرف اليوان في الصادرات الأمريكية والأوروبية بشكل كبير، وهذا كله يضع الدول العظمى في العالم أمام تحد جديد. لكن بالنسبة للصين، فليس باليد حيلة، حيث أن اقتصاد البلاد يشهد ضغطاً هائلاً مما يجبر بنك الشعب الصيني على اتخاذ أي إجراءات من شأنها مساعدة الاقتصاد الصيني للعودة والاستقرار.لا شك في أن رفع الفائدة في الولايات المتحدة الأمريكية الشهر المقبل أصبح أمر مستبعد، لكن الفيدرالي الأمريكي قد يكون مجبراً خلال الأشهر القادمة لأن يرفع سعر الفائدة ، خشية ظهور فقاعات اقتصادية. أشار محافظ البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الأسبق ” آلان جربنسبان” قبل بضعة أسابيع بأن فقاعات اقتصادية بدأت في الظهور فعلاً، ومنها فقاعات اقتصادية في أسواق السندات الحكومية والمشتقات المالية التابعة لها.لذلك، سوف يكون على الفيدرالي الأمريكي رفع الفائدة، في حال تأخرّه، سوف يكون خلال الربع الأول من العام المقبل، لكن الآراء تتزايد بأن يقوم بذلك خلال الشهرين الأخيرين من هذه السنة.رفع الفائدة سوف يزيد الضغط على الأسواق المالية، وعلى الاقتصاد الأمريكي الأكبر في العالم، ومنه سوف يضع الاقتصاد الدولي في مشاكل أعظم خلال عام 2016.
لننظر إلى انخفاض أسعار السلع والنفط، ربما نرى نحن كأشخاص مستهلكين بأن انخفاض السلع أمر جيد ! لكن في الحقيقة إذا علمنا بأن انخفاض السلع سوف يؤدي إلى مشاكل اقتصادية أكبر بكثير مما سوف يسفر عنه ارتفاع أسعار السلع، سوف نتمنّى أن تبقى الأسعار مرتفعة دوماً!
انخفاض سعر النفط سوف يضر في الدول المصدّرة للنفط، والتي منها المملكة العربية السعودية وروسيا، بل وقد بدأت تظهر معالم الضغط على الاقتصاديات تلك. انخفاض أسعار السلع الاستهلاكية سوف يقلل نمو أسعار الناتج المحلي الاقتصادي، وسوف يؤدي في النهاية إلى تهديد لوقوع الاقتصاديات العظمى في التباطؤ وربما الركود، كما حصل في اليابان بداية القرن الحالي أعوام 2000 – 2002.انخفاض أسعار السلع يعتبر ضاغط كبير على الاقتصاد الدولي، وهذا قد يسبب موجة من التباطؤ في العالم، يتبعها موجات من الركود. تجدر الإشارة إلى أن ركود عام 2008 في الاقتصاد الدولي خرج منه الاقتصاد في أواخر الـ 2009، لكن بقي الضعف حتى 2012. والآن، لو دخل الاقتصاد الدولي في تباطؤ حاد جديد، ربما تعاد على العالم سنوات الـ 1940 عندما كان الاقتصاد الدولي قد خرج من الكساد العظيم، لكن عاد لدخول مرحلة كساد اقتصادي طويلة جديدة.من هنا، يجب أن نضع أمام أعيننا احتمالاً كبيراً بأن نشهد مرحلة ضعف اقتصادي واضح في العالم خلال الأشهر القادمة، وسوف تبرز معالمها بشكل أوضح خلال عام 2016. لا نقول هنا بأننا ربما نكون أمام احتمال انهيار اقتصادي، لكن نشير إلى ضعف اقتصادي قد يكون مؤثراً في الاقتصاد الدولي كل.