google
twitter
facebook
twitter
google
forex

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: كتب جودت سعيد

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    المشاركات
    1,560

    افتراضي كتب جودت سعيد

    كتب جودت سعيد
    فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13)

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    المشاركات
    1,560

    افتراضي كيف*اتغير


    بسم الله .. الحمد لله . وسلام على عباده الذين اصطفى ..
    سئلت عدة مرات بعد ظهور هذا الكتاب سؤالاً محتواه :
    إنك لم تبين سنن التغيير ، ولا كيف يتحقق التغيير ؟
    إن هذا السؤال يحتوي ضمناً على التسليم بأن هناك سنناً لتغيير ما بالنفس . وهذا التسليم يعتبر خطوة هامة – مع اعترافنا بتفاوت درجاته – سواء ساهمت قراءتهم لهذا الكتاب بهذا التسليم ، أم لم تساهم .
    وربما كان أهم ما يتوجه إليه هذا الكتاب ، الوصول إلى هذا الاعتراف ؛ لأن جهد الإنسان لتحصيل شيء ما ، لا يحصل إلا إذا سلَّ أولاً بإمكانه .
    ويشتمل موضوع التغيير على جوانب :
    1- هل التغيير ممكن ؟ وإن كان ممكناً فهل له سنن ؟
    2- كيف أغيرِّ ؟ أو كيف يحدث التغيير ؟
    3- ماذا أغيرِّ ؟
    هذا وقد كان هدف هذا الكتاب يتوجه إلى الموضوع الأول مباشرة ، وإلى الموضوع الثاني تبعاً ، وإلى الثالث ضمناً . وليس بين الموضوعين الأول والثاني فاصل دقيق ، لأن التسليم بإمكان التغيير لا يأتي إلا إذا لاحظ أمثلة في كيف يتم التغيير ..
    فإذا أمكن للإنسان أن يلاحظ التغيير الذي يحدث في الواقع ولم يعرف سنن هذا التغيير ولا كيف يحدث … إن هذا يمكن أن يؤدي به إلى الجبرية والحتمية التي تستبعد سلطان الإنسان على هذا التغيير ..
    إن مثل هذا التسليم بإمكان التغيير ، وأن له سنناً ، لا يؤدي إلى فاعلية الإنسان ، إلا إذا شاهد الدور الذي يمكن أن يقوم به الإنسان .
    وللإجابة عن السؤال الأول : يكفي أن نلقي نظرة إلى واقع البشر لمشاهدة التغيير . ولعلنا نسمع يومياً حديث الناس بشعورهم بالتغيير سواء في إمكانات الناس الاقتصادية والصناعية أو في التغيير الأخلاقي الذي يلاحظ بين الأجيال ، إذ أن هذا التغيير مشاهد …
    أما كشف أن هذا التغيير خاضع للسنن ، وأن الإنسان له سلطان على ذلك ، فهذا يحتاج إلى جهد أكبر . وميزة ابن خلدون أنه لاحظ أن لهذا التغيير سنناً ، فقد تحدَّث عن الأجيال الأربعة في نشأة الدول وانهيارها ، ولكن ابن خلدون لم يلاحظ إمكان السيطرة على هذه السنن . وأما الكشف العلمي بأن هذه السنن تخضع لسلطان الإنسان بشكل من الأشكال ، فقد تنبه إليه في العصر الحديث إنسان محور واشنطن – موسكو ، قبل غيره .
    لقد كان جهدي كله في هذا الكتاب ينصبّ على بيان أن وظيفة تغيير ما بالنفس هي وظيفة الإنسان . وتفسير الآية التي هي عنوان الكتاب ، كان يدور حول هذا الأساس .
    والجواب عن السؤال الثاني هو : لم يكن الموضوع المباشر للكتاب أن نتحدث عن كيفية التغيير .. إلا أن الأمثلة التي ذكرت في فصل ( العلاقة بين سلوك الإنسان وما بنفسه ) . وهذا الموضوع هو لبُّ المشكلة ، وهو تحصيل العلم وفتح الأسماع والأبصار لتحصيل أفكار موضوعية عن أسباب الأحداث والتغييرات ، وهو موضوع رؤية آيات الله في الآفاق والأنفس .. أي إحداث مواقف جديدة برؤية جوانب أعمق وأوسع للأحداث .
    إن كل فكرة وخبرة تُقدَّم للإنسان ، تؤثر في موقفه . وهذا هو التغيير ، فكل صورة تُعرض على الأبصار ، وكل خبر يُعرض على الأسماع . يهدف ولو ضمناً إلى تغيير موقف ، أو يُحدث بالفعل تغيير موقف … سواء كان هذا الموقف إيجابياً أم سلبياً ؛ وإنما يتجلى الحذق في إعطاء مواقف أسلم وأيسر .
    وأما جواب السؤال الثالث ، فهو يشبه الإجابة عن سؤالك : « ماذا أصنع من الحديد بعد أن أعرف صناعة الحديد؟ » . وبالنسبة للمسلم ؛ فإن كل أحلامه أن يغير وضعه ووضع العالم الإسلامي . فهو عموماً يعرف – أو يدَّعي أنه يعرف – جواب السؤال الثالث ، فهو يعرف ماذا يريد ، ولكنه يجهل كيف يحقق ما يريد … لذا عليه أن يتعلم ذلك ؛ وهذه الحاجة هي مصدر السؤال الذي ينبئ عن شعور القارئ بالحاجة إلى المزيد من الوضوح والبيان .
    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
    جودت سعيد
    25 شوال 1389 هـ
    27 أيلول 1978م

    تقديم مالك بن نبي
    إن المتتبع لأحوال العالم الإسلامي ؛ يلاحظ أن الحركات التغييرية ، التي قامت منذ عصر شيخ الإسلام ابن تيمية ، بل منذ عصر الغزَّالي إلى عصرنا هذا لم يكتب لها النجاحُ إلا في بعض التغييرات السياسية ، كالتي حققتها دولة الموحدين في حدود قيامها بالشمال الأفريقي والأندلس ، حيث كان لها على الأقل دورُ المعطل لحركة التحلُّلِ التي ستؤدي إلى سقوط غرناطة .
    أما الحركات التغييرية التي قامت في العصور المتوسطة على اجتهاد فردي ، مثل اجتهاد ابن تيمية فإن أثرها لم يبق إلا في التراث الإسلامي حيث تكوَّن التَرَسَانَة الفكرية التي لا زالت تَمُدُّ الحركات الإصلاحية بالأفكار النموذجية إلى اليوم .
    ولكن لم يكن نصيب الحركات التغييرية المعاصرة بأوفر من السابقات ، سواء كانت قائمة على الاجتهاد الفردي ، مثل دعوة جمال الدين الأفغاني ، أو على جهد منظم ، أو شبه تنظيمي ، مثل الحركة السلفية في الجزائر قبل الحرب العالمية الثانية .
    وقد يتأتى تفسير فشل هذه الحركات التغييرية على أنها أتت في مجتمع لم يبق فيه مجالٌ للتغيير بالنسبة للحركات الأولى ، أو لم يُفسح فيه بعد مجال للتغيير بالنسبة للحركات المعاصرة . وهذا التفسير المرحلي يقنع من يؤمن بمراحل التاريخ ؛ أي بالدورة الحضارية ، مثل مؤلف هذا الكتاب .
    ولكن الأخ جودت سعيد لم يحاول هنا نقل اقتناعه الشخصي إلى القارئ ، بل نراه كأنه يحاول تخليصه من الحتمية التي يتضمنها هذا الاقتناع .
    إن كلَّ قانون يفرضُ على العقل نوعاً من الحتمية تُقيدُ تصرفهُ في حدود القانون .
    فالجاذبية قانون طالما قيد العقل بحتمية التنقل براً أو بحراً . ولم يتخلص من هذه الحتمية الإنسان بإلغاء القانون ، ولكن بالتصرف مع شروطه الأزلية بوسائل جديدة تجعله يعبر القارات والفضاء ، كما يفعل اليوم .
    فإذا أفادتنا هذه التجربة شيئاً ، إنما تُفيدنا بأن القانون في الطبيعة ، لا ينْصِبُ أمام الإنسان الدائب استحالة مطلقة ، وإنما يواجهه بنوع ن التحدي يفرض عليه اجتهاداً جديداً للتخلص من سببيةٍ ضيقة النطاق .
    وكأنما الأخ جودت سعيد ينقلُ هذه القضية من مجال الطبيعة إلى مجال التاريخ .
    إن من يؤمن بمراحل التاريخ مثله قد تستعصي عليه فكرة تطويع التاريخ لمبدأ التغيير ، مع هذا فهو يحاول تخليص مفهوم التغيير الاجتماعي من قيود السببية المقيدة ، كما تربطه بها النظرة الشائعة عند المؤرخين ، أمثال ج . أ . طوينبي ، الذين يرون أن الأشياء في التاريخ تسير طبقاً لسببية مرحلية .
    والأَشياءُ تَسيرُ فِعْلاً كَذَلِكَ إِنْ تُرِكَتْ لِشأْنها .
    وإنما الأخ جودت سعيد يعلم ، كمسلم متشبع بالثقافة الإسلامية ، أن التغيير ، أي التاريخ ، يخضع أيضاً لقانون النفوس .
    فتصفية هذه المناقضة هي بالضبط محاولة الأخ جودت سعيد ، إننا نراه يتخذ كمحور لكتابه ، الآية الكريمة :
    « إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ » الرعد –11- ويتخذ من بعضها عنوان هذا الكتاب .
    وبذلك تتغير وجهة النظر في سير التاريخ ، إذ أن المراحل التي تتقبلُ أو لا تتقبل ُ التغيير حسب طبيعتها ، تصبح مراحل قابلة كُلها للتغيير ، لأن الحتمية المرتبطة بها أصبحت اختياراً يتقرر في أعماق النفوس .
    لقد أشادت أيضاً الحركات التغييرية التي سبقت في العالم الإسلامي بهذه التبرك بكلام الله ، والتفاؤل به ، بحيث لم يكون بيدها في حقيقة الأمر وسيلة تغيير ، أو إذا شئنا قلنا ية الكريمة مُجرد المحتوى الغيبي ، حتى انه يمكننا القول بأن المفعول الاجتماعي للآية ، قد عُطِّل بهذه الطريقة .
    ولعل اتخاذ الآية كمحور ، وكعنوان ، لهذا الكتاب يكون له – وفي هذه الظروف بالذات ، حيث تنتهي تجارب الجيل السابق – أثره في تجربة هذا الجيل ، إذا قام بالتغيير الذي لا زال العالم الإسلامي ينتظره .
    طرابلس 18 ربيع الأول 1392 2 مارس 1972
    مالك بن نبي
    مدخَل
    في شباب العالم الإسلامي من عندَهُم استعدادٌ لبذل أنفسهم وأموالهم في سبيل الإسلام ، ولكن قل أن تجد فيهم من يتقدم ليبذل سنين من عمره ليقضيها في دراسة جادة ، ليُنضِجً موضوعاً ، أو يصل به إلى تجلية حقيقية ، مثلاً كمشكلة الانفصال الذي يعيشه المسلم بين سلوكه وعقيدته ، إذ كثير من الأسئلة التي تطرح ، ولا جواب شافياً لها ، من أنه لا يمكن التغيير من وضع إلى وضع ، إلا بعد إجابة موضوعية عن هذه الأسئلة ، ولا يمكن ذلك إلا بعد الدرس والتحصيل .
    والسبب في بطء نُموه دراسات من هذا النوع ، هو أنه لم تكشف بعدُ قيمة الدراسة في الوسط الإسلامي ، الذي ظل وقتاً طويلاً يرى ؛ السيف أصدق أنباء من الكتب ، ولم يكن اتجاهه إلى أن الرأي قبل شجاعة الشجعان .
    وظلت هذه الآراء المختلطة ، في ظلمات بعضها فوق بعض . ولم يروا العلاقة الصحيحة بينهما ولا الترتيب الطبيعي لها .
    كما لم تُدرس بعدُ في العالم الإسلامي شروط الإيمان ، وليس معنى هذا أنهم لم يحفظوا أركان الإيمان والإسلام ، ولكن نعني بشروط الإيمان ؛ الشروط النفسية ، أي ما يجب تغييره مما بالنفس ، لأن هذا التغيير هو الذي ينتج ثمرات الإيمان ، أي شروط مطابقة العمل مع العقيدة ، وموانع إعطاء العقيدة ثمراتها .
    وإلى الآن يُنظر إلى بذل المال وبذل النفس ، على أنها أعلى المراتب ، دون مراعاة ما يجعل بذل المال والنفس مجدياً . إذ ليس الأمرُ مجرد بذلٍ وكفى ، لأن البذل لا يعطي نتائجه إلا بشروطه الفنية .
    إن هذا النظر ، يساعد على إمكان أن يبذل الشاب المسلم ماله ونفسه ، بينما لا يتيسر له حبسُ نفسه ، على بذل الجهد المتواصل للدرس والفهم .
    وهناك سبباً آخر ، وهو أن بذل المال وبذل النفس ، يمكن أن يتم في لحظة حمس وتوتر ، ولكن طلب العلم لا يتم في لحظة حماس ، وإنما في جهد متواصل ، يحتاج لنوع من الوعي كوقودٍ ، يجعل الاستمرار ممكناً .
    نعم : كثير من الشباب ، في لحظةٍ من لحظات الحماس ، بيدؤون أعمالاً ودراسات في مواضيع مختلفةً ، ولكن بعد جلسة ، أو جلستين ، أو أكثر من ذلك ، يفترُ الحماسُ ، وينزل الملل ، ثم ينقطع ما بدأ من عمل ، كما ينطفئ المصباح حين يفقد وَقُوْدَهُ .
    فلابد من درس هذه النظرات المعوقة ، وكشف عوامل الغفلة عن الدراسة ، أو الانقطاع عنها بعد البدء ، لأن ذلك يحدث ضمن شروط معنية دقيقة ، تخفى عن النظرات العجلى .
    وكذلك من الأمور الخفية الجلية معاً ، على شباب العالم الإسلامي ، خفاءُ ما يجعل مثل إنتاج ، المودودي ، وسيد قطب ، وإقبال ، وغيرهم من الكتاب ، الذين يوصي المربون بدراسة إنتاجهم الفكري – والتي على أساسها يُعرض الإسلام مجدداً – ما جعل هذا الإنتاج ، ينال هذه الخطوة والتقدير ، هو أن وراء هذا الإنتاج ، نوعاً من الدراسة والاطلاع ، الذي تجاوز المصادر التي تعود عليها الموجهون التقليديون ، مع ما يصحب هذه الدراسة من السير في الأرض ، ورؤية هذا العالم المعاصر الذي نعيش فيه ونتأثر به . وليس الذي جعل إنتاج هؤلاء في هذا المقام ، لأنهم كتبوا حاشية ، أو تقريراً ، أو متناً للفقه التقليدي ، وإنما لأنهم طرقوا شيئاً جديداً ، ليس في الأسلوب فقط ، بل بما يمس الواقع المتجدد ، بل ولأنهم رأوا من آيات الآفاق والأنفس ما شهدت لآيات الكتاب ، مما لم يتيسر لغيرهم .
    ولكن المشكلة ؛ أن لا نرى بدقة ، السبب الذي جعل في كتاباتهم إبداعاً جديداً ، وهو ، هذا الاطلاع والدرس الذي حصلوه . ونحن ، إذا كنا نريد أن ننمي هذا الاتجاه ، علينا أن نعرف ، من أين جاءهم ما امتازوا به ، لا أن نقف عند إنتاجهم .
    وقد لا يُلاحظ من كتاباتهم ، ما يعطي لهم هذه السمة التي يمتازون بها ، وقد يكون من أسباب خفاء ذلك – مع تفاوت درجة الخفاء – طمأنة القارئ بالأصالة . إلا أن الحق بذاته ، أينما كان ، له أصالته الخاصة التي تعلو كل أصالة .
    وكذلك من المفارقات ، أن نتطلع بشوق إلى تغيير الواقع ، دون أن يخطر في بالنا ، أن ذلك لن يتم ، إلا إذا حدث التغيير قبل ذلك ، بما بالأنفس . ونحن مطمئنون إلى ما بأنفسنا ، ولا نشعر أن كثيراً مما فيها ، هو الذي يعطي حق البقاء لهذا الواقع الذي نريدُ أن يزول ، ونحن نشعرُ بثقلِ وطأتهِ علينا ، ولكن لا نشعرُ بمقدار ما يساهم ، ما في أنفسنا ، لدوامه واستمراره .
    فهذا ما يريد القرآن أم يعلَّمهُ للبشر ، في تفسير ما يحل بهم ، حين يلحُّ في إظهار : أن مردَّ المشكلة ، إلى ما بالنفس ، وليس من الظلم الذي يحيق بالإنسان من الخارج ، بل ، من الظلم الذي يُنز له الإنسان بنفسه . وهذا هو لبُّ التاريخ ، وسنة الاجتماع ، الذي يقرره القرآن ، وبإغفاله تُظلم الحياة ، وتنشأ الفلسفات المتشائمة الخانعة ، أو الفلسفات المتسلطة المارقة .
    ومن أكبر الظلم الذي ينزل الإنسان بنفسه ، أن لا يرى العلاقة التسخيرية ، الموجودة بين الإنسان والكون والمجتمع « الآفاق والأنفس » ، فيهمل نفسه ، ولا يضعها في المكان الذي يُسخرُ الآفاق والأنفس على أساس السنن المودعة فيهما ، وبناءً على هذا يمكن أن نقول :
    إن العقل يمكن أن يتخذ أحد موقفين إزاء المشاكل ؛ إما أن يفرض فيها أنها تخضع لقوانين ، وبالتالي يمكن أن تخضع المشكلة للسيطرة عليها وتسخيرها ، وإما أن يفرض فيها أنها لا تخضع لقوانين ، أو لا يمكن كشف قوانينها . وبين هذين الموقفين ، مواقف متعددة ، يتفاوت فيها القرب من أحدهما والبعد من الآخر .
    إن لكلٍ من الفرضيتين نتائج عملية ، تظهر في مواقف البشر وسلوكهم ، بصور متفاوتة ، على حسب الخضوع لأحد الموقفين .
    وعجز المسلمين أن يعيشوا وفقاً للعقيدة الإسلامية ، مشكلة لا يجتاح إثباتها إلى بذل جهد كبير .
    ولكن بعد التسليم بأنها مشكلة ، يبقى أن يظهر : أي الموقفين يتخذ المسلمون لإزاءها ؟ هل يتخذون الموقف الأول ؟ بأن يفرضوا وجود قوانين تخضع لها المشكلة ، وبكشفها يمكن السيطرة عليها وتسخيرها ؟ أم يعتقدون أن المشكلة لا تخضع لقوانين يمكن أن يكشفها الإنسان ، وبالتالي لا جدوى من جهد الإنسان للبحث عن هذه القوانين ، لا القوانين التي تخضع لها المشكلة ، حسب اعتقاد البعض ، « تعمل في حياة البشر بطريقة سحرية خارقة ، غامضة الأسباب » .
    إن طرح هذا الموضوع بصيغة تجعله تحت وعي المسلم ، يفيده لأن يحدد عن وعي موقفه من المشكلة ، ويخرج من الموقف الغامض الذي يتخذه . وفي أحيان كثيرة ، يختلط الموقفان بصورة مشوشة في ذهنه ، بحيث يشل أحدهما مفعول الآخر ، فيبقى الموضوع في غموض وشلل .
    إن لسلامة النظرية ، أثراً هاماً في الوصول إلى الحل ، بل يتوقف الحل ، على صحتها ومقدار وضوحها .
    وهدفي من هذا البحث ، هو محاولة إلقاء أضواءٍ على الموضوع ، نعتقد أن تكون لصالح الموقف الأول . مع إدراكنا ضآلة ما نسهم به .
    إن المسلم حين يسأل – ويلح في سؤال لا يمل من طرحه ، كأنه اللازمة التي يرددها في مطلع وخاتمة كل بحث وحديث – عن المشكلة : ماذا علينا أن نعمل ؟
    إنه حين يسأل هذا السؤال ، يحمل معه ضمناً ، موقفاً غامضاً عن موقفي العقل إزاء المشاكل . فهو لم يحدد بعد بوضوح ، عقيدته الموقفية . هل يعتقد أن المشكلة لها سنن ؟ وهل يمكن كشفها ؟ وهل يمكن على أساسها السيطرة على المشكلة وتسخيرها بجهد الإنسان ؟
    إننا لا نتحدث عن الذين يجيبون سلباً عن هذه الأسئلة ، مع اعترافنا بوجودهم ، وأنهم يمثلون مركز الثقل في المشكلة ، وهم عامة الأمة ، الذين ينتظرون المهدي أو أشراط الساعة ، وقد رسخ في أذهانهم أن المشكلة : ليس لها من دون الله كاشفة ، وأن سعي العالمين ضلال .
    ليس حديثنا عن هؤلاء ، وإنما عن الذين خرجوا من هذه الحال ، ولم يُثبتوا أقدامهم بعد ، ولا يجيبون عن تلك الأسئلة بالسلب ، مهما تفاوت ما يحمل الجواب من معنى الإيجابية .
    إن الذين لا يرون أن للمشكلة قوانين ، أو يفرضون لها تفاسير خاطئة ، لا يمكن أن يصلوا إلى نتائج . فعدم اعترافهم بالقانون لا ينفي القانون ؛ وإنما يمنعهم من السيطرة عليه وتسخيره ، ويجعل منهم أداة يلعب بها الآخرون الذين علموا القوانين الصحيحة .
    إن القدرة التسخيرية التي يمنحها امتلاك ناصية القانون ، تتبين بمقارنة المشكلة في مجالين :
    المجال الأول :
    مجال القوانين التي يخضع لها الكائن الحي ، والموقف الذي يتخذه من يعرف هذه القوانين ويسيطر عليها ، إزاء مشكلة اختلال توازن الكائن الحي . إن الطب ، بما وصل إليه في كشف قوانين الصحة والمرض العضوي للكائن الحي ، مكَّن الطبيب من السيطرة بواسطة هذه القوانين وتسخيرها ، فالذي يعلم هذه القوانين يمكِنُه ، باستخدام وسائل مختلفة ، من مقاييس الضغط ، والحرارة ، والنبض ، والتنفس ، ومختلف التحاليل ، التي يكشف بها مقدار الخلل الذي حدث في الجسم من النقص أو الزيادة في النسب التي تحفظ توازن الكائن الحي ، هذا التناسب الذي يجعله سليماً معافى . إن من يعرف ذلك ، يمكن أن يتخذ إزاء هذا المرض إجراءات فورية ، في الدواء والغذاء والعمل ، وأخرى مرحلية لإعادة التوازن إليه . إن الذي يمكن أن يقوم بمثل هذا العمل هو من يعرف القوانين التي تخضع لها سلامة الكائن الحي . بينما إنسان آخر لا يعرف هذه القوانين ، ولا كيفية التدخل لإعادة التوازن ، فهو ينظر إلى المريض ويرى آثار المرض ، من الآلام والعجز عن الحركة ، وعن القيام بمهمات الحياة اليومية ، بينما يرى هذه الآثار واضحة مؤلمة ، لا يستطيع أن يتدخل فيها ، ولا يمكنه أن يدرك مقدار الخطورة ولا الوسائل القريبة أو البعيدة التي ستنفذ هذا المريض أو تحطمه ، إنما يملك فقط ، أن يذرف الدمع بغزارة على آلام من يحب … وهذا واضح في واقع الحياة .
    المجال الثاني :
    فإذا انتقلنا من هذا المجال ، الذي ربما كان إدراكه أقرب مثلاً ، إلى المجال الثاني الذي يتصل بالمشكلة التي نبحثها ، مشكلة المجتمع الذي تبدو عليه آثار المرض الاجتماعي ؛ من الانحلال ، والتنازع والتدابر ، والعجز عن القيام بالواجبات الاجتماعية المشتركة ، ظهر لنا أن الجسم الاجتماعي ، أو كيان الأمة ، يخضع لقوانين يمكن كشفها وتسخيرها لصالح المجتمع . وقد قلنا سابقاً ، إن مشكلة عجز المجتمع عن أن يعيش وفقاً لعقيدته لا تحتاج لإثبات . وعلامة المرض الاجتماعي ظاهرة عليه يراها كل فرد ، كما يرى آثار المرض الجسمي على المريض ، ولكن لا يعرف القوانين التي يخضع لها المرض في كلا المستويين إلا الأخصائيون .
    لهذا نرى غالب الناس ، يشكون من انحلال قوى المجتمع ، وعجزه عن القيام بمهمته ، كما يمكن أن يرى كل فرد علائم تدهور الصحة في لون البشرة ، وامتعاضات الألم . والناس وإن كانوا يسعون عند الإصابة بالأمراض العضوية إلى الأطباء ، إلا أنهم لا يجدون بالمقابل أطباء أمراض المجتمع ، الذين يمكن اللجوء إليهم للقيام بالمعالجة ، على أنهم إن وجدوا ، فقدرتهم على المعالجة ، كقدرة أطباء المرض الجسمي قبل كشف قوانين الأمراض ، الذين إن لجأ إليهم المريض فلن يجد فائدة عندهم .
    إن هذه المشكلة ، هي الداء الذي أعيا الطبيب المداوي ، لا لأن الداء غير قابل للشفاء ، وإنما المداوي هو الذي أعياه أن يعلم القوانين التي تسيطر على سلامة المجتمع … ومن ثم ينسبون المرض إلى القضاء والقدر ، كشأنهم في كل الأمور التي لا يعرفون سننها . بينما لا فرق في خضوع كل المشاكل للقضاء والقدر ، سواء عُرفت أسبابها أم لم تُعرف .
    إن هذا الخلط في هذه الأمور ، هو الذي جعل قول المعري كالمثل السائر :
    كم عالمٍ عالمٍ تلقه مفتقراً
    وجاهلٍ جاهلٍ تلقاه مرزوقاً
    هذا الذي ترك الأفهامَ حائرة
    وصيرَّ العالمَ النحرير زنديقاً
    ولا شك ، أن تركيب المجتمع ، وغنى فئة فيه وافتقار أخرى ، أمور خاضعة لقوانين وسنن اجتماعية ، إذا خفيت عن عيني الإنسان اشتبهت عليه الأمور ، وتداخلت في ذهنه المشكلات ، وظن أن القضية فوضى لا ضابط لها ، ولا عدل فيها ، ولا تصدر عن حكيم عليم ، فيكون ذلك سبباً لهرطقة وزندقة من نَظُنُّهُ عالماً نحريراً .
    إن الذي عرف قوانين المجتمع ، يمكن أن يستخدم وسائل مختلفة لقياس صلابة المجتمع ، وسلامة شبكة علاقاته ، كما يمكن أن يستعين بمختلف التحاليل التي يجريها على الأحكام التي يصدرها المجتمع على تفسير الأحداث ، ليحدد نوع الخلل الذي يعانيه المجتمع . إن الخبير بسنن المجتمعات ، يمكن لن يدرك ، ويتخذ إجراءات في تغيير نظرات المجتمع ، ويفرض نظام الحمية ، على الأغذية الفكرية التي يتناولها ، لما تحمل هذه الأغذية من جراثيم فكرية تعطل قوى المجتمع وتماسكه . وكما يمكن استخدام الحجر الصحي لإيقاف الأوبئة في مستوى المرض الصحي ، يمكن استخدامه في مستوى المرض الاجتماعي . كما يمكن إعطاء اللقاحات والمناعات الفكرية ضد أفكار مرضية .
    فإن ما يُرى ، من تدابر المجتمع ، وعجزه عن التعاون في أصعب الظروف ، واتهام أفراده بعضهم بعضاً بأنواع التهم ، وبحث الكبار فيه عمن يحمل عنهم وزر فشلهم ، وعدم شعورهم بوخز الضمير حين يتخلفون عن أداء الواجب .. والكسل الذي يعم الجميع عن السعي لزيادة المعرفة ، والإعراض عن الاستفادة من أحداث التاريخ ؛ كل هذه أمراض اجتماعية ، لا تقل خطورة عن الأمراض العضوية ، التي تصيب أجسام البشر . إن هذه الأمراض العضوية ، تصيب عقول الناس فتعطلها ، وعواطفهم فتلبدها . ومصدر تلك الأخطار ، البيئة الملوثة بالأمراض الفكرية المتوطنة ، القديمة منها والطارئة .
    إن القرآن الكريم ، يذكر المرض في القلب في عدة مواضع ، ولكن لا يذكره على أساس أنه مرض عضوي في جسم الفرد ، وإنما على أساس أنه مرض اجتماعي في نفس المجتمع . وحين يذكر مرض القلب ، لا يعني به ما يمكن أن يصاب به من روماتيزم ، أو تسارع ، أو انسداد الشريان الذي يغذي القلب ، مما يحدث الموت المفاجئ بالسكتة القلبية ، وإنما يقصد القرآن بمرض القلب ؛ مرضاً « فكرياً » يصيب الإنسان في علاقته بالمثل الأعلى ، مما يجعل الجسم عاجزاً عن مواجهة أي عمل يتطلب جهداً ، كذلك الضعف الذي يصيب مراكز الفكر في المجتمع ، يجعله لا يقوى على مواجهة أية مشكلة تتطلب بسطة في العلم والجسم .
    والآن : إن معنى القانون والتسخير ، الذي يمكن إدراكه في مستوى سلامة الجسد ، يجب أن ينتقل إلى مستوى سلامة المجتمع .
    ويقول الكاتب الجزائري مالك بن نبي ، في هذا الموضوع في مستوى الآلة المادية : (فقد تعودنا بالنسبة إلى الآلة على الواقع القائم في أن عمله لا يمكنه أن يتحقق إذا نقصتها (حزقة) أو صامولة . ولكننا لم نُقرَّ في أذهاننا نفس القاعدة بالنسبة إلى العمل البشري ، بينما يبدو جيداً في حالات معينة . أن الإنسان تنقصه هذه الصامولة (الحزقة) بالذات حيثما فقد نشاطه ، تَمكُّنه من الأشياء ، فكان نشاطاً رخواً ، آو هو لا يندمج بطريقة منتظمة مع النشاط المشترك للجماهير)(1) .
    هذا التشبيه ، يسوقه الأستاذ مالك ليوضح فيه ، أن النشاط البشري يخضع للسنن ، وأن اختلفت هذه السنن عن سنن الآلة المادية . وهو تشبيه آخر يعضد تشبيهنا المجتمع بالكائن الحي من حيث سنن مرضِهِ ، وسنن شفائِه . وأحب الآن أن أذكر أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الموضوع لنبين أن هذا التشبيه ليس من بِدَعِ العصر الحاضر .
    بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم ، ما كان أحرصه على المسلمين وأرأفه بهم ، حين كان يبدئ ويعيد لُيِقرَّ في الأذهان ، التشابه بين المادة والحياة والمجتمع ، من حيث خضوع كلٍ منها للسنن ؛ في السنن التي تفسر تماسك الجسم الصلب ، والسنن التي تبقي الكائن الحي في الوضع السليم ، والسنن التي تحمي المجتمع من الانحلال . فيذكر عليه الصلاة والسلام المثل المادي ، ويقرن به المثل الاجتماعي ثم يذكر المثل العضوي فيشبه به العلاقة الاجتماعية .
    يقول صلى الله عليه وسلم في التشبيه الأول : « أن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضا . ثم شبك بين أصابعه » .
    ويقول في التشبيه الثاني : « ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضواً تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى »(1) .
    إن معرفة السنن التي تشد البنيان بعضه إلى بعض ، هي التي تمكن من بناءٍ يبقى على مر الزمن . إن مهندس البناء هو الذي يعرف مقدار التماسك لكل مادة وطاقة تَحَمُّلِها ، وكذلك يعرف ما يحتاج بناء الجسور والأنفاق والأبراج … إذ لا يمكن أن يقوم بناءٌ بناهُ من يجهل سنن تماسك البنيان ، وقوانين الضغط ، والمقاومة . فكما يمكن لمهندس البناء أن يعرف خطورة نوع التداعي الذي أصاب البناء ، ويمكن أن يعرف أسبابه وما ينبغي أن يقوم به من إصلاح ، كذلك مهندس بناء المجتمع ، إذا نظر إلى المجتمع فإنه يعرف ما يتمتع به المجتمع من تماسك ، وما يطرأ عليه من خلل ، وما يتعرض له إذا استمر إهماله من خطر السقوط في أجل محدود :
    « لكل أمةِ أجلٌ إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعةً ولا يستقدمون » يونس – 49 .
    هذه المقارنة إنما تهدف لتقريب الموضوع ، وهذه طريقة القرآن الكريم والحديث فإنهما يذكران المثل المعروف عند الناس ليقارنا لهم ما جهلوه سبيه بما عرفوا سننه من حيث الخضوع للسنن :
    « وتلك الأمثال نضربها للناس ، وما يعقلها إلا العالمون » العنكبوت – 43 .
    والرسول صلى الله عليه وسلم ، يضرب مثلاً آخر تمتزج فيه السنَّة المادية بالسنَّة الاجتماعية ، في مثل السفينة وركابها ، وعلاقة سنن المركب بسنن المادة تارة ، وبسنن البشر تارة أخرى . هذا المثل يذكره الرسول صلى الله عليه وسلم ليبين أن للمجتمع قانوناً يترابط به ليحميه من الغرق .
    من السهل إمكان إدراك نتائج الخرق الذي يحدث للسفينة ، ولكن ليس بمثل هذه السهولة إمكان إدراك نوع الخرق الذي يحدث للمجتمع . إن هذا علم ، وأي علم ! وبمقدار ما هو علم ، أنه ظن ، وأي ظن عندنا نحن الآن ، كما يقول إقبال :
    كل شيء فيه قانون سرى
    كيف في هذي المعاني يمترى
    ولئن ذهب وقت المعجزات ، إلا أن العلم قد تقدم لخدمة الإنسان ، ولو علمنا نحن المسلمين كيف نستفيد من العلم في خدمة إيماننا لأدركنا ، أن نتائج استخدام العلم أجدى من وصفنا الإسلام أنه دين العلم ، لاسيما أننا بعد ذلك لا نثق بالعلم بل نخاف منه ، بل نتهمه .
    ولو عرفنا التعامل مع العلم لوجدنا أنه يدعم ما نهدف إليه بأسلوب أرقى ، ونتائج أنفع من الحرص الطفولي لرفع شأن الإسلام . إن الغيورين يبكون على الإسلام الذي أخذ أهله ينحسرون عنه ، كما يبكي المحب الجاهل على المريض الذي أشيد عليه وطأة المرض ، ذلك أن الله ما أنزل من داء إلا وأنزل له دواءً ، وما يقال في مجال أمراض الجسم يقال في مرض النفس ومرض المجتمع .
    علينا أن نتعلم ما العلم ؟ حتى نميز ما هو علم مما ليس بعلم بدلاً من أن نقول إن العلم لا يوثق به . ولكن الطريق التي توُصلنا إلى ما نميز به العلم عن غير العلم أصعب مسلكاً . وقولنا عن العلم إنه لا يوثق به أسهل كلفة ولا يحوجنا إلى عناء ، ولكن نتيجة هذا السهل صعبة ، ونتيجة ذلك الصعب أقوم سبيلا .
    إن اعتناق الموقف الأول من المشاكل يعطي نتائج معينة ، ويتدخل في سلوك الإنسان . إن من يعلم أن المشاكل خاضعة للسنن ، ويمكن كشفها ، تسم سلوكه بالإيجابية والإقبال على العمل بجد ، بينما يظل الآخر الذي أنكر أو جهل السنن في حيرة ، وإذا بدأ يعمل ، يمكن أن يتركه في منتصف الطريق ، ويمكن أن يصرفه عنه أي صارف تافه ، ويسهل عليه ذلك ، لأنه لا يشعر أنه ترك أمراً يتوقف حلُّ المشكلة عليه ، فهو لم يتعود حل المشاكل وإنما يراها معلقة ومُزمنة . وكلما تعود الإنسان التعامل مع السنن ، ازداد ثقة وطمأنينة .
    والإنسان الذي يواجه مشكلة ، ويعتقد بإمكان حلها ، هو إنسان يؤمن بالتغيير . والتغيير هو انتقال من حالة لا يرضى عنها إلى أخرى خيرٍ منها ، وهذا الانتقال ، يخضع لقانون يتخذ علاقة بين الهدف والوسيلة ، وطاقة الإنسان . وبين هذه الأركان توازن . ويجدر بنا أن نطبق هذه القاعدة على المجتمع الإسلامي ، متذكرين ، أن هدف الإنسان في هذا المجتمع استئناف حياة إسلامية ، ووسيلته كل ما يمكن أن يصل إليه فكره ويده .
    إن العلاقة بين هذه الأركان تخضع لاعتبارات متعددة تقربها من الواقع أو تبعدها عنه . فلابد من كشف هذه الاعتبارات ، وجميع أعمال البشر تخضع لهذا القانون ، من أدنى ما يسعى إليه الفرد في نشاطه اليومي ، إلى مستوى إقامة المجتمع الصالح الموحد في العالم كله .
    ومن الاعتبارات التي تفسد العلاقة ، ظن أن النجاح فيه يخضع لقوانين « تعمل في حياة البشر بطريقة سحرية خارقة غامضة الأسباب » كما يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في كتابه (هذا الدين) . إن مثل هذه النظرة تفسد العلاقة بين الأركان المذكورة آنفاً . هذا اعتبار معوق يتعلق بنظرة الإنسان إلى نفسه نظرة سلبية ، وكذلك فيما يتعلق بالوسيلة التي تمكنه من الانتقال من الموجود إلى المقصود ، فإن المسلم يقع في متاهة حين يريد الانتقال ، فلا يبصر تعلق الموجود بالمقصود ، ولا يرى أن الموجود هو الذي يول إلى المقصود ، فهو يحقِرُ الوسيلة الموجودة ويضع من قيمتها ، وأما الوسيلة التي يتوق إليها ، ويرى لها الفائدة والجدوى فإنه لا يتمكن منها(1) ، فالموجود غير مفيد في نظره ، والمفيد غير متوفر لديه . إذن لا فائدة من العمل فيما لا يفيد أو فيما هو غير متيسر . ولذا فهو في إجازة مفتوحة حتى تتدخل القوى الخارقة الغامضة الأسباب . بينما العقل المتبصر لم يعد يرى غموضاً في الأسباب حتى في مستوى إنزال الملائكة للتأييد والنصر ، إنه يخضع لقانون وسبب واضح وهو اتخاذ الرب إلهاً والاستقامة منهجاً :
    « إن الذين قالوا برنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألاَّ تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة … » فصلت –30 .
    إن النظرات الخاطئة التي تعرقل الحركة ، وتوقف السير ليست كبيرة ضخمة ، ولكنها دقيقة لا يقف الفكر عندها ، بل يتجاوزها قفزاً دون أن يلمحها ، ولكن هذه الغفلة اليسيرة توقف سير التاريخ ، كما يقول محمد إقبال :
    لحظةً يا صاحبي إن تَغْفُلِ ألفَ ميلٍ زاد بُعدُ المنزلِ
    فالإنسان يتجاوز الخطأ الدقيق في حركته المهتاجة الشغوفة إلى الهدف ، ولكن الصدمة تكون محيرة إلى درجة كبيرة ، مما تجعل الصفوة تقابل مثل هذا الموقف بقولهم : (أنَّى هذا ؟) آل عمران – 165 - .
    فكما لم يلاحظ الإنسان الشروط الدقيقة الواضحة والخفية بآن واحد ، أثناء هجمته ، فكذلك يعجز أن يلاحظها في مأساة تحطمه بعد أن يُخفق ، فلا يظن أن ذلك الذي لم يلمحه هو سبب هذا التحطم الشديد ، أو البعد الكبير عن الهدف .
    إن السلوك الذي ينتج عن مثل هذه الخبرات ، حين يفقد مراعاة السنن ؛ سلوك يتسم بالحذر والحيرة ، وعدم الثقة ، والعجز مع الحقد ، بينما إدراك سنن الانتقال من الموجود إلى المقصود بصورة محددة ، يقي الإنسان من هذه المضاعفات ، فلا يجعله يظن بنفسه ما لم يؤهلها له ، ولا يحاول أن يستر عجزه ، وإنما يسعى بكل جد إلى استكمال ما ينقصه .
    واليوم حين أعرض هذا البحث في مشكلة التغيير من خلال قوله تعالى :
    « إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم » الرعد – 11 - .
    أكتب وأنا معتقد أن إدراك المسلم لهذه القضايا ، يجعله يقبل على ما بين يديه من وسيلة موجودة بكل صبر وجد واستمرار ، دون أن يتمكن أحدٌ أن يصرفه عن غايته ، لأنه يعرف ماذا يعمل ، وأين يؤدي عمله . وكلما اكتسب من سعيه موجوداً جديداً لم يكن عنده ، زادت طمأنينته ، وخرج من الحيرة التي يعيش فيها ، حيث كان ينتقل من سراب إلى سراب ، ويقضي شبابه في هذه الحركة ، التي تشبه حركته من أصابته لوثة ، ثم يركد ساكناً بعد أن يئس دون أن يكون قد خطر في باله أن الدراسة الصابرة تفتح أبواباً للعمل لا ينتبه إليها عادة . ويقول في هذا الأستاذ مالك بن نبي :
    « وبعض المسلمين الذين ما زالوا يحسون بقلوبهم بالمأساة ، ولكن ليس لديهم ما يكفي من الصبر والأناة لدراستها ، هؤلاء يترجمون دائماً عن المأساة قائلين : (إننا لم نعد مسلمين إلا بشهادة الميلاد . إنهم ليقررون حقيقة ، ولكن ربما فعلوا شيئاً أكثر فائدة لو أنهم لاحظوا ملاحظات أولية في وسطنا »(1) .
    أنا أعتقد أنه إذا أدرك المسلم سنن المشاكل سيخرج من هذا الإدراك بالسلوك الجاد بدل التشتت الذي يعيشه .
    سُنَّةٌ عَامةٌ للبَشرِ
    إن السنة الموجودة في الآية ، سنة عامة تنطبق على كل البشر ، وليست خاصة بالمسلمين ولا بغيرهم وإنما هي عامة .
    ولكن المسلم عادةً ، بشعور منه أو لا شعور ، وبمقدار متفاوتٍ في الوضوح ، يريد أن ينظر إلى الأمور بشيء من الخصوصية .
    ولقد صادفني مراراً حين كنت أحاول أن أتناول مشكلة المسلمين أن أواجهَ بقولهم : إن هذا الأسلوب الذي تحاول أن تبحث به الموضوع ينطبق على غير المسلمين أيضاً . فأقول نعم .
    وبناء على هذه الخبرة ، أشعر بحاجة لأن أوضح هنا ، أن القاعدة الموجودة في هذه الآية تشمل كل الناس ، بدليل أن كلمة (قوم) في الآية لم تأت مخصصة بقوم معينين ، وإنما هي لكل قوم ، ومجيئها نكرة في الآية يدل على ذلك .
    فمضمون هذه الآية ينطبق على كل البشر أجناساً وأدياناً ، الأبيض والأسود ، والمسلم والكافر .
    لكن حين يسأل المسلم ويقول : إن هذا الأسلوب في معالجة المشكلة يعم غير المسلمين .
    إن هذا السؤال ليس سؤلاً فارغاً ، بل يحمل وراءه نظراً وعقيدة وفكرة ، فكأن المسلم بهذا السؤال يبصر جانباً لم يكن يبصره من قبل ، ويبرز عنده احتمالُ لم يكن وارداً لديه سابقاً ، فيخرج بهذا من نظر الخصوصية إلى قاعدة عامة تشمل كل البشر ، ومن ضمنهم المسلمون .
    ولكن المسلم لا ينظر عادة ، إلى مشكلة المسلمين بهذا المنظار الذي يجعل المشكلة الإسلامية خاضعة لسننٍ عامة تشمل البشر جميعاً . فهو يرى أنه ينبغي أن تكون مشكلة المسلمين غير خاضعة لما يخضع له سائر البشر في مشكلاتهم ، ويفعل المسلم هذا حين يفعل ، بروح من التسامي والتقديس . ذلك أنه يظن أن رفع شأن المسلمين إنما يكون بعدم خضوعهم للسنن التي يخضع لها سائر البشر .
    وينبغي أن يُوضَّحَ هذا الأمر بدقة ، وبصورة كافية ومقنعة ، ولا بد أن أتناوله ، وإن لم أبلغ به الدرجة التي أريد لها من الوضوح والبيان ، لأن وضوح هذا يكون له أثر في نظر المسلم وموقفه من المشكلة . إذ حين يرى المسلم المشكلة خاضعة لسنة عامة تنطبق على سائر البشر ، يدرك أنه يمن أن يستفيد من الوقائع التاريخية البشرية التي حدثت للأقوام قديماً وحديثاً ، والتي لا تزال تحدث الآن .
    والذي يؤكد عمومية الموضوع أن الله يقول للرسول صلى الله عليه وسلم :
    « قل بدعاً من الرسل » الأحقاف - 9 - .
    ويصور الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الموضوع بصورة من يرى المستقبل من خلال السنن حين قول : (لتتبعن سنن من قبلكم حذو القذة بالقذة …) حتى إنه يصل في المشابهة إلى أن يحشرهم في جُحرِ الضَّبِّ .
    ومثل هذا النظر إلى الموضوع ، هو الذي نفتقده الآن ، وعلينا أن نكتسبه ، لأن هذه النظرة القرآنية هي التي تجعل المسلم قادراً على الاعتبار الذي يلح عليه القرآن .
    فأمامنا تجارب القرون الماضية ، تجارب كثيرة تظهر فيها سنن التغيير الأقوام ، التي يخضع لها المسلمون أيضاً ، كأي قوم من الأقوام .
    وفي الواقع ، إن هذا النظر القرآني يجرد الإنسان ملابساته ، ويرجعه إلى أصله المجرد الذي يخضع للسنن .
    فإذا حصَّلنا هذا النظر نكون قد أخرجنا المشكلة من مجال الغموض والتكهنات ، إلى مجال الرؤية الواضحة ، التي يُمكن النظرُ إليها كمشكلةٍ إنسانية ، لا على أنها مشكلة مبادئ ، بمعنى أن ننظر إلى الموضوع كمشكلة مجتمع ، لا كمشكلة دين وعقيدة . وبعبارة أخرى كمشكلة بشرٍ مسلمين لا مشكلة إسلام . وهذا أيضاً في حاجة إلى شرح أيضاً .
    فحين أقول : مشكلة مجتمع ، لا مشكلة دين ، لا أريد أن أنزع المسلم من دينه وعقيدته ، بل حرصي عليه أن يبقى على دينه كحرصه بل أشد . ولكن ما أريده هنا : أن أفرق بين السنن التي تجعل الإنسان عاجزاً ، والسنن التي تجعل الإنسان مجتهداً عاملاً .
    وليس قصدي أن أجعل العقيدة والإسلام موضع تشريح وبحث ، فإن الإسلام ليس مجال البحث في صدقه وحقيقته وصحته ، فالإسلام حقيقة من حقائق الكون ، كالشمس والقمر في مجال المادة . فإن الإسلام في مجال سير المجتمع البشري ، والأمة الواحدة العالمية ، كالشمس والقمر في مجال المادة .
    فلندع الآن هذه الحقيقة ، ولنرجع إلى الإنسان المسلم الذي ينطبق عليه ما ينطبق على البشر ، من غفلة وجهل ، وعنهجية وغرور ، وطيبة ووداعة ، وسذاجة وحماقة .. فالبشر قد أودعوا نفوسهم أفكاراً عن الشمس والقمر في قديم الزمان ولكن هذه الأفكار مهما كانت خاطئة لم تكن لتؤثر في حقيقة سير الشمس والقمر ، ولم يتغير شيء من نظام الكون من أجل تلك الأفكار ، وبقيت سنن سير الشمس والقمر كما هي لم تتغير . ولم يكن الذي كان في حاجة إلى تغيير حينذاك ، سنة الشمس والقمر ، ولكن الذي كان حاجة إلى المزيد من البحث والعناية ، هو الإنسان ، الذي حشى نفسه بالظنون والأوهام ، وارتفع بها إلى مستوى القداسة ، وكان عنده استعداد أن يزهق الأرواح التي تحمل أفكاراً تخالف ما يحمله هو .
    فإذا رجعنا إلى الإنسان المسلم ، نجد أن نظرته ومفهومه عن الإسلام ، كمضمون ، وكطريقة لحل المشكلات ، كمثل نظر أولئك إلى الشمس والقمر ، من حيث البعد عن الحقيقة . فالمنهج القرآني مثلاً في بحثه لمشكلات التقدم والتخلف المادي عند الناس ، يواجهها كمشكلة عامة ، وكمشكلة أقوام ، لا كمشكلة دين وعقيدة ، وإنما مشكلة صلة بدين .
    وينبغي أن أنبه هنا إلى أمرين أيضاً :
    الأول : حين نقول مشكلة عامة .
    في الواقع إن المشكلة عامة ، لأن السنَّة لا تكون سنَّة إلا إذا كانت عامة ، ولكن ليس معنى هذا ، أن مشكلة المسلمين لا تتميز بخصوصية ، من حيث العوارض ، والملابسات الخاصة ، التي ينبغي أن يراعيها المسلم حين يأخذ في معالجة المشكلة ، إلا أن قصدي هنا أن لا يختلط على المسلم القاعدة العامة التي يخضع لها كل الأقوام ، مع الأمر الخاص الذي يخص المسلمين . فمثلاً قد يكون الانخداع بالوهم والتعلق به مما يحول بينهم وبين رؤية طريق الصواب وهذا سنَّة عامة في البشر . ولكن لا يشترط أن يكون الوهم الذي يتعلق به كل قوم ، نوعاً واحداً من الأوهام ، بل يمكن أن تكون أوهاماً متعددة ، ولكن سنَّة التعلق بالوهم واحدة ، وإن كان نوع الوهم مختلفاً . فعلينا أن نراعي هذا في بحث مشكلة المسلمين .
    الثاني : حين نقول : إن المشكلة مشكلة إنسان ، لا مشكلة عقيدة ، كذلك في حاجة إلى تفصيل ، وذلك لأن شرعة القرآن ، وإن كانت حقاً ، إلا أن فهم المسلمين لهذه الشرعة ، وهذا المنهاج في جميع نواحيه ، ليبست في أذهان المسلمين على أصالتها ووضوحها ، وأحياناً يكون فهمهم لها على عكس حقيقتها ، فمن هنا تظهر الحاجة إلى تغيير ما بأنفس المسلمين عن الإسلام ، في قليل أو كثير ، ولاسيما بعد هذا الكود الطويل ، الذي جعل كثيراً من الخرافات والنظرات الخاطئة تحمل قوة قداسة الإسلام والقرآن عند المسلمين .
    وهذا الأمر ، يمكن أن يعتبر خصوصية في المسلمين ، من حيث تعلقهم بأوهام وكشف لا صلة لها بالقرآن وكأنها القرآن . وتفصيل هذه الأوهام وكشف النقاب عنها ، شكل عقبات في سبيل الإصلاح ، لأنها تشكل أوزاراً تحملوها وابتدعوها ما كتبها الله عليهم ، فظلت في أعناقهم كأحجار الرحى المدلاة التي تعوق حركتهم وتثقلهم ، وكالغشاوات على الأعين تحول دون رؤية الصواب ، بل صارت كالأقفال على القلوب ، التي تمنع إدراك الصواب ، وتجعل أمام إمكانية قبوله صعوبات مضاعفة .
    وعلى الرغم من أن هذه الأوهام ، اكتسبت نفس قداسة وقوة آيات الله ، في أنفس المسلمين ، إلا أن المسلم على علاَّته ، عنده من التعلق بالقرآن ما ليس لأحد من أهل الكتاب . فلهذا كانت صعوبة تخلص المسلمين من هذه الأوهام أصعب ، وفي حاجة إلى حذق ورفق ، في تغيير ما بنفسه عن دينه وعقيدته ، من الخطأ إلى الصَّواب .
    وإن عجز المسلم عن هذا التغيير ، يرجع في كثير منه ، إلى غياب وضوح سنن تغيير ما بالنفس ، ولاسيما حين يحدث هذا التغيير خلال عصور طويلة ، وهنا تظهر أهمية معرفة سنن التغيير لما بالأنفس ، سواء كان هذا التغيير الذي حدث ببطء من قديم ، أو الذي يحدث الآن بسرعة كبيرة .
    فهذه المعرفة الواضحة ، لما حدث من التغيير البطيء سابقاً ، وما يحدث من التغيير السريع لاحقاً ، أمر ضروري للسيطرة على التغيير الذي نريده نحن .
    1- فلا بد من معرفة سنن التغيير لما بالأنفس .
    2- كما لا بد من معرفة ما ينبغي أن نغيره ، من الأوهام ، وما ينبغي أن نثبته من الحقائق .
    3- ومعرفة ، مَنْ هؤلاء الذي ينبغي أن نجري على ما بأنفسهم هذا التغيير ، وإن اختلفت معادلتهم الشخصية وبيئتهم ، إذ أنهم مشتركون في أصل البلاء .
    فهذه المعرفة المفصلة أمر لا بد منه للبدء في أية عملية تغيير جاد .
    سُنَّةُ مُجْتَمَعٍ لا سُنَّةُ فَرْدٍ
    كذلك إن الآية ، حين تبين هذه السنة ، تبين أنها ، سنَّة اجتماعية لا سنَّة فردية ، بمعنى أن كلمة « بقوم » تعني الجمع أو الجماعة التي يطلق عليها أمَّة ، أو مجتمع . ولعلنا نبين معنى المجتمع إن شاء الله في المستقبل .
    ولا يفهم من الآية ، قصد فرد معين ، بدليل أن الله لم يقل (إن الله لا يغير ما بإنسان حتى يغير ما بنفسه) ، ولا ما يدل على شخص فرد ، سواء كان رجلاً أم امرأة ، مؤمناً كان أم كافراً . وإنما الحديث عن قوم ، عن مجتمع ، له خصائصه بما يشمل الرجال والنساء ، الصغار والكبار ، بكل محتويات القوم أو المجتمع المعين أو الأمة .
    وينتج عن هذه الملاحظة ، أنه لا يشترط أن يغير الله ما بشخص إذا غير ما بنفسه . كما أنه لا يشترط أيضاً أنه لا يغير الله بالشخص إن غير ما بنفسه ، لأن البحث ليس عن شخص معين ، وإنما البحث عن مجتمع بمعناه الخاص ، أي باعتباره كياناً واحداً . إذ أن الفرد ، يمكن أن يتغير ما به في بعض الجوانب ، إن غير ما بنفسه ، ولكن ذلك ليس دائماً في كل الأمور ، فهناك أمور خاصة بالمجتمع ، لابد من تغييرها ، حتى ينال الفرد نصيبه من هذا التغيير . وعلى هذا يكون مضمون الآية (إن الله لا يغير ما بقوم) – ما بمجتمع أو كيان اجتماعي – حتى يغير ها المجتمع ، أو الكيان الاجتماعي ، ما بأنفسهم . وبهذا نرجو أن نكون قد نبهنا إلى هذه الملاحظة التي سنحتاج إليها أثناء البحث ، لأنه يترتب عليها أمور ، قد يحدث بدونها اختلاط وعدم وضوح ، ويتوقف في قبول النتائج التي نريد أن نصل إليها .
    ولكي نقرب الموضوع إلى الأذهان أكثر نقول : إن الله تعالى يقول :
    « إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون . الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مشتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين » الأنفال – 66 - .
    نفهم من هذه الآية أن صبر عدد قليل كعشرة أمام ألف لا يشترط إحراز النصر ، فكأن الآية تتحدث عن توازن في الكم والكيف ضمن حدين . ويمكن الاختلاف على اعتبار أن العدد لا مفهوم له . ولكن الذي لا يمكن الخلاف عليه هو اعتبار التوازن في الكم والكيف ، وزيادة الكم حين يضعف الكيف ، وهذا واضح في قوله تعالى :
    « الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين » ، بعد أن كانوا يغلبون ألفاً .
    فمن هنا نفهم ، أن الغلب أو النصر الذي يحرزه المجتمع ، أو الأمة المخاطبة بقوله : (منكم) لا يتم بثبات فرد ، أو بأن يكون ما بنفس فرد قد تغير ، إذ لا بد من ثبات عدد معين ، له حد أدنى وأعلى ، وإن كانت آية الأنفال هذه تحدد الكم ، وتدخل عامل الكيف ، الذي جاء بحثه في موضوع خاص ألا وهو الثبات في المعركة . إلا أن هذه الخصوصية ليست محصورة في المعركة القتالية ، فمعارك الحياة كثيرة ، فمعركة بناء المجتمع كذلك تحتاج إلى التوازن نفسه .
    ونَذْرُ الإنسان نفسه ، وما وهبه الله من قوة وعمر في سبيل فهم مشكلات المسلمين ، يشمل كذلك نفس التوازن ، سواء ذلك في بناء الفرد والمجتمع .
    ومعركة التعامل مع سنن الله على أساس الوعي ، أمر يشمل الكافرين والمؤمنين ، وأن الفقه لسنن الله يعطي النتائج حتى للكافرين ، ولها لما قال تعالى :
    « يغلبوا ألفاً من الذين كفروا » أعقبه بقوله « بأنهم قوم لا يفقهون » فهذا يدل على تدخل فقه الكافرين أيضاً ، كماً وكيفاً ، ولاسيما الفقه لسنن الحياة الدنيا كما سنبحثه فيما يأتي ، لأن الله يمد المؤمنين والكافرين :
    « كُلَّاً نُمِدُّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً » . الإسراء – 20 - .
    وهذا النظر إلى الموضوع يبين ، خطورة أن يبقى في المجتمع أعداد ، مهما كانوا قلة ، لا يتمتعون بالوعي التام لقضايا المجتمع . وكذلك ، خطورة عدم وجود العدد الكافي ، أو الحد الأدنى ، من الذين يعون الأمور على هذا الأساس من النظر . وإدراك ضرر وجود غير الواعين في الأمة ، يولد لدى المجتمع شعوراً بالخطر ، أن يكون المركب الذي يسير بالمجتمع ، يحتوي على نماذج لا تعرف سنن طفو الأجسام على الماء ، فيسعون بحسن نية، أو سوء نية ، لخرق السفينة ، كما ورد في الحديث الشريف الصحيح .
    علينا أن ندرك ؛ أن التوازن الدقيق في وعي المجتمع ، يتأثر كما يتأثر توازن المركب ، بحيث لو أن ذبابة وقعت على طرف المركب ، أثرت في توازنه مهما كان التأثير ضئيلاً . كما أن الجسم الإنسان نفسه ، قائم على مثل هذا التوازن الدقيق في عوامل الصحة والمرض ، فالغدد في الجسم تفرز – حسب الحاجة – الإفرازات . إلا أن المجتمع لا يفرز بالغريزة ، الوعي ذاته ، بتنظيمه . وهذه مهمة عقل المجتمع ، الذي يعتبر كل فرد فيه مسؤولاً . وتتعاظم المسؤولية على قدر ما يتوفر للمرء من فرص في تحصيل ذلك وتنفيذه .
    هذا ونلاحظ أن مثال السفينة (المادة) فيزيائي ، بينما في الجسم بيولوجي يعتمد على الغريزة ، وفي المجتمع يعتمد على العقل .
    وإدراك الموضوع بهذا المستوى ، يجعل المرء يشعر بقشعريرة حين يتذكر أنه سيسأل عن عمره فيم أفناه ، هذا العمر الذي يبعثره . وسيسأل عن الإمكانات الأخرى التي أهملها وضيعها حين لم يسع إلى تحويل ما أودع الله في نفسه من إمكانيات بالقوة إلى إمكانيات بالفعل . ومثال الشيء الذي عنده الإنسان بالقوة : الاستعداد الموجود عنده لتعلم القراءة والكتابة . ومثال الشيء الحاصل عنده بالفعل : هو تحول هذا الاستعداد إلى واقع عملي حين يصير هذا الإنسان قارئاً وكاتباً عن طريق الجهد الذي يبذله للتعلم . وكذلك سائر الاستعدادات الكامنة في الإنسان .
    سنة دنيوية لا أخروية
    لا تتوجه الآية إلى المشكلة الأخروية والحساب الأخروي . وإنما تتوجه إلى المحاسبة الدنيوية الاجتماعية .
    ونحن ينبغي أن تكون لدينا القدرة على فهم هذا الموضوع على هذا الشكل . كما أن هذا ليس معناه أن نقلل من شأن الآخرة ، أو نهمل دخل الآخرة في الموضوع ولكن المقصود هو التنبيه إلى مجال السنن وحدودها . وأن مضمون هذه الآية في محاسبة الناس ، أو محاسبة المجتمع ، وتغيير ما بالمجتمع على أساس العمل الجماعي وفي الدنيا أيضاً . وأن التغيير المراد في الآية ، هو التغيير الذي يحدث في الدنيا .
    وهذه الملاحظة ، تفيد أيضاً في تحديد الموضوع وتوضيحه ، وتساهم في إمكان فهم أعمق لآلية تغيير المجتمع . كما تبين أن المحاسبة في الدنيا جماعية ، ومحاسبة الآخرة فردية . أما كون المسؤولية في الآخرة فردية فالآيات التي تدل عليها كثيرة منها قوله تعالى :
    « ونرثه ما يقول ويأتينا فرداً » . مريم – 81 ، وقوله تعالى : « ألاَّ تزرُ وازرةٌ وزرَ أخرى وأنْ ليسَ للإنسانِ إلاَّ ما سعى وأنَّ سعيهُ يُرى » النجم – 40 .
    وأما المسؤولية الاجتماعية ، أي مؤاخذة المجتمع كله ، فكذلك واضح في قوله تعالى :
    « واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب » الأنفال – 25 .
    فحين تنزل المصيبة على المجتمع المقصر فأنها تعم أفراداً لم يكونوا مقصرين ، وبالمقابل قد يسعد أفراد مقصرون في المجتمع السليم .
    ويدل على هذا أيضاً حديث الرسول صلى الله عليه وسلم لما سئل : « أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم إذا كثر الخبث » وهذا واضح في أن محاسبة المجتمع في الدنيا جماعية كما أن المصيبة تعم الجميع وكذلك النعمة .
    وينبغي أن يفهم ذلك في حدود المجتمع .
    في الآية تغييران
    تغيير الله وتغيير القوم
    وينبغي أن لا تفوتنا هذه الملاحظة . لأن نص الآية ، على حسب قواعد الإعراب ، أن فاعل التغيير الأول ، المذكور في الآية ، هو الله سبحانه وتعالى ، وفاعل التغيير الثاني ، هم القوم ، أو المجتمع ، وإن كانت القدرة التغييرية الثانية ، هي هبة من الله تعالى للقوم وإقدار منه تعالى للمجتمع على ذلك . وعلينا أن لا ننسى هذا التوزيع في العملية التغييرية ، لأنه كثيراً ما يغيب عنَّا ما يخص الإنسان من التغيير ، ويختلط علينا الأمر ، وهذا الغموض ، يفقد الإنسان ميزته وإيجابيته في عملية التغيير .
    وإن أي ظن ، أو طمع ، في أن يحدث الله هذا التغيير الذي جعله من خصوصياته – إلا وهو الجانب الذي يتعلق بما بالقوم وليس بما بالنفس –قبل أن يكون القوم هم بأنفسهم قاموا بتغيير ما بأنفسهم .
    إن هذا الظن ، والإغفال لهذه السنة الدقيقة المحكمة ، يبطل النتائج المترتبة على سنة هذه الآية .
    في الآية ترتيب
    بين حدوث التغييرين
    والتغيير الذي ينبغي أن يحدث أولاً ، هو التغيير الذي جعله الله مهمة القوم وواجبهم ، بأقدار الله تعالى لهم على ذلك . وإن حدوث أي تهاون في الخلط بين التغييرين ، وإدخال التغيير الذي يحدثه الله بالتغيير الذي يقوم به القوم ، أو العكس ، يفقد الآية فعاليتها ، وتضيع فائدة السنة الموجودة فيها .
    والرجاء ، بأن يحدث الله التغيير الذي يخصه ، قبل أن يقوم القوم (المجتمع) بالتغيير الذي خصَّهم الله به ، يكون – هذا النظر – مخالفاً لنص الآية ، وبالتالي إبطالاً لمكانة الإنسان ، وأمانته ، ومسؤوليته ، ولما منحه الله من مقام الخلافة على أرضه . لأن هذا التحديد في مجالات التغيير ، وهذا الترتيب فيما ينبغي أن يحصل أولاً ، وما يحدث تالياً ، هو الذي يضع البشر أمام مسؤولية حوادث التاريخ . ومن هذه النافذة ، يمكن إبصار أثر البشر ، في أحداث التاريخ ومسؤوليتهم إزاءها .
    وعلينا أن نؤكد هذه القواعد دون كلل أو ملل ، لأن عدم الانتباه إليها فاشٍ بين الناس ، والذين ينتبهون إليها ،لا يعطونها قدرها ، فلابد من تذكرها دائماً وإعطائها قدرها ، حتى يرتفع هذا الإدراك ويبلغ المستوى الذي لا يسمح بمرور الأفكار والكلمات ، التي تعودنا أن نسمعها أو نتحدث بها ، إزاء تفسير أحداث التاريخ ، برؤية الجانب الذي يحدثه الله ، دون إدراك علاقته بالجانب الذي يخص القوم وأوليته أيضاً كما سنبينه فيما بعد .
    وعلينا أن نوقف هذا التيار – الذي يعم مختلف طبقات المجتمع ، في التفسير المتناقض لأحداث التاريخ – التيار الذي تّبْطُل معه مسؤولية البشر ، أو يجعلها غير بارزة ، أو يجعلها مستورة ، بينما يبرز الجانب الذي يخص الله :
    « وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون » . النحل – 33 .
    والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
    مجال كل من التغييرين
    تغيير الله وتغيير القوم
    إن مجال التغيير الذي يحدثه الله ، هو ما بالقوم ، والتغيير الذي أسنده الله إلى القوم ،مجاله ما بأنفس القوم .
    « ما بقوم » يشمل الكثير ، ويشمل أول ما يشمل ما يمكن أن يلاحظ ويرى من أوصاف المجتمع ؛ من الغنى والفقر ، والعزة والذلة ، والصحة والسقم . وينبغي أن نتذكر هنا ، أن القصد ليس الفرد ، كل فرد بذاته ، وإنما المجتمع العام . وأن التغيير الذي يحدثه الله من الصحة والسقم ، والغنى والفقر ، والعزة والذلة ، إنما يعود إلى القوم بمجموعهم لا إلى فرد محدد . إذ يحدث أن يغني القوم ، ولكن ليس معنى هذا أن لا يبقى فيهم فقير . كما يحدث أن يفقر المجتمع ، وليس معناه أيضاً أن لا يبقى فيهم شخص غني . وكذلك الأمر بالنسبة للصحة والسقم ، قد يصيب القوم السقم ، ولكن لا يشترط أن يصاب كل منهم بسقم ، كما قد يصيب القوم الصحة ولكن لا يشترط أن لا يبقى فيهم سقيم . ونؤكد مرة أخرى ما سبق أن بيناه ، من أن السنَّة التي في الآية ليست فردية ، وإنما اجتماعية ، وهذا يقتضي منَّا : أن تكون لدينا القدرة على النظر إلى المجتمع (القوم) ككائن واحد بمجموعه وهذه نظرة قرآنية بكل معنى الكلمة حيث يقول الله تعالى :
    « لكل أمَّة أجل » الأعراف – 34 - ، وقال : « ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون » - 43 – المؤمنون .
    فهذا الأجل هنا ليس أجل الفرد وإنما هو أجل الأمة ، لأن للامة وللمجتمع كياناً يكون حياً به وعلى أساسه يأتيه الأجل ، ولا يشترط أن يكون أفراده ماتوا ، ولكن الكيان الذي كان للامة مات وذهب ، كمجتمع الفراعنة ، ذهب ولم تبق له باقية ، لا بهلاك أفراده وإنما بذهاب كيانه . وهذا ما جعل محمد إقبال يقول في أن أجل الأمة الإسلامية إلى قيام الساعة :
    أمَّة الإسلام تأبى الأجَلا أصلُها الميثاق في قالوا بلى
    إشارة إلى قوله تعالى : « ألست بربكم قالوا بلى » الأعراف – 172 .
    فالنظر إلى المجتمع كفرد ، سهل لنا فهم التغيير الذي يحدث فيه .
    مثلاً : يمكن النظر إلى المجتمع على أساس الصحة والسقم ، باعتبار عدد الأصحاء في المجتمع ، فإذا كان نسبة الذين يتمتعون بصحة كاملة هي 50% من المجتمع ، فإن هذا المجتمع أقل نعمة من المجتمع الذي نسبة الأصحاء فيه تبلغ 90% من أفراده . كما أنه لا شك أن مصلحة الفرد أن يعيش في مجتمع 90% من أهله أصحاء بدلاً من أن يعيش في مجتمع 50% منه فقط الذين يتمتعون بصحة جيدة وكاملة .
    علينا أن لا ننسى هذا سنَّة دنيوية ، لا سنَّة أخروية . وكذلك الأمر بالنسبة للغنى والفقر .
    هذا ويمكن أن يفصل في هذا الموضوع بأدق وأكثر مما ذكر الآن .
    وعلينا أن نعود إلى مجال هذا التغيير ، الذي يحدثه الله بما بالقوم . كما أن مما يدل على صحة هذا التفسير الذي سقناه لمعنى « ما بقوم » في قوله تعالى :
    « إن الله لا يغير ما بقوم .. »
    إنه يشمل الغنى والفقر ، والصحة والسقم ، والعزة والذلة – ما ورد في سورة الأنفال من استبدال كلمة « ما » في سورة الرعد بكلمة « نِعْمَة » حيث قال :
    « ذلك بأن الله لم يك مُغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم » الأنفال – 53 - .
    إذ أن كلمة نعمة أخص من كلمة « ما » لأن كلمة « ما » تشمل النعمة والنقمة ، كما أن كلمة النعمة عامة أيضاً في جميع أنواع النعم ولاسيما وأنها جاءت نكرة .
    فكلمة « نعمة » تشمل الصحة ، وهي من أكبر النعم ويقول صلى الله عليه وسلم في ذلك : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ) ، والرزق نعمة وكذلك الغنى ، وسلامة الأعضاء ، ونجابة الأولاد ، ونظافة المساكن ، والمودة والحب والإخاء .
    « فأصبحتم بنعمته إخواناً » آل عمران – 103 .
    والتراحم والإيثار ، واللين والشدة ، كل في مكانها ، « فبما رحمة من الله لنت لهم » آل عمران 159 ، « وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها » إبراهيم 34 .
    كل هذه النعم ما ذكر منها وما لم يذكر ، وما يقابلها من النقم : متضمنة في قوله تعالى :
    « إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم » الرعد – 11 - .
    هذه هي التغييرات التي يحدثها الله تعالى بالأقوام .
    وأما التغييرات التي يحدثها الأقوام ، فإن الله تعالى علَّقها بما بالأنفس . فما هذا الذي بالأنفس وهل للبشر قُدرةٌ على تغييره بما مكنهم الله فيه ؟
    إن المراد بما بالأنفس : الأفكار ، والمفاهيم ، والظنون ، في مجالي الشعور واللاشعور . وملاحظة الارتباط بين التغييرين ، وتمكُّن الإنسان من استخدام سنن التغيير ، يعطي للإنسان سيطرة على سنَّة التاريخ ، وسيطرة على صنعه وتوجيهه .
    وفي الواقع إن ابن خلدون لمح هذا الجانب ببصيرة نفَّاذة ، وأدرك أنه لمح شيئاً خطيراً لم يُسبق إليه في إقامة لبرهان ، وإن سُبق إليه في ذكر العنوان . وابن خلدون هو فلتة من فلتات الزمان ، كما يقال عادة ، حين تخفى عوامل السنن في الأحداث ، إذ ألقى ضوءاً كبيراً في هذا المجال . ولكن المشكلة أنه كما لم يسبقه أحد ، كذلك لم يتبعه أحد من بعده أيضاً في العالم الإسلامي ، إذ أنَّ هذا المنهج قد بدأ به ابن خلدون ، ثم توقف من بعده .
    ومما يلاحظ على ابن خلدون أنه كشف السنَّة كشيء حتمي لا كسنَّة يمكن السيطرة عليها . ومع ذلك فإن الجانب الذي اعتنى به ابن خلدون ؛ هو الذي يمكن الإنسان من لجام الزمان آخر الأمر .
    ولخطورة ما اهتدى إليه ابن خلدون ، استحق أن يقول عنه أشهر مؤرخي العصر ، والذي يمسك بزمام فلسفة التاريخ الآن ، وهو توينبي قال عن المقدمة : « إنه أعظم عمل من نوعه أمكن أن يبتكره عقل من العقول ، في أي عصر من العصور ، في أي رَجَاً من أرجاء الأرض »(1) .
    ويعتبر محمد إقبال : « تصور الوجود حركة مستمرة في الزمان » . ] هذه الفكرة هي أبرز ما نجده في نظر ابن خلدون إلى التاريخ ، مما يسوغ ما أضفاه عليه (فلنت) من مدح وثناء إذ يقول : « إن أفلاطون وأرسطو وأوجستين ليسوا نظراء لابن خلدون ، وكل من عداهم غير جديرين بأن يذكروا إلى جانبه » [(2) .
    ونحن سنذكر شيئاً مما قاله ابن خلدون عن تفسير ما بالقوم وتحديده ، ثم بعد ذلك نشير إلى ضرورة الاطلاع على ما وراء تلك التغييرات ، التي تلحق الأقوام مما سميناه نحن التغيير الخاص بالله تعالى .
    يقول ابن خلدون : (… ولم أترك شيئاً في أوليَّة الأجيال والدول ، وأسباب التصرف والحَوْل ، وما يعرض في العمران من دولة وملَّة ، ومدينةٍ وحَلَّة ، وعِزَّةٍ وذِلَّة ، وكثرة وقِلَّة ، وعلم وصناعة ، وبَدْو وحَضر ، وواقع ومنتظر ، إلا واستوعبت جُمَلَهُ ، وأوضحت براهينه وعِلَلَهُ ، فجاء هذا الكتاب فذاً بما ضَمَّنْتُهُ من العلوم الغربية ، والحكم المحْجُوْبَةِ القريبة ، وأنا من بعدها مُوقنٌ بالقُصُور بين أهل العصور معترف بالعجز، راغب من أهل اليد البيضاء … النظر بعين الانتقاد لا بعين الارتضاء ، والاعترافُ من اللوم مًنْجاة والحُسنى من الأخوان مرتجاة)(1) .
    وابن خلدون له من التطلع إلى ما وراء الأحداث من أسباب ، سواء كانت هذه الأحداث دولاً ومللاً ، وعزَّة وذلة ، وكثرة وقلة . فإن ما يذكره ابن خلدون هو هذه الأشياء الظاهرة مما بالقوم ، من غنى وفقر ، وصحة وسقم ، وعزة وذلة .
    فهذه الأشياء هي التغيير الذي يحدثه الله في نص الآية . وابن خلدون صار له من التطلع إلى مبررات ومسببات هذه النعم والنقم ، لما بالأقوام والدول والملل ، ما دعاه إلى أن يُعمل فكره فوصل إلى ما وصل إليه وهو يقول في ذلك :
    « فإن التاريخ في ظاهره ، لا يزيد على أخبار من الأيام والدول … وفي باطنه نظر وتحقيق ، وتعليل للكائنات ومباديها دقيق … وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق ، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق ، وجدير بأن يعد في علومها وخليق » .
    فهذا الذي يسميه ابن خلدون باطن التاريخ ؛ هو الذي سميناه القسم الخاص بالأقوام ، في تغيير ما بالأنفس مما أقدرهم الله عليه ، وعلى أساسه حملهم أمانته . وابن خلدون يربط التغيير الأول بالتغيير الثاني ، ولكن بعد هذا لم يلح على كيفية قيام البشر بهذا الواجب . ولا حرج عليه فهو يدرك أهمية ما كشف ويشعر بإمكان زيادته . وفي الواقع إن القارئ العادي قد لا يعطي لابن خلدون قيمته الحقيقية ، لأن الذي يعرف الفضل من الناس ذووه ، فإن من عرف وتمرس على معرفة (كيف بدأ الخلق) ، هو الذي يقدر ما فعل ابن خلدون . أما من لا يعرف كيف وجدت العلوم ، ولا كيف تقدمت ، ويظن أن الأمر وجد هكذا ، فهذا لا يمكنه أن يقدر عمل ابن خلدون ، وقد كان ابن خلدون يعرف طبيعة عمله حين قال عن كتابه : لإنه ضمنه علوماً غريبة ، وحكماً محجوبة قريبة ، فهذه المحجوبة القريبة هي التي تخفى على الناس ، ولهذا قال ابن خلدون ، في عبقرية نفاذة ، عن المؤرخين واستيعابهم للأخبار وجمعهم لها : « … وأدَّوها إلينا كما سمعوها ، ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال ولم يراعوها فالتحقيق قليل ، والتقليد في الآدميين عريق وسليل ، والتطفل على الفنون عريض وطويل … فللعُمران طبائع في أحواله ، ترجع إليها الأخبار ، وتحمل عليها الروايات والآثار … ثم إذا تعرضوا لذكر الدولة نسَّقوا أخبارها مسبقاً … لا يعترضون لبدايتها ، ولا يذكرون السبب الذي رفع من رايتها وأظهر من آيتها ، ولا علَّة الوقوف عند غايتها ، فيبقى الناظر متطلعاً بعد إلى اقتفاء أحوال مبادئ الدول ومراتبها ، مفتشاً عن المقنع في تباينها أو تناسبها » ص11.
    إن عدم إدراك مشكلة العالم الإسلامي بهذا المستوى ، هو الذي يجعل شباب العالم الإسلامي متطلعاً إلى افتقاد أحوال مبادئ المشكلة .
    إن ابن خلدون جعل محور بحثه عن الدول ، ولكن إدراك الموضوع على أساس الحضارة ، ينطبق عليه نفس النظر . وهذا ما يحتاج إليه العالم الإسلامي لبحثه كثقافة حضارة لا كدولة ، إذ الدولة جزء من الحضارة ونتاج لها .
    وما أحوج العالم الإسلامي والعالم كله ، إلى بذل ما يستحقه البحث في أصول الحضارة في هذا العصر ، كما فعل ابن خلدون ، مع اختلاف المستوى ، ولكن الروح التي بدأ بها ابن خلدون بحثه ، هي التي تجعل كل من ينظر إليه لا يتمالك من الإعجاب مع قصور كثير من أمثلته ومباحثه قال :
    (ولما طالعت كتب القوم ، وسبرت غَوْرَ الأمس واليوم ، نبَّهتُ عَيْنَ القريحة من سنة الغَفْلةِ والنوم .. فأنشأتُ في التاريخ كتاباً ، ورفعت به عن أحوال الناشئة من الأجيال حِجَاباً ، وفَصَّلتُهُ في الأخبار والاعتبار باباً باباً ، وأبديتُ فيه لأولية الدول والعمران عللاً وأسباباً ، فذهبت مناحيه تهذيباً ، وقربته لأفهام العلماء والخاصة تقريباً ، واخترعته من بين المناحي مذهباً عجيباً ، وطريقة مُبْتَدَعَةً وأسلوباً ، وشرحت فيه من أحوال العُمران والتمدن ، وما يعرض في الاجتماع الإنساني عن العوارض الذاتية ما يُمتعك بعلل الكوائن وأسبابها ، ويُعرفك كيف دخل أهل الدول من أبوابها ، حتى تنزع من التقليد يدك ، وتقف على أحوال من قَبلكَ من الأيام والأجيال وما بعدك ) . ص 11 .
    الجانب المهم
    هو التغيير الذي يقوم به القوم
    والأمر الذي يجب أن نوليه اهتمامنا هو واجب التغيير الذي يخصنا ، كقوم وكمجتمع . هذا التغيير الذي ينبغي أن نقوم به ، يتعلق بما بالأنفس . وهنا نواجه وجهاً لوجه ، مشكلة الإنسان بكل ثقله وبكل تبعاته ، نواجه مشكلة مستقبله وتاريخه ، مشكلة تخلفه ورقيه . فلقد منح الله الإنسان القدرة على أن يغير ما بنفسه وينتقل من حالة إلى حالة أخرى .
    والانتقال من الحالة الدنيا إلى الحالة العليا ، هو المقصد من الأمانة التي جاء ذكرها بقوله تعالى :
    « إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً » الأحزاب - 72 - .
    ظلموماً إن فهم هذا ولم يعمل به . وجهولا إن ظل قانعا بجهله دون أن يتعلم وهو يستطيع أن يتعلم لو أراد .
    وعلينا أن ننظر إلى المجتمع على أنه كائن له كيانه الخاص به ، له ذكاؤه وله اجتهاده ، لأن مصيره ومستقبله كمجتمع في هذه الحياة ، متعلق بمقدار تهيئة نفسه للقيام بهذه المهمة ، مهمة تغيير ما بالأنفس .
    من هنا يتبين لنا أن الجهد المجدي للبشر ، في محاولتهم تغيير المجتمع من الشر إلى الخير أو بالعكس ، منطلقهُ الأنفس .
    ولكن ما هذه الأنفس ؟
    إن القرآن الكريم لم يهتم بكشف الحقيقة عن كنه النفس ، لأنه على ما يظهر ليس محل جدوى ، إنما اهتم بموضوع التعامل مع الأنفس لتغيير ما بها .
    وهنا يرد التساؤل : هل بالنفس شيء ابتداءً ؟ أم يوضع فيها كل شيء ؟ وكيف يرفع ما بها ؟ وكيف يستبدل بغيره ؟ وما مقدار الصعوبات التي تقابل الإنسان في هذا المجال ؟
    إن الله تعالى يقول عن الإنسان إنه يستطيع أن يزكي النفس وأن يدسيها :
    « قَدْ اَفلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَد خَابَ مَنْ دَسَّاهَا » الشمس – 10 - .
    فما هي مبادئ تَزكيةِ النفسِ التي تَجلبَ الفَلاحَ ؟ وما عوامل تدسية النفس التي تجلب الخيبة ؟
    على حسب ما يظهر ليس في النفس ابتداء ، إلا القابلية للفجور والتقوى ، وهذا هو الخلق العجيب الصنع ، الذي أبدعه الله تعالى على هذا الاستعداد العظيم من القابلية للفجور والتقوى . يقول الله تعالى في هذا :
    « وَنفسٍ وَمَا سَوَّاها فَألهمَهَا فُجُورها وَتَقْواهَا » الشمس - 8 - .
    إن الله خلق النفس وسواها تسوية عجيبة فألهمها فجورها وتقواها ، هذه التسوية وهذا الإلهام من عمل الله تعالى ، ثم قال :
    « قَدْ أَفلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا » .
    هذا العمل عمل الإنسان ، إن الله نسب التزكية والتدسية للعبد ، ونسب التسوية والإلهام للفجور والتقوى له سبحانه . وما نُسب إلى العبد كذلك ، إنما باقدار منه تعالى بمنه وكرمه .
    وقوله تعالى :
    « حَتَّى يُغَيِّروُا مَا بِأَنفُسِهِم » .
    يفيد أنه يمكن أن توضع في النفس الأفكار ابتداء ، كما يمكن أن يرفع ما فيها من مفاهيم ويوضع فيها أخرى ، وهذا أهم ، في عملية التغيير ، من إنشاء الأمر ابتداء ، ومع ذلك أسند الله للبشر هذه القدرة في إزالة المفاهيم واستبدال غيرها بها .
    وجدير بنا أن نعمل الفكر والنظر في هذه المهمة المنسوبة للبشر وعلينا أن نبصر ونتبصر ، والله تعالى يقول لنا :
    « وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ » الذاريات – 21 .
    وكيف لا نولي هذا الموضوع اهتمامنا . وهو مشكلة المسلمين ، بل ومشكلة البشر عامة ، لأن الأمر ليس بناء النفس الآن ابتداء لأنها لم تعد على الفطرة ، بل هي في حاجة إلى هدم ثم بناء في آن واحد ، فإن مواريث القرون الماضية قد غمرت النفوس بكثير من الآصار والأغلال ، فلا بد من إزالتها ، وأن يحل محلها غيرها . كما لابد من إعادة الصفاء والوضوح للنفس حيث تراكم عليها الصدأ والرين :
    « كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون » المطففون – 14 - .
    فلم تعد تقدر على أداء مهمتها ، بل هي تقوم بمهمة العطالة .
    إن النفس في أصلها سليمة ليس فيها إلا الاستعداد ، مسواة وملهمة فجورها وتقواها ، إلا أن بعض الأفكار تطرأ على الأنفس في وقت مبكر جداً ، في عهد الطفولة الأولى ، فتنزل إلى أعماق النفس لتقوم بدورها في صياغة سلوك الإنسان .
    وفي هذا الصدد يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه » والعقائد المذكورة في الحديث والأبوان ليست للحصر ، إنما الأمر يشمل كل عقيدة ، وكل وسيلة ومؤثر ، لإعطاء عقيدة أو فكرة .
    معنى الفطرة :
    ومعنى الولادة على الفطرة ، هو المعنى الموجود في قوله تعالى :
    « ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها » : الشمس 7-10 .
    وليس معناه أنه يولد مسلماً ، فهو يولد مسلماً بالاستعداد ، أما تحويله إلى مسلم بالفعل ، إنما يكون بعملية تزكية النفس ، لام الإنسان الوليد لو ترك وشأنه منعزلاً لما صار مسلماً ، بل جعله مسلماً أيضاً في حاجة إلى عمل البيئة والأبوين ومن يقوم مقامهما كما هو مشاهد .
    ومعنى الفطرة بشكل أدق ، هو استعداد للميل إلى الحق ، وهذا الاستعداد يجعله يختار الحق ، حين تترك له حرية الاختيار ، على ألا يلحق هذا الاستعداد تشويه .
    فإذا عُرض أمران على شخص خالي الذهن ليس عنده هوى سابق ، فانه يميل بفطرته إلى الحق ، فلو عرض السلام وغيره من العقائد ، على إنسان خالي الذهن ليس عنده مواريث سابقة ، فإنه يختار الإسلام ، كما هو مشاهد في مجالات التبشير وحوادث التحولات إلى الإسلام . ولكن معنى خلو الذهن من المؤثرات أمر دقيق . وهذا دليل على أن النفس التي تأثرت بالمؤثرات السابقة لم تعد على الفطرة ، وفي هذا المعنى حديث مسلم : « إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم » . ولابن تيمية بحث عن الفطرة قال 1) « والعلوم الفطرية الضرورية حاصلة مع صحة الفطرة وسلامتها . وقد يعرض للفطرة ما يفسدها ويمرضها فيرى الحق باطلاً » .
    وقال أيضاً « والناس إذا تنازعوا في المعقول ، لم يكن قولُ طائفةٍ منها ، مذهبٌ حُجَّةً على الأخرى ، بل يُرْجَعُ في ذلك إلى الفطر السليمة التي لم تتغير باعتقاد يغير فطرتها ولا هوى »(1) .
    وقال في مكان آخر « والله خلق عباده على الفطرة التي فطرهم عليها وبعث إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه . فصلاح العباد وقوامهم بالفطرة المكملة بالشرعة المنَّزلة . وهؤلاء الفلاسفة بدَّلوا وغيروا فطرة الله وشرعته ، خلقهُ وأمرهُ »(2) .
    وفي الأساس للزمخشري .. « فطر الله الخلق وهو فاطر السموات مبتدعها – وكل مولود يولد على الفطرة – أي على الجبلة القابلة لدين الحق » .
    ما بالقوم نتيجة لما بالنفس
    إن الله سيغير ما بالقوم حتما ً ، إن هم غيروا ما بأنفسهم ، سنَّة الله :
    « فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً » فاطر - 43 .
    إذ أن هذا التغيير الذي يحدثه الله في القوم ، من نوع التغيير الذي يحدثه الله من الحرق عند السقوط في النار ، والغرق عند الرسوب في الماء .
    وهنا وإن كنا ندخل في موضوع كلامي ، لا حرج أن نبين أن علماء الكلام اختلفوا في : هل النار هي التي تحرق ، أم أن الله تعالى يحدث الحرق عندها ؟
    وهل السكين هي التي تقطع أم أن الله يحدث القطع عند حز السكين ؟ … الخ .
    ليس المهم الآن بحث هذا الموضوع بهذا الشكل . وإنما المهم أن نعرف أن من سنَّة الله تعالى ، أن جعل المادة القابلة للاحتراق تحترق حين تقع في النار ، وأن يخلق الشبع عند تناول الطعام ، والشفاء مع الدواء ، والإنبات عند توفر الشروط للبذرة .
    فصفات المادة من صنع الله تعالى ، فصفة الذَّرة وصفة مركباتها ، هذه الصفات والسنن من خلق الله . وهذه الصفات الموجودة في عالم الصغائر والمركبات الميتة منها والحية ، كل هذه الصفات من صنع الله ، الذي وضع لها سننا لا تتغير ولا تتبدل .
    لماذا ؟
    وليس من مهمة العلم والعقل أن يفهم العِلَّة في هذا ، أي عِلَّة لماذا تشكل الماء مثلا من الهيدروجين والأوكسجين بالذات دون غيرها .
    أن جدوى البحث في هذا المجال قليل ، كما يظهر لنا . ولعل قوله تعالى :
    « يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة … » القصص - 68 - إنما يتناول مثل هذا السؤال وما يشبهه .
    الطب التجريبي : (فالعالم الذي سار بالتحليل التجريبي إلى الحتمية بالنسبة لظاهرة ما ، لا جرم يرى في وضوح أنه يجهل هذه الظاهرة في علتها الأولى ، وإن كان قد بسط سلطانه عليها . فهو يجهل الأداة التي تعمل وتتصرف ، وإن يكن يستطيع الانتفاع بها » ص 85 .
    فالاتجاه إلى هذا الأمر في التفكير غير مجد . ولكن السؤال
    عن كيف ؟
    كيف نحصل على الماء ؟ وكيف نصنع النار ؟ وكيف نربي الإنسان ونعطي له أخلاقاً ؟ وكيف ننشئ المجتمع الصالح ؟ …
    فهذه أسئلة مفيدة ، لأن معرفة الإجابة عنها ، تجعل للإنسان سلطاناً على الكون المسخر له . لهذا يأمرنا الله أن نسير في الأرض ، وننظر كيف بدأ الخلق :
    « قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بَدَأ الخَلْقَ » العنكبوت - 20 - .
    لأن معرفة كيفية تكُّون الخلق تظهر سننه ، ومعرفة هذه السنن ، هي التي تعزز سلطان الإنسان على هذا الكون المسخر له .
    ما الغاية ؟
    وهنا سؤال ثالث هو : ما الغاية من الخلق ؟
    قد يتفاوت الناس في إدراك الحِكَمِ والأهداف ، وهذا السؤال لا يقال عنه أنه لا جدوى منه ، بل هو قصد أهل العلم والحكمة ، وأن خفي ذلك على كثير منهم :
    « يؤتي الِحكمَةَ من يشاء ومن يؤت الحكْمَةَ فقد أوتي خيراً كثيراً » البقرة - 269 - .
    ليس من مهمة البشر خلق السنن ، أنهم لا يقدرون على ذلك وإنما على البشر أن يكتشفوا هذه السنن ، وأن يجتهدوا في البحث عنها شوقاً إلى كشفها والاستفادة منها ، وأن يشكروا الخالق المنعم بها .
    فهذه الصفة التي يثبتها الله تعالى للنفس ، من إمكانية أن يغير الناس ما بهذه النفوس ، هي من صنع الله ومن إلهامه . وتتولد من الأفكار التي يضعها البشر بالنفس ، صفات تتعلق بالقوم ، وهذه الصفات أيضاً من خلق الله تعالى ، كالغنى والفقر والعزة والذلة …
    فهذه الصفة الفريدة للنفس الإنسانية هي التي وصفها الله بقوله :
    « ونفس وما سواها ، فألهمها فُجُرها وتقواها ، قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها » الشمس - 8،10 .
    إن الله ألهم النفس البشرية فجورها وتقواها ، ولكن الإنسان هو الذي يزكي فيفلح ، ويدسي فيخيب . فكما أن اجتماع الذرات المختلفة بنسب معينة يعطي مركبات خاصة مختلفة . كذلك فان اجتماع الأفكار المختلفة بنسب معينة ، تعطي الإنسان والمجتمع مسلكية معينة متميزة .
    ويجدر بنا في هذا المقام ، أن نلفت النظر إلى أن الله جعل للإنسان سلطاناً على تغيير ما بالنفس ، الذي هو مجال جهد الإنسان الذي نحن بصدد البحث عنه ، والذي نريد أن نقيم الأدلة والبراهين عليه .
    وفي الواقع إن الذي جهل هذه الحقيقة ، ووضع في نفسه فكرة غامضة أو مخالفة لهذه الحقيقة ، لا شك أنه يحل به الكسل والخمول ، والعجز والجبن ، وهذا ما كان يستعيذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم « اللهم إنَّي أعوذ بك من الهم والحزن ، والعجز والكسل » فهذا الدعاء ، والتوجيه به إلى الله ، يجعل الإنسان حذراً من أن تحدُثَ لديه أفكارٌ تنتج الكسل والخمول ، فإن لم يحذر هذه الأفكار ، فهو كمن يرفع يديه إلى السماء يقول : يا رب ، يا رب ، ومطعمه حرام ومشربه حرام ، وغذَّي بالحرام » .. فإن كان غذاء نفسه وعقله ، من نوع الأفكار الجاهلية والخرافية التي تبطل جهد الإنسان وتسيء الظن بالله ، بالاعتقاد بأن الله لم يعط هذا الإنسان الإمكانيات الملائمة ، إن كان كذلك فأنى يستجاب له !
    لقد جعل الله هذه الصفات (الكسل والخمول … ) تتولد ذاتياً من تلك الأفكار الخرافية والجاهلية . ولكن الله تعالى بِمَنِّه وكرمه جعل لنا سلطاناً على تلك الأفكار ، كما جعل سلطانَنَا على الحديد والنار ، فهذا هو التكريم الحق لابن آدم .
    وهذه الرابطة بين ما بالقوم وما بالأنفس رابطة ينبغي أن نستحضرها في كل الأمور ، لأنه في اللحظة التي تختفي فيها هذه الرابطة ، لا يمكن إلا أن نكون جبريين شئنا أم أبينا . فنكون من الذين ينكرون جهد الإنسان وسلطانه . وهذا الإنكار متفاوت إذ لا يكفي أن نعترف بعدة خطوات من جهد الإنسان ثم نقطع رجليه في بقية المراحل . وإنما ينبغي أن نسير به إلى المدى الذي أعطاه الله له .
    فإذا خفيت علينا الرابطة بين ما بالأنفس وما بالقوم ، وخفي علينا سلطان الإنسان على ما بالنفس ، حين ذاك إمَّا أن نكون جبريين نلقي خطايا البشر على الله ، وإمَّا أن نكون غير معترفين بنعمة الله على البشر ، والتي تستوجب الحمد والشكر ، والتسبيح والتقديس لمالك الملك ، واهب القوة مكرم الإنسان ، سبحانه وتعالى عما يشكرون . وسنوضح ذلك فيما يأتي بإذن الله تعالى .
    لتحقيق التغيير لا بد من تغييرين
    تغيير القوم ، وتغيير الله ، لا بد من توفرهما جميعاً ، ليتحقق التغيير .
    كما لابد من أسبقية التغيير الذي يحدثه القوم . ألا أن بين هذين التغييرين ترابطاً ، فإذا وقع التغيير الذي يخلقه الله ، دلَّ ذلك قطعاً على أن التغيير الذي يقوم به القوم ، قد سبق أن حدث ، لأن الله تعالى اشترط هذه الأسبقية .
    كما أنه إذا تحقق التغيير الذي تقوم به القوم ، فإن التغيير الذي يخلقه الله سيتم على أساس وعد الله تعالى الذي لا يخلف الميعاد وسنته التي لن تجد لها تحويلا .
    ولكن علينا أن ننتبه إلى أن هذا التعهد إنما هو في مجال القوم - أي الجماعة أو المجتمع - لا في مجال الفرد ، وفي مجال الدنيا لا في مجال الآخرة . كما أنه لا يلزم أن يحدث التغيير للفرد الواحد إن غير ما بنفسه ، وإن كان يمكن أن يحدث ذلك في بعض الأمور الخاصة مثل السلوك الفردي ، وعلى كلٍ فإن هذا الوعد أو هذه السنة في هذه الآية سنَّة اجتماعية ، لا سنَّة فردية .
    وعلى هذا الأساس ، فكل تغيير يحدث لما بالقوم سواء في الوعي ، والصحة ، والاقتصاد والسياسة والنصر والعزة ، وسائر صنوف النعم والنقم ، يتضمن هذا التغيير ، تغييرين : تغيير القوم ، وتغيير الله .
    وبعد بيان هذا التلازم بين التغييرين ، في أن حدوث أحدهما يلزم حدوث الآخر كنتيجة حتمية ، لأن الله هو الذي خلق هذه النتائج من تلك الأعمال ، وأن حدوث هذه النتائج فورية ، كسنن الطبيعة التي أودعها الله في الكون المادي . فالإنسان هو الذي يفعل الأسباب بتمكين من الله تعالى له :
    « ولقد مَكنَّاكُم في الأرض » الأعراف - 10 - .
    والله تعالى هو الذي يخلق النتائج ، لأن الإنسان لا قدرة له على خلق النتائج ، وإنما مجال الإنسان يتمركز في الاستفادة من السنن الموضوعة .
    ويمكن أن نفهم هذا الموضوع بوضوح في قوله تعالى :
    « أفرأيتم ما تُمْنُوْنَ أَأَنْتُم تخلقونه أم نحن الخالقون ؟ .. أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أن نحن الزارعون ؟ » الواقعة - 64 .
    هنا أثبت الله للإنسان عملاً ، وأثبت لذاته خلقاً ، ولكن هذا لا يتم إلا إذا عمل الإنسان ما يخصه من العمل مهما كان تافهاً .
    « أفرأيتم ما تُمْنُوْنَ » إن الإنسان يقوم بهذا ، ولكن ليس هو الذي يخلق ، ولا هو الذي وضع السنن ، والذي يقوم به الإنسان شيء بسيط ولكن الله تعالى يحدث هذه النتيجة - من الخلق العجيب - من ذاك العمل البسيط .
    « فتبارك الله أحسن الخالقين » المؤمنون - 14 - .
    وهذا مثال مقرب في التمييز بين عمل الإنسان وخلق الله . وكذلك الزرع ، فإن الإنسان يغرس ولكن سنة الإنبات ، وسنَّة صنع الثمار ليست من قدرة البشر ، وإنما يقوم الإنسان هنا أيضاً - كما في كل الأمور التي يقوم بها - بعمل بسيط جداً مثل غرس النبات ، والله بعد ذلك هو الذي يخلق تلك النتائج البديعة . فهذا مثل قرآني قريب واضح لكل واحد من الناس ، ويمكن لأبسط إنسان أن يمارسه لأنه يقع تحت ملاحظته . وهذا المثل القرآني يُطمئِنُ قلب المؤمن إلى صدق هذه القاعدة ، ذات الأهمية البالغة فيما أنيط بالإنسان من أمانة ومسؤولية في مصيره كمجتمع في الدنيا ، وفي مصيره كفرد في الآخرة .
    وبعد هذا نقول : إن ما ورد في القرآن من حديث عن التغيرات الاجتماعية التي تقع للمجتمعات ، لا يذكر الله دائماً في كل موضع التغييرين ، وإنما شأن القرآن أن يذكر أحياناً التغييرين معاً كما في هذه الآية :
    « إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم » .
    وآيات أخرى كثيرة مبثوثة في القرآن مثل قوله تعالى :
    « فبما نَقْضِهم مِيثاقَهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية » المائدة - 13 - . شيء أحدثوه في نفوسهم من الاستخفاف بالميثاق فنتج عن ذلك أن جعل الله قلوبهم قاسية .
    وكذلك قوله تعالى :
    « فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم » الصف - 5 - .
    ففي هذه الآيات جمع الله بين عمل القوم وما خلق الله فيهم نتيجة ذلك . ولكن قد يرد في القرآن أحياناً ذكر أحد التغييرين دون الآخر ، سواء كان المذكور التغيير الذي يخلقه الله ، أو التغيير الذي يحدثه القوم ، ويفهم من ذلك ضمناً التغييران معاً إذ الترابط بينهما واضح . فمثلاً في قوله تعالى :
    « والله لا يهدي القوم الظالمين » البقرة - 258 - .
    في هذه الآية ذُكر التغييران ، التغيير الذي يخلقه الله تعالى من عدم الهداية ، والتغيير الذي يحدثه القوم من نظراتهم التي تُهوِّن عليهم ارتكاب الظلم ؛ أي أن الله لا يغير ما بقوم من الضلال ، حتى يغير القوم ما بهم من الظلم ، أو ما بأنفسهم من الظنون والأفكار التي تسهل عليهم ارتكاب الظلم .
    والذي يريد أن يجعل من هذا القاعدة القرآنية ، قاعدة مطردة ، عليه أن يستحضر دائماً - وخاصة حين يكون الحديث عن المجتمعات وما يحدث لها - تَضمن التغييرين في كل موطن يتوهم فيه الاقتصار على أحدهما .
    فإذا جاءت آية تقول : إن الله أنعم على قوم ، وأعزهم ونصرهم ورزقهم من الطيبات ، فمعنى ذلك أن عند هؤلاء الأقوام في أنفسهم ما يوجب ذلك ، وكذلك الأمر بالنسبة لما يحيق بالبشر من النقم ، وما ينزل عليهم من المصائب فلا ينزل شيء إلا بإذن الله ، وإلا بما كسبت أيدي الناس .
    وهذا الاستحضار الذي حرصنا عليه ، هو نفس ما دعا إليه وفعله ابن كثير في تفسير قوله تعالى :
    « ختم الله على قلوبهم ، وعلى سمعهم ، وعلى أبصارهم غشاوة » البقرة - 7 - .
    فسرَّ ألنُ كثير الخَتْمَ : بالطبع نقلا عن السُدِّي ثم قال : وقال ابن جرير وقال بعضهم : إنما معنى قوله تعالى : « ختم الله على قلوبهم » إخبار من الله عن تكبرهم وإعراضهم عن الاستماع لما دُعُوا إليه من الحق . كما يقال : إن فلاناً أصم عن هذا الكلام ، إذا امتنع عن سماعه ورفع نفسه عن تفهمه تكبراً . وقال ابن جرير : وهذا لا يصح لان الله تعالى قد أخبر أنه هو الذي ختم على قلوبهم وأسماعهم . قلت : - يعني ابن كثير نفسه - وقد أطنب الزمخشري في تقرير ما ردَّه ألن جرير هنا . وتأول الآية من خمسة أوجه وكلها ضعيفةٌ جداً ، وما جرَّأه على ذلك إلا اعتزاله ، لأن الختم على قلوبهم ومنعها من وصول الحق إليها قبيحٌ عنده ، يتعالى الله عنه في اعتقاده . ولو فهم قوله تعالى : « فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم » الصف - 5 - .
    « ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ، ونذرهم في طغيانهم يعمهون » الأنعام - 110 - .
    وما أشبه ذلك من الآيات الكريمات الدالة على أنه تعالى إنما ختم على قلوبهم ، وحال بينهم وبين الهدى ، جزاءً وفاقاً على تماديهم في الباطل وتركهم الحقَّ ، وهذا عدلٌ منه تعالى وحَسَنٌ ، وليس بقبيح . فلو أحاط علماً بهذا لما قال ما قال ، والله أعلم .
    وقال القرطبي : « وأجمعت الأمة على أن الله تعالى قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازة لكفرهم … » .
    وهذا التحليل الذي رد به ابن كثير على الزمخشري ، يُقررُ بوضوح القاعدة التي نريد أن نثبتها هنا ، من أن الختم الذي هو من عمل الله ، نتيجة طبيعية للزيغ والكفر ، الذي فعله الإنسان بناء على ما بنفسه . وعلينا أن نتذكر هذه العلاقة في كل موطن .
    وكما أن القرآن أحياناً أخرى يذكر عمل الله وعمل القوم معاً وبوضوح وتفصيل ، فهو أحياناً أخرى يقتصر على أحدهما ، على أساس أنه يستلزم حدوث الآخر ضمناً ، وهذا ما ذكره ابن كثير ، حيث أن هذه الآية اقتصرت على ذكر عمل الله في الظاهر . لهذا استشهد بآيات أخر ذُكر فيها العَمَلانِ بالتفصيل .
    ومن الآيات التي توقع في شبهات كبيرة - وذلك حين يَغْفُلُ الإنسان المسلم ، عن هذه العلاقة بين تغيير الله وتغيير القوم - قوله تعالى :
    « قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء ، وتنزع الملك ممن تشاء ، وتعز من تشاء ، وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير » آل عمران - 26 - .
    ففي هذه الآية لم يذكر الله إلا إيتاء الملك ونزع الملك ، وإيتاء العزة وإنزال الذل ، وقد ربط هذه الأمور بالمشيئة دون أن يذكر عمل الإنسان . ولكن مشيئة الله ليس لنا أن نحددها نحن ، وإنما الله سبحانه وتعالى هو الذي يحدد ذلك فهو يقول :
    « وما تشاؤون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً ، يدخل من يشاء في رحمته ، والظالمين أعد لهم عذاباً أليماً » الإنسان - 31 - إنه يدخل من يشاء في رحمته ، ولكن الظالمين أعد لهم عذاباً أليماً .
    فإذا حاول البعض أن يفسر مشيئة الله كما يريد هو ، يُردُّ عليه بأن هذه المشيئة ؛ هي المشيئة التي على أساسها وضع الله سنة الاجتماع البشري في قوله تعالى : « إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم » والتزام هذه القاعدة ، ورد المسلمين إليها ، أمرٌ جوهري في عملية التغيير .
    كما أن من المفيد أيضاً في هذا الموضوع ، تفهم القاعدة التي يقررها ابن تيمية كثيراً ، من أن مشيئة الله قسمان :
    1- مشيئة كونية .
    2- ومشيئة شرعية .
    فالمرض مشيئة كونية يمكن للإنسان أن يبطلها لاتخاذ الأسباب .
    والزكاة مشيئة شرعية ولا يجوز مخالفتها أو التحايل عليها .
    ومن الخطأ البالغ ، أن يُظن أن الله يؤتي المُلك لقوم لم يهيئوا أنفسهم لذلك ، كما أن العزة والذلة لا يوزعها الله جُزافاً . والخطأ في الموضوع منشؤه ؛ ظن أن الله مثل طغاة البشر - حتى ليس مثل عادليهم - يوزع ملكه كما يفعل الظالمون .
    تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً . بل الله أحكم الحاكمين . وإظهارُ هذه الحِكْمة واجب الذين أُخذ منهم الميثاقُ حين آتاهم الكتاب أن يبينوه للناس ولا يكتمونه .
    وكما قال ابن كثير عن الزمخشري لو أنه تذكر قوله تعالى : « فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم » الصف - 5 - لما وقع في هذه المشكلة . كذلك المسلمون ، الذين يقعون في رؤية مشكلة المشيئة مبتورة ، ولو أنهم رجعوا إلى السنن التي وضعها الله تعالى في قوله :
    « إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم » الرعد - 11 - بشمولها وإحاطتها ، لكان عصمةً لهم من الزيغ ، في نسبة الفوضى وعدم المعقولية إلى الله ، حين يقفون حيارى في تفسير الأحداث . ولا يغرنك منهم تنزيه الله عن النقص ، إذ أن الموضوع مشوش في أذهانهم .
    ومشيئة الله هي ؛ تمكين الناس من تزكية أنفسهم وتدسيتها ، وليس تمكينهم من أحدهما فقط . وقد يأتي على الإنسان وقت يفقد فيه هذه القدرة ، بعد أن يفسدها ، فيطبع الله على قلبه ، ويعجز عن العودة والاهتداء ، فيحق عليه قوله تعالى : « ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا » الكهف - 17 - .
    وهذا المعنى هو محتوى خاتمة آية التغيير في قوله تعالى :
    « وإذا أراد الله بقوم سُوءاً فلا مَرَدَّ له وما لهم من دونه من والٍ » الرعد - 11 - .
    وهذا واضح في حديث الفتنة التي تعرض على القلوب كالحصير عوداً عوداً . إذ يكون الإنسان في البدء قادراً على التزكية والتدسية ، ولكن بعد أن تفسد فطرته ، قد يعجز عن أن يملك دائماً تلك الحرية والقدرة على الاختيار التي كان يملكها . وصيرورة هذا الإنسان على هذا الشكل ، إنما بسعيه ، وليس لأن الله فرض ذلك عليه ابتداء .
    قلنا فيما سبق ؛ إن الله يخلق الصفات في المادة . ونُكَمِّلُ الموضوع الآن ، بأن نبين أن الله يخلقُ الأفعال من الأفكار . فالأفكار المشوشة تتولد منها أفعالٌُ هزيلةٌ مبتورة ، ويمكن أن نرى مثالاً واقعياً على هذا في واقع المسلمين الذين طال عليهم الأمد .
    فمن تمكن من معرفة الخواص التي يخلقها الله تعالى في المواد ، يمكنه أن يسيطر عليها . كذلك من تمكن من معرفة الأفعال التي يخلقها الله تعالى مما بالأنفس ، يمكن له أن يسيطر على المجتمع . وفي الحقيقة تعتبر هذه النقطة من اعظم ما جاء به الأنبياء ، ونزلت من اجله الكتب ، وأمر من أجله بالاعتبار بسير الماضين ، والنظر إلى الأنفس . وما لم يرجع إلى المسلمين هذا العلمُ ، وهذا الفهمُ ، فستظل أعمالهم تسيطر عليها الفوضى والتدابر مع القلق والحيرة .
    مفهوم التغير عند الآخرين
    بحثنا في فصول هذا الكتاب ، فكرة التغيير مستهدين بهداية الآية الكريمة :
    « إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم » الرعد – 11 - .
    وبيَّنَّا التغيير الذي يحدثه الله في خلق النتائج ، والتغيير الذي يقوم به البشر في تهيئة الأسباب ، والتعامل معها ، وضربنا لذلك مثل خلق الإنسان ، وزرع النبات ، وفي مجال سلوك الإنسان طبَّقنا هذه القاعدة بالتفصيل ، كيف يتغير سلوك الإنسان حسب ما في نفسه ، كما بحثنا إمكانية تغيير ما بالنفس وأنها من مهمة البشر .كما بينا أن التغيير الوارد في القرآن ، سنة عامة لكافة البشر ، كما أنها سنة اجتماعية لا سنة فردية على عمومها ، كما سنبين تفاوت ما بالنفس في الرسوخ وما يترتب على ذلك ، وكذلك خضوع بعض سلوك الإنسان إلى فكر راسخ غير متذَّكر … الخ .
    وموضوع تغيير المجتمعات له مقام الصدارة في بحوث هذا العصر . ويعتبر الشيوعيون أنفسهم أنهم أبو عُذرة هذه الفكرة ، وعلى أساسها يطلقون على أنفسهم مفهوم التقدمية ويَعِيْبُون فَهم كُل البشرية بأنه ميتافيزيقي رجعي طوباوي ، معتبرين أن غيرهم يسلب نفسه القدرة على تغيير التاريخ .
    وقد لخصوا تاريخ المعرفة البشرية في مقدمة الديالكتيك ، واعتبروا ، أن ماركس وانجلس بيَّنا : أن الفلاسفة فسروا العالم بينما المهم تغييره .
    وفي كتاب « الناس والعلم والمجتمع » الذي ألفه ستة من علماء الروس ، جاء في هذا لكتاب جواب عن التساؤل التالي : « ما هو دور الناس في مجرى التاريخ ؟ فهل الضرورة (الحتمية) التاريخية شبيهة بقدر الآلهة ، ففيم العمل إذن ؟ وهل أحدنا يناضل لكي يأتي الربيع والصيف ؟ إن قانون التاريخ غير قانون الطبيعة ، حيث تشق الطريق بواسطة نشاط الناس . وقوانين التاريخ لا تعمل أتوماتيكياً ، وأن الناس هم الذين يصنعون تاريخهم بنشاط الناس الذين يعون بدرجة متفاوتة من الوضوح حاجات التطور الاجتماعي المختمرة … » صفحة 69 . وفي صفحة 87 من نفس الكتاب : « إن الماركسية بكشفها عن قوانين التطور الاجتماعي ، وإعطائها صورة علمية عن العالم تحولت إلى سلاحٍ روحي للبروليتاريا » .
    وفي الديالكتيك : « في المزية الثالثة للفلسفة الماركسية : كما أمكن معرفةُ قوانين تطور الطبيعة ، يمكن معرفة قوانين تطور المجتمع ، ولها دلالة موضوعية . وبالتالي رغم تعقد حوادث الحياة الاجتماعية وتشابكها من الممكن أن يصبح علماً فيه من الدقة ما في البيولوجيا . وقادراً على استخدام قوانين التطور الاجتماعي في تطبيقات علمية ، وبالتالي تصبح الاشتراكية علماً »(1) .
    هذه الميزة التي رأوها لأنفسهم . وجدوها حجة كافية انبذ كل فكرة إيمانية على الإطلاق كما قالوا في الديالكتيك : « إذا كانت الطبيعة هي وحدها القادرة على إعطائنا الحقيقة الموضوعية ، أصبح من الواجب نبذ كل نظريةٍ إيمانية على الإطلاق » .
    وإذا تذكرنا ما سبق أن ذكرناه ، من أننا حين نتعلم كيف نقرأ آيات الله في الآفاق والأنفس ، لم يعد هناك ما يجعلنا نخاف على آيات الله في الكتاب ، لأن آيات الآفاق والأنفس ستبين أن آيات الكتاب هي الحق .
    وكذلك إذا تذكرنا أن علينا أن لا نبخس الناس أشياءهم ، وأن الحكمة لا تضر من أي وعاء خرجت ، فإن الاعتراف بجانب الصواب الذي في النظرية الماركسية لا يضرنا شيئاً . ولكن رفضنا جانب الصواب بسبب جانب الكفر الذي عندهم لا نكون مصيبين .
    وحين يقول الماركسي : إن دراسة التاريخ الاجتماعي أصبحت علماً ، ينبغي أن لا نقول له أخطأت ، بل نقول له هذا حق ، وإذا اعتبر أن مظاهر الطبيعة قادرة على إعطائنا حقائق موضوعية ، علينا أن نراه تقريراً بأن آيات الآفاق تعطي حقائق موضوعية . ونزيدُ له أيضاً بأن آيات الأنفس كذلك تعطي حقائق موضوعية .
    ولكن حين يصل من أقواله هذه إلى القول بأنه : « أصبح بناءً على ذلك . من الواجب نبذ كل نظرية إيمانية على الإطلاق » .
    هنا نقول له : إن هذه النتيجة من تلك المقدمة ، هي الفكرة الطوباوية الناشئة عن الكراهية والعاطفة ، لا عن الدراسة الموضوعية .
    والواقع أن الأمر كما قال العقاد : عن مؤمني وملاحدة القرن السابع عشر من أن كلا الطرفين كانا يصلان من مقدمة واحدة إلى نتيجة واحدة ؛ المقدمة هي : إذا ثبت أن الأرض تدور . النتيجة : لم تعد حاجة إلى الله .
    كان كلا الفريقين : الملحد والمسيحي يصلان إلى هذه النتيجة من تلك المقدمة . ولكن لم يكن يخطر في بال الطرفين إمكان أن تدورُ الأرض ولا يلزمُ من ذلك نفيُ الإيمان .
    وكذلك الأمر الآن في النظرية الماركسية ، من إثبات سنن الاجتماع ، فإذا اهتدوا إلى سنن وآيات في سير المجتمعات ، كم اهتدى قبلهم علماءُ الفلك إلى سُنن سَير الأجرام ، فإن ذلك لا علاقة له بنفي الإيمان . كما قال أبو حامدٍ الغزَّاليُّ في كتابه المنقذُ من الضلال :
    « فإذا عَلٍمْتُ أن العشرة أكثرُ من الثلاثة . فلو قال لي قائل : لا بل الثلاثةُ أكثرُ بدليل أني أقبلُ هذه العصا ثعبانا ، وقلبها وشاهدت ذلك منه ، لم أشكّ بسببه في معرفتي ، ولم يحصل لي منه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه ، فأما الشك فيما علمته فلا » .
    وكذلك اليوم حين تبرز الأدلة على إمكان تغيير المجتمع باتخاذ الأساليب العلمية ، ويصلون من ذلك إلى نفي الإيمان ، علينا أن لا يثيرنا هذا …….. ولكن علينا أن نتأمل السنن التي يستخدمونها في تسخير المجتمع لهدفهم الذي اتخذوه . ونحن في هذه الحالة نكون حصلنا المناعة الني نحن في حاجة إليها ..
    ولكن قبل هذا وذاك علينا أن نتعلم كيف نتعامل مع آيات الله في الآفاق والأنفس . وبدون هذا فسنظل نَعْمَهُ في غيِّنا . ونتنازع في : هل هو ملكٌ أو شيطانٌ ؟
    علم النفس الفردي والاجتماعي
    نحن نسمع عن علم النفس وعلم الاجتماع ، ولكن عندما نريد أن نتعامل مع الواقع فسنلمس أموراً تختلف عن الأمر النظري المجرد ، إذ لا نجد حدوداً واضحة تفصلهما .
    ففي الواقع لا نجد علم النفس الفردي ، لأن هذا الفرد المنعزل الذي لا يتصل بأحد ولا يختلط به أحد أيضاً ، غير موجود في الواقع ، ولو وُجد هذا الفردُ المنعزلُ لكان أقرب إلى التوحش منه إلى الآدمية ، لأن الذي يُخرجُ الإنسان من التوحش إلى الآدمية هو : اكتسابه للخبرات منذ نشأته وهو طفل ، ومنذ نشأة المجتمع ، وهو بعد لا يجد في نفسه الدافع إلى ستر عورته ، فتجمعت لديه خِبراتُُ الأجيال وتراث النبوات . فالناشئ لا ينشأ في فراغ بل مع تراث طويل العمر معقد .
    ولكنهم حين يقولون علم النفس ، فإنهم يبحثون عن استعداد الإنسان الفرد لتلقي مفاهيمه من المحيط والتكيف معه . وهذه الاستعدادات كلها لا تجدي شيئاً خارج المجتمع .
    وليس هناك علم نفس فردي كحقيقة واقعة ما دام استمرار الجنس البشري لا يتم إلا بالتزاوج ، والحياة الاجتماعية تتدرج لدى الكائنات الحية على حسب رقيها . فالسلحفاة تضع البيض ولا صلة لها بعد ذلك بصغارها فهي لا تحضن البيض ولا ترعى الصغار … والطير ترقد على البيض وترعى الصغار والحيوانات اللبونة تكتسب صغارها الخبرة من آبائها بالعشرة . (وهذا التدريب الذي يمارسه الوَلُوْدُ الحادبُ على أولاده ، قد أثار في العالم استمراراً جديداً للوعي ، ولم يُقدر الإنسان قيمة هذه الفكرة إلا في العصر الحاضر)(1) .
    فغريزة الحنو والحدب عند الحيوان والإنسان ، تشكل مطلق الحياة الاجتماعية وهي ترتقي عند الإنسان لتصل إلى مرحلة الإيثار ، والتي هي أساس الحياة الاجتماعية الراقية « ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة » الحشر – 9 - .
    والإنسان أطول المخلوقات حضانة ، ويمتص في طفولته تراث الأجيال . ومن هنا كانت مرحلة الطفولة ذات أهمية بالغة في التكيف مع نمط معين من الحياة الاجتماعية ، بقيمها وتقاليدها ، ذلك أن أثر البيئة شديد على تكوين الإنسان . وهذا هو ما يشير إليه حديث : « كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه » فالمجتمع هو الذي يعطي للفرد الذي ينشأ فيه قيمة وموازينه .
    والاهتداء إلى السنن والقوانين ، التي تَدْمِجُ الرفد بالمجتمع يجعل للإنسان سلطاناً على صنع المجتمع ، وصياغة الفرد الذي ينشأ فيه . كما يُحقق المجتمع بهذه السنن حالة الـ (نحنُ) ، أي شعور الفرد بالكيان الاجتماعي الذي يندمج فيه . وبالرغم من اختلاف هذه الكيانات في أشكالها ، فإن سننها واحدة .
    وقد أشرنا فيما سبق إلى عمومية السنة التي تخضع لها المجتمعات أو الأقوام ، مع إمكان اختلافها في الأشكال والنماذج .
    وقد قال لفين 1943 : « يجب ألا تفت في عَضُدنا تلك الصعابُ التي تعترض سبيلنا . والرأي عندي أن علماء النفس الاجتماعيين لهم الحق في أن يثقوا ويفخروا ، إلى حد ما ، بما تم في السنوات الأخيرة . فمن منا كان يجرؤ أن يتنبأ منذ بضع سنوات أننا سوف نستطيع ذات يوم أن نقيس الأجواء الاجتماعية ، ونقيس الزعماء وندربهم ، وندرس توترات الجماعة ، وعمليات التصحيح الجماعية كما هي الحال الآن »(1) .
    إن إدراك أثر الاشتراك في العبادة واللباس والتحية الموحدة في تكوين الشعور بالوحدة الاجتماعية ، إن هذا الإدراك يدخل هذه الأعمال تحت ضوء جديد ، ويرفع من قيمة أدائها ، ويبعث فيها حيوية جديدة .
    وعلم الاجتماع ككل علم ، سواء كان الفلك أو التاريخ الطبيعي أو البيولوجي ، أول ما يبرز في صورة تعارض الإيمان ، كما هو واضح فيما حدث حول الفلك وكذلك حدث لعلم الاجتماع وعلم النفس .
    ولقد عشت هذه الظاهرة أيضاً ، فيما يخص علم النفس والاجتماع ، إذ كان يدرسنا هذا العلم في أواسط الخمسينات في الأزهر أستاذ ذو اختصاص . ولست أدري كيف أعبر عن مقدار الفتور ، إن لم أقل النفور الذي كنا نتبادله ، إذ لم تكن لديه القدرة على أن يرينا الموضوع أنه آيات الله في الآفاق والأنفس التي تشهد لآيات الكتاب أنه الحق . وكنا أعجز منه في إيجاد هذه العلاقة بين هذا العلم وبين الدين .
    ومجيء العلوم في هذه العصور على هذه الصورة المعرضة عن الإيمان ، أو في صورة المُعارضَةِ للإيمان ، كان عقبة في سبيل الاستفادة منها في الوقت المناسب .
    وما لم يتقدم أهل الرأي والخبرة عند المسلمين لإزالة شبهة التعارض هذه – بين أي علم حق وبين الإيمان – فإن الهوة تبقى بعيدة بين المسلمين وبين الاستفادة الكاملة من هذه العلوم .
    ومن العوارض الخاصة بالنسبة لهذا العلم ، ما اقترن به في بدئه من اسم فرويد ، والمدرسة التي حاولت أن تفسر علم النفس حول محور دافع غريزة الجنس ، وكذا فجاجة الكتب ، وأسلوب تناولهم إما بشكل لا صلة له بالدين والإيمان ، أو بشكل يُفهمُ منه أنه يُعارضُ أحكام الدين والإيمان . وبهذا يظل الموضوع فاقداً الصلة التي تُخرجُ هذا العلم النافع من غابة التوحش التي حشر فيها .
    إن هذا العلم لا يزال في توحشه ولم يستأنس بعد عند المسلمين ، حتى يسخروه لتغيير ما بأنفسهم ، ولكشف ما ينبغي أن يغيروا مما بأنفسهم .
    كل هذه الملابسات أطالت الوقت الذي كان يمكن أن يختصر ، وأبقت الحق ملتبساُ بالباطل ، عن قصد من البعض ودون قصد من البعض الآخر . وكلما بُحثت هذه المشكلة أتذكر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : « أنه كان في المدينة فزع ، فركب النبي صلى الله عليه وسلم ثم خرج يركض وحده ، فركب الناس يركضون خلفه ، فاستقبلهم وهو يقول لهم : لم تراعوا لم تراعوا …» . وبوب البخاري لهذا الحديث عدة أبواب منها : مبادرة الإمام عند الفزع ، والخروج في الفزع وحده ، والسرعة والركض في الفزع الخ ….
    إن كان الفزع العسكري ، يقتضي السرعة والفزع والخروج للاستبراء للناس ، فإن الغارة الثقافية ، والفزع الثقافي ، تستوجب على أهل العلم أن يكونوا أولى الناس بالخروج إليها مسرعين راكضين حتى يعودوا للناس بحقيقة الخبر ، وبجلاء الفزع . هذا وإن المفاجأة ، في الغزو الثقافي تترك وراءها من الخسائر في الأرواح ، وما يتبع ذلك من فقدان كل غال ورخيص ، أكثر مما يتركه أي غاز فاتح . بل إن أثر الغزو الثقافي أبقى على مر الزمن .
    وقبل أن أختم هذا الحديث ، لاسيما وقد ذكرت قصة الأستاذ الذي درسنا علم النفس والاجتماع ، والذي جاء يبلبل الفكر على نفسه وعلى غيره ، كما فعل الوليد بن عقبة والذي نزل فيه قوله تعالى :
    « يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا … » الحجرات – 6- . أرى عليَّ أن أذكر الشيخ محمد عرفة حيث كان في محاضراته ، يحثنا على دراسة علم النفس ، كوصية يريد أن يودع فيها كل اهتمامه للشباب الذين كانوا يتلقون عنه ، وإني أذكر له هذه الوصية كلما كان البحث في مشكلة تخلف المسلمين . وكان يذكرنا أن حل مشكلة « تخلف المسلمين » لن يتم إلا إذا تمت السيطرة على سنن تغيير ما بالأنفس .
    كما علي أن أذكر أن لمالك بن نبي مقالاً في كتابه (في مهب المعركة) عن الأفكار الميتة والقاتلة ، أبدع فيه في تحليل العوامل السلبية التي يعانيها المسلم عند اتصاله بعالم الثقافات .
    العلاقة
    بين سلوك الإنسان وما بنفسه
    هنا نستطيع أن نقول إن سلوك الإنسان وأفعاله من عمل الله ، ومن خلق الله ، وهذا القول ليس دعماً لما يسبق إلى الفهم من قوله تعالى :
    « خلقكم وما تعلمون » الصافات – 96 - .
    وما يُذكر حوله من نقاش في علم الكلام ، فيما إذا كان الله يخلق أفعال العباد . ولكن الموضوع الذي نبحثه هو أن سلوك الإنسان أثر ونتيجة . وقد قررنا سابقاً أن نتائج الأسباب إنما يخلقها الله تعالى مباشراً لا دخل فيه لأحد :
    « يخلق ما يشاء ويختار ، ما كان لهم الخيرة » القصص – 68 - .
    إلا أن علينا هنا نأخذ بعين الاعتبار ما أثبته الله للبشر من قدرة على تغيير ما بالأنفس ، وهذا الذي بالأنفس والذي تنتُجُ عنه الأفعال ، هو ما يخضع لسلطان البشر .
    ومن الملاحظ أنه لا توجد ثمة علاقة بين السبب والنتيجة عقلاً ، وإنما المشاهدة هي التي تقر هذه العلاقة . فمثلاً رأينا أن (كذا) ترتب على (كذا) فآمنا به ، أما لم ترتب هذا على هذا أو على ذاك بالذات دون غيره ؟ فذلك لا طاقة لنا به . ولكن الذي لنا فيه طاقة هو – وذلك بعد أن نعلم أن عمل كذا ، أو حادثة كذا ترتب على كذا سبب من الأسباب – أن نتعامل مع هذه العلاقة بحيث نوجهها الوجهة التي تنفعنا ، ولا ندعها تأخذ الوجهة التي نتضرر منها .
    ومن الناسب هنا أن نعود إلى ما سبق أن ذكرناه ، من أمثلة خلق الإنسان ، ونبات الزرع … إن الإنسان يفعل سبباً معيناً ينتج منه خَلقٌ من الله ، كخلق الإنسان ، وثمرة الزرع . كذلك فإن الأفكار التي نضعها في الأنفس ، يخلق الله منها أفعالاً . فكما أن لنا قدرة على زرع الأرض زيتوناً ورماناً أو عنباً …. فكذلك لنا قدرة على وضع الأفكار في النفس ، والتي تُنتج كلٌ منها عملاً أو سلوكاً معيناً ، كما تثمر كل شجرة ثمراً معيناً . فنحن لنا قدرة زرع ما نشاء من الثمار ، ولكن ليس لنا القدرة على أن نجعل شجرة النخيل تثمر بطيخاً ، وكذلك الأفكار .
    مثال : إن الله تعالى خلق بعض الأجسام ناقلاً للكهرباء ، وبعضها عازلاً . وليس مجال البحث هنا لم جعل الله هذه المادة بعينها تنقل دون تلك التي لا تنقل ؟ وإنما البحث هو كيف نستفيد من هذه الصفة للتحكم في الكهرباء .
    وكذلك الأمر بالنسبة لأعمال الإنسان ليس السؤال المجدي : لم ترتب كذا عمل على كذا فكرة ؟ ولكن المجدي هو أن نسأل كيف نرفع كذا فكرة تُنتجُ كذا عملاً وكيف نضع كذا فكرة في الأنفس لتنتج كذا عملاً . وهذا الذي جعل الله لنا سلطاناً عليه . ولهذا صار الإنسان مسؤولاً عن أعماله .
    وبعد هذا نقول : إن سلوك الإنسان وتصرفاته نتيجة لأفكاره ، وبتعبير أدق لما بنفسه ، فإذا تغير ما بنفس الإنسان سواء كان بجهده ، أو بجهد غيره ، فإن سلوكه لا محالة يتغير . وهذا التغيير يمكن أن يصل إلى درجة النقيض ، كأن يتحول الإقدام إلى إحجام ، أو السرور إلى أحزان ، أو أن الإقدام يتحول إلى نوع من الفتور .
    فإذا رأينا نتائج أعمال المسلمين تعاكس مصالحهم ،فإن ما بأنفسهم عن الموضوع خاطئ ، وينبغي أن يتغير ما بأنفسهم حتى تتغير أعمالهم ، وإذا رأيناهم مترددين في موقفهم تجاه أمر ، فإن ذلك يرجع إلى ما بأنفسهم عن هذا لأمر من القناعة بعدم جدواه ، أو بعدم إمكان الوصول إليه …
    مثال أول :
    يحكى أن عملاقاً بلغ من القوة ما يدهش ويحير ، وطبقت شهرته الآفاق ، وترامت أنباؤه حتى وصلت إلى عملاق آخر في بلد قريب ، فأحب أن يتعرف على ذلك الذي يتحدث عنه الناس ، فأرسل إليه رسالة لطيفة يطلب وده ويعرض صداقته ، ولكن خاب ظنه حين جاءه الجواب القاسي ينهاه عن التطاول فوق مرتبته …..
    فصمم على الانتقام لشرفه من هذا المغرور الذي أساء الأدب في رده . فخرج يسعى إليه حتى وصل إلى مشارف أرضه . ولما سمع المغرور وقع أقدام خصمه تهز الأرض خارت قواه وتغير لونه ، وأدركت امرأته حاله ، فأشارت عليه أن يندس في الفراش ، وألقت عليه دثاراً … ولما وصل الخصم الهائج سألها عن الوقح المغرور الذي لا يعرف قدر الناس ، حتى يعرفه نفسه ، ويعلمه كيف يكون جواب الناس .. فطلبت منه ألا يرفع صوته حتى لا يوقظ الطفل النائم ، وأشارت إلى قدميه وقد برزتا من تحت الدثار . فلما رآهما ، هذا الذي ما عرف قلبه الخوف ، صمت قليلاً كأنما ألقي عليه دلو من الماء البارد ، ثم قال في نفسه :
    طفل … ؟ ! فكيف يكون الأب إذاً … ؟ ! ثم أطلق ساقيه للريح عائداً من حيث أتى .
    حين نسمع هذه الأسطورة قد نعرف أنها أسطورة ، ولكن مع ذلك نتفاعل مع أحداثها لأن أحداثها خاضعة لسنن نفسية . هذه الأسطورة مخترعة ، ولكن هذا الاختراع يدل على المفاهيم التي في نفس مخترعها ، سواء كانت قيم هذه المفاهيم سامية أو وضيعة . فبدلاً من أن تُبرز القصة أو الأسطورة خنوع الإنسان للقوة ، كان يمكن أن تبرز استعلاء الإنسان بالحق ، كما في قصة السحرة مع فرعون كيف أنهم كانوا يقولون في أول النهار :
    « بعزة فرعون إنَّا لنحن الغالبون » الشعراء – 44 .
    حتى إذا أتى عليهم المساء رأيتهم يواجهون طاغية الدنيا بقولهم :
    « لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا ، فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا » طه – 72 .
    فالقصة التي ذكرناها تبين الدافع الخلقي لمل بالنفس عند المجتمع ، الذي من تراثه هذه القصة ، فتبرز روح الاستكبار في مواقف القوة ، وروح الخنوع عند الضعف إذ هما متلازمان . أن المستكبر حين يفقد القوة يذل ، والإنسان الحق لا يستكبر عندما يملك القوة ، ولا يذل عندما يفقدها .
    وإذا تذكرنا قصة النبي يوسف عليه السلام ، نجد فيها مغزى رائعاً حيث يمثل الإنسان الذي يملك القوة أمام سلطان الشهوة ، بينما الكتب القصصية في الحضارات الأخرى تدور حول الإنسان الذي تعصف غرائزه بإرادته .
    لندع هذا ولننظر إلى سلوك الإنسان في الأسطورة التي ذكرناها . إذ المهم في الموضوع : هو خضوع سلوك الإنسان لما بنفسه مهما كان هذا الذي بالنفس . إن الشجاعة والجبن ، والإقدام والهزيمة ، كل هذا يتعلق بما بالنفس ، فإذا تغير ما بالنفس يتغير حالاً سلوك الإنسان ، ولا يعود يملك سيطرة على قواه ، ويخضع خضوعاً مطلقاً لسلطان ما حل بنفسه . فمن يملك القدرة على تغيير ما بالنفس يملك أن يغير ما بالقوم .
    ففي الأسطورة غيرت المرأة بذكائها ما بنفس العملاق ، فتغير وضعه حالاً ، كأنما حدث كبس على زر ، فإذا المروحة دائرة ، وإذا الرَّجُلُ يرتجف وهكذا … ويمكن أن يشاهد مثل ذلك في سلوك العالم الإسلامي في كثير من تصرفاته …
    ولنذكر حادثة أخرى ولكنها واقعية إذ هي من السيرة النبوية الشريفة ، لتعطينا مثالاً حياً عن سلطان الإنسان الذي يملك القدرة على تغيير ما بالأنفس ، فإذا ما بالأقوام يتغير حالاً .
    مثال آخر :
    قال ابن قَيِّم الجوزيَّة في زاد المعاد ، في حديثه عن غزوة الخندق :
    « ثم إن الله عز وجل ، وله الحمد ، صنع أمراً من عنده خذل بع العدوَّ ، وهزم جموعهم وفلَّ حَدَّهُم . فكأن مما هيأ من ذلك ، أن رجلاً من غطفان يقال له نُعيمُ بن مسعود بن عامر رضي الله عنه ، جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله إني أسلمت فمرني بما شئت . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لإنما أنت رجل واحد فخذل عنَّا ما استطعت فإن الحرب خَدْعةٌ . فذهب من فوره إلى بني قريظة ، وكان عشيراً لهم في الجاهلية ، فدخل عليهم وهم لا يعلمون بإسلامه فقال : يا بني قُريظة إنكم قد حاربتم محمداً ، وإن قريشاً إن أصابوا فرصة انتهزوها ، وإلا استمروا إلى بلادهم راجعين وتركوكم ومحمداً فانتقم منكم . قالوا : فما العمل يا نُعيم ؟ قال : لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن . قالوا : لقد أشرت بالرأي . ثم مضى على وجهه إلى قريش وقال لهم : تعلمون ودي لكم ونصحي لكم قالوا : نعم : إن اليهود قد ندموا على كان منهم ، من نقض عهد محمد وأصحابه ، وإنهم راسلوه ، أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه ، ثم يوالونه عليكم فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم . ثم ذهب إلى غطفان فقال لهم مل ذلك . فلما كان ليلة السبت من شوال ، بعثوا إلى يهود : إنَّا لسنا بأرض مُقام ، وقد هلك الكُراع والخُفُّ فانهضوا بنا حتى نُنَاجزَ محمدا . فأرسل إليهم يهود : إن اليوم يوم سبت ، وقد علمتم ما أصاب من قبلنا حين أحدثوا فيه ، ومع هذا فإننا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهائن . فلما جاءتهم رسلهم بذلك ، قالت قريش : صدقكم والله نُعيم ، فتخاذل الفريقان » .
    « ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً » الأحزاب – 25 .
    هذا أسلوب في تغيير ما بأنفس القوم في موضوع معين ، ليتغير موقفهم . وكان هذا العمل بإشارة واضحة من الرسول صلى الله عليه وسلم . وكان المنفذ متقناً للعملية مستغلاً للظروف ، ولعلمه بالتاريخ الماضي والحاضر للمشكلة التي يعيشها ، ولاسيما مع صلاته الخاصة السابقة مع الفريقين ، كل ذلك مع تقدير جيد للموقف الذي عليه بنو قريظة وقريش ، مكنه أن يؤثر بما بأنفسهم التأثير المناسب الذي يقتضيه الموقف ، فكان نجاحه بارعاً .
    إن قصة نعيم بن مسعود نموذج واضح جداً على استغلال قدرة تغيير ما بالأنفس لتغيير المواقف .
    مثال ثالث :
    وفي هذا العصر ، أخذت العقول البشرية تهتم بهذا الموضوع للوصول إلى نتائج إيجابية بجهود قليلة ، لا تحتاج إلا إلى مهارات في معرفة نفسية الأقوام وتاريخهم ، وما يمكن لن يقبلوه بسهولة ، أو يرفضوه دون تردد ، وتوجيه ذلك كله لصالح المشرف على عملية التغيير .
    أجل إن الذين يتنازعون الإشراف على هذا العالم ، وتسييره وفق الجهة التي يريدونها ، أخذوا يولون هذا المجال ما يستحقه من اهتمام .
    جاء في كتاب مناهج السياسة الخارجية :
    « ولكن الدبلوماسية ، بما فيها دبلوماسية أمريكا ، لا تستطيع أن تفعل شيئاً أكثر من استغلال إرادة رجال الدول الأجانب للتوصل إلى الأهداف . ويجبل على أمريكا لخلق هذه الإرادة أن تستغل جميع وسائل السياسة الخارجية ، بما فيها الوسائل السياسية والعسكرية والاقتصادية والنفسية » .
    وجاء في هذا الكتاب أيضاً عن السياسة الخارجية الثقافية والأيديولوجية :
    « وتحاول أمريكا بلوغ أهدافها الخارجية بوسائل نفسية ، وتبدو هذه الوسائل أقل صلة بالسياسة من الوسائل الاقتصادية والعسكرية . ولكنها لا تختلف عنها في الغاية المتوخاة ، فتعمل بأساليب متنوعة بما فيها العلاقات الاجتماعية والثقافية والأيديولوجية لتوسيع منطقة التفاهم … ؟ والتأثير على مواقف الأصدقاء والخصوم ، أو المحايدين كل على مقتضى حاله ، وقلما تحقق هذه الأساليب الآمال المعقودة عليها ، لأنها أكثر ما تثير رد فعل عفوي معاكس ، ويكون فعلها أقل إذا استعملت بمعزل عن وسائل أخرى ، ولكن حرص الأمريكيين عليها يعبر عن رغبتهم في الاهتداء إلى بديل – للأساليب السياسية الصرفة – وتطلعهم لخرق الستائر الرسمية الكثيفة … واستعمال الوسائل النفسية لتكييف مواقف الأفراد والجماعات في البلاد الأجنبية ، هو إحدى وظائف الممثلين الدبلوماسيين الأمريكيين في الخارج ، والشخصيات المعنية بالسياسة الخارجية في الداخل ، وهو أهم وظيفة لوكالة الاستعلامات الأمريكية التي تشرف على صوت أمريكيا ، وبرامج انبائية وثقافية أخرى موجهة للشعوب الأجنبية .
    ولأهمية هذه الوسائل التي يطلق عليها مجتمعةً اسم « الحرب النفسية » ، أنشأ ترومان مجلساً أعلى للاستراتيجية النفسية مهمته أن يوصي ببرامج من هذا النوع وينسق العمل .
    وأدرك ايزنهاور أن الوسائل النفسية تكون أشد فعالية إذا نسقت مع السياسة العامة فحَّول مجلس الاستراتيجية النفسية لمجلس تنسيق العمليات » .
    يظهر أثر ما بالنفس
    ولو كان ما بالنفس وهماً
    يبقى سلوك الإنسان مترتباً على ما بنفسه ، بغض النظر عن صواب وخطأ ما بالنفس . فقد يقتنع الإنسان بوهم من الأوهام إلا أنه يصدقه كأنه حقيقة ، فهذا الوهم يتسلط على سلوك الإنسان ومواقفه إزاء الأحداث . ومن هنا نعلم أن الناس الذين يحملون أوهاماً عن أي أمر من الأمور ، تأتي نتيجة أعمالهم وفقاً لهذا الوهم ، ويتصرفون طبقاً للوهم الذي انطبع في نفوسهم ، كما تصرف العملاق حين شاهد القدمين ، وتوهم أن والد الطفل الذي هذا شانه سيكون ضخماً جداً ، وعلى هذا ينسحب بسرعة من الورطة التي وقع فيها ، فإن ما حدث من الوهم في نفسه وقنع به ، أعقب عنده هذا المسلك المضحك لمن يعرف حقيقة الأمر . ولكن العملاق لم يكن ضاحكاً حين هرب ، بل كان جاداً كل الجد .
    إن مثل هذا الموقف يمكن أن يحدث لأية أمة من الأمم ، ولأي شعب من الشعوب إذا حمل أفكاراً وهمية خصمه أو صديقه ، سواء في الاعتماد عليه في موضعه كإقدام العملاق أولاً بكل حماس ، ثم انسحابه المريع مرة أخرى بكل خزي وعار . وسيظل يقبل ويدبر ما دام ما بنفسه عن الموضوع ليس حقيقة ، وإنما أوهام كونها هو بنفسه ونظراته الذاتية الخاصة ، أو وضعها له اختصاصي بارع . والخَلاص من الوهم يتم بادراك الأمر على وجهه الصحيح ، وإدراك الوجه الصحيح لا يتم إلا بفتح السمع والبصر .
    ولكن كيف يمكن أن يفتح سمعه وبصره إن كان في وهمه أن فتح السمع والبصر أخطر من أي خطر آخر ؟ وكم في العالم الإسلامي من الأسوار الوهمية التي تُعيقُ حركته ، وكم رأى قدمي الحركة الوهابية ضخمتين ، حين امتلأ رعباً من الفكرة الأولية البسيطة التي تتضمنها في ترك ما لا دليل عليه .
    ولأبي حامد في كتابه المستصفى ، كلام حسن يتعلق بهذا الموضوع ، ذكره حين بحث الحسن والقبح ، والخلاف حولهما .. قال : « الغلطة الثالثة : سببها سبق الوهم إلى العكس … » إلى أن قال : « ومن هذا نفرة الملدوغ من الحبل المرقش … ولكن خلقت النفوس مطيعة للأوهام ، وإن كانت كاذبة . حتى إن الطبع لينفر من حسناء سميت باسم اليهود . والنفرة من المذاهب إذا نسبت إلى من يسيء الاعتقاد فيهم ليست طبعاً للعوام خاصة بل طبع أكثر العقلاء والمتسمين بالعلوم ، إلاَّ العلماء الراسخين الذين أراهم الله الحق حقاً وقواهم على اتباعه . وأكثر الخلق قوى نفوسهم مطيعةٌ للأوهام الكاذبة … وأكثر إقدام الخلق وإحجامِهم بسبب هذه الأوهام ، فإن الوهم عظيم الاستيلاء على النفس ، ولذلك ينفر طبع الإنسان عن المبيت في بيت فيه ميِّت فتنبه لهذه المثيرات » .
    وهذا الموضوع بحر متلاطم الأمواج علينا أن نتذكر ما مَّرت به الأفكار من الغموض إلى أن وصلت إلى درجة الوضوح والتسخير . فإن المعرفة العامية البسيطة لفكرة ما غير المعرفة العلمية التي تسخر الفكرة لمعالجة مشاكل البشر .
    وعلينا أن ندرك كيف يمكن الاستفادة من هذا الموضوع في حماية البشر والمجتمع من الانقياد للأوهام . إن الغزالي ذكر هذا الموضوع وألقى عليه في بضعة أسطر ضوءاً ساطعاً . ولكن الاستفادة من هذا الموضوع ونَقله إلى المجال العلمي ، في كشف سنة تسخيره لحماية الأمة من الوقوع في الأوهام شيء آخر ، ليس كمجرد وجود الفكرة في ذهن فرد متوقد ، لأن هذا يحتاج إلى متخصصين في الموضوع لتشقيق الجوانب المتعددة لتطبيقاته في النشاط البشري .
    إن الإنسان الذي اكتشف التيار الكهربائي وإمكان إمراره في السلك ، يختلف أمره عن الآلاف المؤلفة من المهندسين الاختصاصيين في استغلال هذا التيار فيما لا يحصى من الأغراض لخدمة الإنسان في حاجاته اليومية .
    كذلك موضوع تسلط الأوهام على البشر حين تحول بينهم وبين رؤية مشكلة على حقيقتها .
    يذكر راسل(1) كيف يُشِلُّ الخوفُ الناشئ من الوهم المتسلط ، جهدَ الكائن الحي حتى في مجال الحيوان . يذكر عن دابة كانت في مكان وقد حدث أن شبت النيران فيه ، وبذل المشرفون على إطفاء الحريق جهودا شاقة في إنقاذ الدابة وإخراجها من المكان الذي هي فيه ، ولم يكن الجهد صعبا إلا لأن الدابة لا تريد الخروج لما سيطر عليها من الوهم وأصابها من الخوف . وراسل على أسلوبه الساخر ، لا تفوته الفرصة في أن يعمم هذه القاعدة ، التي على أثرها قامت الدابة بتعطيل جهد الذين سيسعون لإنقاذها . قال راسل : أن الخوف الناشئ من الأوهام المتسلطة على عقول ساسة العصر ، الذين يشرفون على هذا العالم ، وهم لا يقلون تأثراً بالأوهام عن الدابة ، يمنعهم من الخروج من المشاكل الوهمية المحيطة بهم والتي تعرضهم لأخطار متزايدة على مر الزمن » .
    وربما لا يتيسر لكل أحد أن يرى الدابة محصورة ضمن النيران تمتنع عن الخروج منها ، ولكن أيسر من ذلك أن نرى الدابة تُشد من أمام وتُدفع من الخلف لاجتياز ساقية ، أو عبور جسر أو السير في مدخل ما ، فلا تتقدم لما تخشى من وقوعها في خطر ماحقٍ .
    ويمكن أن نرى مجتمعاً بأكمله يصاب بمثل هذه الأوهام . وفي الواقع إن الغزالي كان بارعا حين قال : « وأكثر إقدام الخلق وإحجامهم بسبب هذه الأوهام ، فإن الوهم عظيم الاستيلاء على النفس » .
    ونحن وإن كان يصعب علينا إخراج القاعدة إلى حيز المعقولية ، إلا أن وراء إظهار القاعدة صعوبة أخرى أشد وعورة ، وذلك حين نبدأ في تطبيق القاعدة على الجزئيات من المسائل المعنية التي تدخل تحت القاعدة .
    يقول في ذلك ابن تيمية « يسهل على الناس التسليم بالقاعدة على عمومها . ولكن إذا مست القاعدة الجزئيات التي تخصهم ، تغير موقفهم ولم يقبلوا تفصيل ما قبلوه عموماً » . وما أحوجنا إلى الحذق في كشف الأوهام التي توقف حركة العالم الإسلامي أمام ممرات معينة – كوقوف الدابة لا ينفعها الشد ولا الدفع – لتتمكن من العبور بأمان من بين الأخطار التي يتخيلها في وهمه ، بينما في الواقع لا وجود لها إلا في نفسه . وحسبك مراجعة ما لقيه المصلحون من العنت ، والبطء الشديد ، حتى وصل الناس إلى درجة إمكان التساهل مع أفكارهم أو قبولها .
    ومع ذلك لا أشعر أني دللتك على خريطة أو أعطيتك « بوصلة » تخرجنا من الأوهام التي نعيش فيها وتجعل سيرنا في أمان ، في هذه الغابة التي لا تزال تعمر بالغيلان ، لأننا لم نملك بعد البصيرة الكافية .
    إن التبصر في الحياة هو المسنونة الزرق كأنياب أغوال ، وكم نتعلق بأنواع من القش لتنقذنا ، بينما التبصر هو سفينة النجاة ، وبيننا وبين التبصر أهوال ترعبنا . كيف لا يكون كذلك ونحن نعتبر التبصر قنطرة اللادينية ؟ فكيف يمكن أن نعبر مثل هذا الجسر مهما كان الشد من أمام والدفع من خلف ؟ ما دام المربون في العالم الإسلامي تهددهم مثل هذه الأخطار الوهمية ؟ ويوحون إلى طلابهم الخوف والرعب الذي ورثوه . وحين نرى مثل صاحب مجلة المسلمون الدكتور سعيد رمضان في مجلته(1) عنوانا مثل :
    « همسات … في أذن قادة الرأي والفكر في دسار الإسلام » .
    ثم يضع تحت هذا العنوان مثل هذه الكلمات الآتية :
    (إن ثورة اجتماعية توشك أن تعم العالم الإسلامي كله . إننا لا نشك في هذا لحظة .. بل نراها كما نرى الشمس الساطعة . وسيكون عنوان الثورة « حرية الفكر والضمير » . فإذا لم تحملوا أنتم هذه الرايات وأنتم أحق بها من غيركم فسيحملها غيركم ….
    ثم يقول : لا تستهينوا أيها السادة بهذه الكلمات فإن الشعوب الإسلامية سائرة إلى هذا المصير وعلى هذه الطريق ولن يثنيها عن ذلك شيء … فاحذروا .. احذروا ظان تفلت الرايات من أيديكم) .
    نجد مثل هذا الكلام تحت عنوان همسات في أذن قادة الرأي والفكر في ديار الإسلام . أي أن الحديث عن هذا لم يتجاوز بعد الهمسات فقط وفي أذن البعض أيضاً وفي ؟أسلوب خطابي .
    حقاً إن الأمر يحتاج إلى همس ، إذ أن ثلوج جمود الفكر وحبس الضمائر لم يذبها بعد شعاع التبصر والاعتبار « فاعتبروا يا أولي الأبصار » الحشر – 2 .
    ما بالنفس يتفاوت في الرسوخ
    قلنا فيما سبق أن التغيير الذي ينبغي أن نهتم به هو الجانب الذي يقوم به القوم من تغيير ما بالأنفس . فإذا كان مجال الأقوام في التغيير هو مجال ما بالأنفس ، فعلينا أن نتبصر في هذا المجال الذي يخص الإنسان من التغيير . إن ما بالنفس يختلف في الرسوخ ولذلك كان تأثيره على ما بالقوم متفاوتاً في القوة والضعف .
    وهناك عوامل لترسيخ ما بالنفس منها ، التكرار في العرض والشرح ، والممارسة العملية لها في الحياة التطبيقية .
    ويمكن أن يقارن الموضوع بمثال آخر . فإن جسم الإنسان مركب من أعضاء تعمل لا إرادياً ، مثل عمل القلب والرئتين والمعدة وإفرازات الغدد ، ولو أن عمل هذه الأعضاء كان إرادياً ، لكان الجهد الذي تتحمله الإرادة الواعية والفكر جهداً شاقاً . ولما أمكنه التفرغ إلى التفكير في مجالات أخرى تتعلق بنمو الإنسان الفكري . ولكن الله سبحانه وتعالى ، أعطى لجهاز الفكر عند الإنسان تخفيفاً في المهمات ، حين جعل عمل كثير من الأعضاء آلياً .
    كذلك في مجال ما بالنفس ، يمكن أن نلاحظ أن النفس تقوم بهذه العملية ، من جعل بعض الأفكار تعمل عملها آلياً وذلك حين ترسخ وتتعمق فتصير هذه الأفكار تعمل آلياً دون الحاجة إلى استحضار فكر . فمثلاً حين نتكلم ونعبر عن المعاني بالعبارات ، ويتداخل في هذا العمل الوعي والآلية ، فإن استحضار الكلمات يكاد يكون آلياً دون جهد فكري ، كلما كانت الكلمات راسخة ومستخدمة كثيراً ، وهذا متفاوت أيضاً .
    وإن الانتباه إلى مجالات ما بالأنفس من الوعي ، وما تجاوز الوعي ، إلى أن صار جزءاً عميقاً في النفس يعمل وكأنه مستقل عن الوعي . إن الانتباه إلى هذا التفاوت ، وعوامل الترسيخ ، وملاحظة أثر مرحلة الطفولة في ترسيخ الأفكار والمفاهيم ، وما تعارف عليه الناس من أن العلم في الصغر كالنقش في الحجر ، إنما هو مبني على ملاحظة لها أثرها . وذاك الانتباه يفتح أمامنا آفاقاً في مجال تغيير ما بالنفس . فالخبراء الذين لاحظوا تجارب البشر ، عندهم من المعرفة بهذه الأمور ما ليس عند غيرهم ، والرسول صلى الله عليه وسلم ضرب لنا مثلاً في كيفية ترسخ الفكرة ، أو تمكنها حتى تصير ملكة ، تتولد منها أعمال الإنسان وواقع المجتمع :
    (عن حذيفة عن رسول الله  قال : « تعرض الفتن على قلوب كالحصير ، عوداً عوداً ، فأي قلب أشربها نكت في نكتة سوداء ، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء ، حتى تصير على قلبين : على أبيض مثل الصفاة فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض ، والآخر أسود مُر بَادَّاً كالكوز مُجخَّياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً » . رواه مسلم . قال ابن جرير : فاخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها ، وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختم من الله تعالى والطبع ، فلا يكون للإيمان إليها مسلك ، ولا للكفر عنها مخلص ، فذلك هو الختم والطبع الذي ذكر في قوله تعالى : « ختم الله على قلوبهم » .
    ونظير الختم والطبع على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف التي لا يوصل إلى ما فيها إلا بفض ذلك عنها ثم حلها ، فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب ، من وصف الله أنه ختم على قلوبهم وعلى سمعهم ، إلا بعد فض خاتمه وحل رباطه عنها)(1) .
    هنا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، يضرب المثل في الرسوخ في جانب كل من الخير والشر ، إلا أن الختم والطبع استعمل في جانب الشر ، والخطأ الذي ترسخ وتعلق بالقلب ، فضرب المثل بأشياء محسوسة للأشياء التي لا تحس أو للأمور المعنوية ، وذلك بذكر مثل الحصير ، وكيف تعرض الأعواد عند نسجها عوداً عوداً ، فبناء النفس كذلك إنما يتم خلال الزمن ، بعرض الأفكار عليها بوسائل مختلفة فكرة ، فكرة . والقلب الذي يتقبل الفتنة والشر ، تنكت فيه نكتة سوداء ، والذي يرفض يبقى أبيض لا تضره فتنة . وكذلك العرض المستمر المتتابع على القلوب كنسج الحصير . هذا الحديث في مجال كيف يرسخ ما بالنفس ، ويصل رسوخ ما بالنفس إلى درجة النسيان ، ولكن هذا النسيان والغياب عن الوعي لا يجعله يكف عن التأثير على عمل الإنسان وسلوكه بل يبقى مؤثراً ولو كان خارجاً عن الوعي .
    وهنا يمكن أن يشبه ما يحدث في النفس – من أن النفس تحول بعض الأفكار إلى الأعماق ، مما يجعل هذه الأفكار تعمل عملها آلياً – بما يحدث في بعض أعضاء الجسم عند الإنسان التي تعمل آلياً ، كذلك الأفكار المترسبة في الأعماق تعمل آلياً وتستجيب للأحداث والمثيرات استجابة آلية ، ولا يشترط أن يكون كل ما ترسخ صواباً بل الخطأ أيضاً يترسخ ، وقد يكون الصواب فيه قليلاً .
    ونبش هذه المفاهيم المترسبة وإخراجها إلى حيز الوعي ، وإجراء التغيير اللازم عليها عملية ليست خارجة عن طوق الإنسان ، لأن ذلك من المهمة التي أوكلها الله إلى الإنسان لا كفرد ، بل كقوم وكمجتمع .
    إن تغيير ما بالنفس ، سواء كان في مجال الوعي أو كان مترسباً منسياً بكل محتوى النفس الظاهر والباطن ، إن هذا التغيير من مهمة الإنسان ، وكلما كشف سنن التعامل مع النفس كان قادراً على إحداث التغيير . فمن هنا تتأكد الحاجة إلى ضرورة تحصيل علم سنن تغيير ما بالنفس .
    وفي مجال أهمية الطفولة في ترسيخ العقيدة ، حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه …) وقد سبق أن بينا معنى الفطرة . وأما أن الأبوين يقومان بمهمة ترسيخ العقيدة ، فإن الطفولة تمتص هذه العوائد والمفاهيم والقيم ، تمتص مالا ينطق به الأبوان أو المجتمع ، مما يستنبطه الطفل من الأذواق والاستحسان والاستقباح لأمور كثيرة لا يشعر بها الطفل ، وإنما يتشربها تشرباً ، ويوحى بها إليه إيحاء ، مما يؤثر في سلوكه في كبره دون إرادة منه ، ولاسيما في اللحظات التي لا يتيسر فيها إعمال الرأي ، وفي اللحظات الحرجة التي ينبغي فيها أن يتخذ قراراً ، أو يختار أمراً ، فهنا عوامل السوابق التاريخية الماضية تؤثر في اتخاذ الاتجاه المعين ، لأن دخل الإرادة فيه قليل ، أو ينعدم . فهذا معنى الختم والطبع ، حين يحدث الشلل للفكر الواعي ويعجز أن يسيطر على تصرفه ، فيستلم الزمام ما ترسب من الأفكار ، وهذا ما يسمى بالعواطف والانفعالات . فالعواطف هي الأفكار المترسبة ، والانفعالات هي آثارها العملية . وعلينا أن نعرف أن الشخص حين يقوم بعمله ، فهذا العمل الذي يقوم به ليس مصدره فقط الفكر الواعي ، وإنما يشترك فيه أيضاً الأفكار المترسبة التي نسيت ، ولكنها لم تُفقد بل ظلت تؤدي دورها بأرسخ مما كانت .
    وقد تنبه ابن خلدون إلى شيء من هذا حين تحدث عن اكتساب ملكة البيان العربي والشعر ، قال : « فمن قل حفظه أو عَدِمَ لم يكن له شعر وإنما هو نظم ساقط ، واجتناب الشعر أولى بمن لم يكن له محفوظ . ثم الامتلاء من الحفظ وشحذ القريحة للنسج على المنوال يقبل على النظم وبالإكثار منه تستحكم ملكته وترسخ … » . وموطن الشاهد من كلام ابن خلدون ليس هذا بل سيأتي وهو قوله : « وربما يقال إن من شرطه نيسان ذلك المحفوظ ، لتحمى رسومه الحرفية الظاهرة ، إذ هي صادة عن استعمالها بعينها ، فإذا نسيها ، وقد تكيفت النفس بها ، انتقش الأسلوب فيها كأنه منوال يأخذ بالنسج عليه بأمثالها من كلمات أخرى ضرورة »(1) .
    وما يقوله ابن خلدون لا ينطبق على الشعر فقط ، بل على كل علم من العلوم إذا أراد الإنسان أن يكسب ملكة فيه .
    وكذلك إتقان لغة التخاطب إنما يكون في عهد الطفولة ، وإتقانها بعد الكبر كأهلها أصعب ، فهذه كلها راجعة إلى سنن تغيير ما بالنفس . فكما أن أهل اللغة الواحدة يتكلمون لغة واحدة ، كذلك أهل الثقافة الواحدة والنمط الموحد في التفكير ، يفكرون بأسلوب واحد من التفكير ، وكذلك أذواقهم وما يميلون إليه وما يكرهونه وما يقدرونه وما لا يبالون به . وكما بين الأفراد فروق فردية ، كذلك بين الأمم والمجتمعات ، إلا أن مصدر الفروق مختلف ، إذ مصدره في الأفراد الفطرة والاستعداد الأولي ، بينما في المجتمعات مصدره مقدار استغلال هذه الاستعدادات . فالأول موهوب والثاني مكسوب . والخلط بينهما يكون سبباً لتبني العصبيات التي وصفها الرسول صلى الله عليه وسلم بأنها منتنة .
    والفطرة الموهوبة للأفراد من الذكاء تتفاوت ، وهذا التفاوت فطري موجود في كل مكان بين الأفراد ، في كل المجتمعات ، وحتى بين الاخوة من متوسطي الذكاء ومن هم دون ذلك أو فوقه . ولكن المجتمعات ليست هكذا بالفطرة ، بل ما بين المجتمعات من الفروق إنما ترجع إلى مواريثهم المكتسبة من الثقافة ، فبهذا يتفاوتون . ويمكن لكل مجتمع أن يرفع أو يغير بين من نشأ في المدينة والقرية ، والطبقة المعنية ، وإن كانت وسائل الثقافة الآخذة في التطور والانتشار تقلل من الفروق . فكل مجتمع فيه من الأفراد نسبة معينة من الممتازين والمتوسطين والمقصرين بالفطرة . وما يمكن أن يطرأ على مجتمع ما من رفع المستوى يمكن أن يطبق على كل المجتمعات .
    ولا توجد بين المجتمعات فروق في الفطرة وإنما فروق في الثقافة المكتسبة ، وهذه تقبل التغيير ارتفاعاً وانخفاضاً . لهذا كما يمكن أن يكون تطور مجتمع ما إلى الأمام ، يمكن أن يكون تغيير مجتمع آخر إلى الوراء . كما يمكن أن يحدث تغيران في آن واحد في مجتمع واحد ، كأن يحدث تغيير في جانب إلى الأمام ، وتغيير آخر إلى الوراء ، وتفيد معرفة هذا حتى يمكن تمييز ما فيه تقدم وتأخر .
    إن هذه المواضيع لم تصر في العالم الإسلامي علماً تطبيقياً ، وإن كان شيء من ذلك ، فهي نظرات عند أفراد قلائل لم يصلوا بعد إلى درجة سد فرض الكفاية في الأمة . ولا بد أن يصل عدد هؤلاء علماً وعملاً إلى ما يسد حاجة الأمة ، حتى يمكن اختزال زمن التغيير إلى أدنى حد .
    ولكن إلى الآن لم تصح عندنا الفكرة نظرياً ، فضلاً عن أن نستخدم ذلك في سبيل تغيير ما بالأنفس لنغير ما بالمجتمع ، ولا مؤسسات تقوم بمهمة التغيير ومراقبة السير على أساس علم منهجي . ويحول دون ذلك أفكار معينة مترسبة في أعماقنا ، اعتماداً على القضاء وتحقيراً لقدرة الإنسان وجهده .
    ويمكن أن نقرب الفكرة قليلاً ، إذا قارنا عملية التغيير فيما بالأنفس بعملية تعليم القراءة والكتابة , فلو ترك تعليم المجتمع القراءة والكتابة ، إلى مجهود كل شخص دون أن تكون مؤسسات لتعليم أطفال الأمة ، فإن الفوضى ستحل . وكذلك ينبغي أن يخضع تغير ما بالأنفس لمؤسسات . وإلى الآن يحدث ما يحدث عندنا على أساس الصدفة ، دون تحول ذلك إلى علم منَّهج واضح . لهذا يظهر عدم التوازن في المجتمع وبطء نموه حتى في المشاكل التي صارت خاضعة للسنن بوضوح في مجتمعات أخرى . والسبب ؛ أن الأمة لم تحصل بعد ملكة تغيير ما بالأنفس ، ولم تملك ما يسد فرض الكفاية . ونقص ملكة التغيير ، مثل نقص ملكة البيان والشعر ، فلا يمكن تحصيل ملكة عملية تغيير ما بالأنفس – كما لا يمكن تحصيل ملكة البيان والشعر – إلا بممارسة هذا الفن ؛ وهو النظر في سنن الماضين وما حدث للأمم من تغيير بطيء أو سريع خلال التاريخ . ونحن إلى الآن لا ندرس التاريخ على هذا الأساس أو القصد ، وإن كان القرآن يلح علينا في ذلك .
    وفقدان هذه الملكة مشكلة عامة في الأمة في مختلف طوائفها ، لأن هذا المرض عام إذ هو مرض مجتمع لا مرض طائفة معينة ولا مرض فرقاء . ولو أن هذا النظر صار بضاعة للمجتمع ، لتمتع به من يعيش في هذا المجتمع مهما اختلفت نظراتهم .
    وهذا ما يفسر تنازع من هم أقرب لبعضهم في النظر ، في المجتمعات المتخلفة ، ومن هم على هدف واحد وأيديولوجية واحدة . بينما المجتمع ، الذي حصل لديه ملكة فن التغيير ، لا يبلغ النزاع فيه بين المتضادين في وجهات النظر ، ما يبلغ النزاع فيه بين المتفقين في وجهات نظرهم ، في الأمة التي لم تمتلك بعد مثل هذه الملكة . وواقع البلدان المتخلفة أو التي تسمى تفاؤلاً نامية ، أصدق شاهد لمن أمكنه أن يتأمل .
    وابن خلدون لاحظ سنة التغيير بوضوح في أعمار الدول ، وإن كان يفهم من تفسيره لها أنها حتم ، ولكن الأمر ليس كذلك ، ولاسيما وقد ملك الإنسان من وسائل التربية ما يطوع عملية صياغة الإنسان .
    ولابن خلدون العذر في أن تكون عباراته غير دقيقة ، حيث جعل مرد ذلك إلى العوائد المترسخة ، التي يمكن أن تمثل ما نطلق عليه نتائج ما بالأنفس . قال في « فصل إن الدول لها أعمار طبيعية كما للأشخاص » . وبعد أن تحدث عن عمر الأفراد ، تحدث عن عمر الدول فقال : (إن الدولة في الغالب لا تعدو أعمار ثلاثة أجيال ، والجيل هو عمر شخص واحد ، والعمر الوسط يكون أربعين . وعلل ذلك بأن الجيل الأول ، لم يزالوا على خلق البداوة وخشونتها .. والجيل الثاني تحول حالهم بالملك والترفه من البداوة إلى الحضارة . أما الجيل الثالث فينسون البداوة والخشونة كأن لم تكن فيصيرون عيالاً على الدولة . فهذه كما ترى ثلاثة أجيال فيها يكون هرم الدولة وتخلفها .
    ولهذا كان انقراض الحسب في الجيل الرابع كما مر في أن المجد والحسب إنما هو في أربعة آباء وقد أتيناك فيه ببرهان طبيعي كافٍ مبني على ما مهدناه من قبل من المقدمات . فتأمله فلن تعدو وجه الحق إن كنت من أهل الإنصاف .
    وهذه الأجيال الثلاثة عمرها مئة وعشرون سنة على مر ولا تعدو الدول في الغالب هذا العمر . بتقريب قبله أو بعده إلا إن عرض لها عارض آخر من فقدان الطالب فيكون الهرم حاصلاً مستولياً والطالب لم يحضرها ولو قد جاء الطالب لما وجد مدافعاً « فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون » )(1) .
    وأطال ابن خلدون هذا البحث ، ومهما يكن فإن سبب ذلك راجع إلى تغيير ما بالأنفس من النظر إلى الأمور . ولقد وضح ذلك فقال : (إذا كان الهرم طبيعياً في الدولة ، كلن حدوثه بمثابة حدوث الأمور الطبيعية كما يحدث الهرم في المزاج الحيواني . وقد ينتبه كثير من أهل الدولة ممن له يقظة في السياسة فيأخذ نفسه بتلافي ذلك … ويحسب أنه لحقها بتقصير من قبله من أهل الدول وغفلتهم ، وليس كذلك فأنها أمور طبيعية للدولة ، والعوائد هي المانعة له من تلافيها) . وقد بيَّنا أن هذا صحيح في آخر الأمر ، ولكن هذا يمكن أن يُمنع حدوثه إذا أُخذ بأسبابه وسيطر عليها البشر ، ولاسيما قبل أن يحل الطبع على القلوب . والذي يقرب هذا المعنى كون ابن خلدون نسب الأمر إلى العوائد . والعوائد قابلة للتغير أحياناً طبيعياً وأحياناً صناعياً . وهذا ما خفي على ابن خلدون ، مما أمكن تفسير اتجاهه إلى الحتمية .
    وقتال ابن خلدون عن العوائد « … وللعوائد منزلة أخرى طبيعية ، فإن من أدرك مثلاً أباه وأكثر أهل بيته يلبسون الحرير والديباج ، ويتحلون بالذهب في السلاح والمراكب ، ويحتجبون عن الناس في المجالس والصلوات ، فلا يمكنه مخالفة سلفه في ذلك ، إلى الخشونة في اللباس والزي والاختلاط بالناس . إذ العوائد حينئذ تمنعه وتقبح عليه مرتكبه . ولو فعله لرمي بالجنون والوسواس في الخروج عن العوائد دفعة ، وخشي عليه عائدة ذلك وعاقبته في سلطانه . وانظر شأن الأنبياء في إنكار العوائد ومخالفتها لولا التأييد الإلهي والنصر السماوي .
    وربما يحدث عند آخر الدولة قوة توهم أن الهرم قد ارتفع عنها ويومض ذبالها إيماضة الخمود ، كما يقع في الذبال المشتعل فانه عند مقاربة انطفائه يومض إيماضة تُهم أنها اشتعال وهي انطفاء .
    فاعتبر ذلك ، ولا تغفل عن سر الله تعالى وحكمته في اطراد وجوده على ما قدر فيه و « كلل أجل كتاب »)(1) .
    وما يقول عنه ابن خلدون : بأنه عوائد تمنع تلافي نتائجها ويعتبرها طبيعة أخرى بحيث يرمي من يخرج عنها بالجنون والوسواس ، وضرب المثل في ذلك بلباس الذهب والديباج .. ولكن ما بالك بأنماط التفكير والنظر إلى الكون والحياة والمجتمع ، هذه الأنماط تتحول إلى عوائد ، والانتباه إليها أصعب وأدق وبلواها أعم . وهذا هو الذي حدث للفكر الإسلامي في جموده خلال العصور وتوارثوه كابراً عن كابر ، وكل من خرج عليه اتهم بالمروق .
    وابن خلدون يضرب المثل في الدولة التي قدر عمرها بثلاثة أجيال ، وكذلك المجد والحسب . فما بالك بدين عالمي يضم بين أحشائه الدول المتعاقبة ، حين ينظر إليه بهذا المنظار ، منظار أثر العوائد ، وما يحدث من تغيير على طول الزمن من غير أن يشعر الناس به ، ويتوارثها عشرات الأجيال مما يقلب كثيراً من الأمور عما كانت عليه سابقاً .
    فإن كان ابن خلدون يقول : إن الجيل الثالث ينسى عهد الخشونة والبداوة كأن لم تكن … فما بالك بنسيان أنماط التفكير المتفتح للحياة . فلو أن مجتهداً اجتهد مثل الاجتهادات عمر بن الخطاب ، لما أمكن تحمل ذلك ، لا لأن الزمن لم يعد في حاجة إلى اجتهاد ، ولا لأن مقتضيات ذلك الاجتهاد لم تحدث .
    وهذا التغيير البطيء ، تخفى على الناس كيفية حدوثه فيظنون أن الأمر لم يتغير ، ولكت يرون النتائج تغيرت فيقعون في حيرة . ولا يدركون تفسير ذلك .
    ومن أكبر المشاكل التي تعترض المسلم في هذا الموضوع ، توهم الناس انهم في أنماطهم الفكرية مثل ما كان عليه الناس في عهد الصحابة ، فيحاولون أن يروا في الرماد ناراً وفي الجمود حركة . فلا يميزون ما حدث من تغيير في الفكر والنظر ، فيقيسون أنفسهم بهم دون شعور ، وهذه مصيبة كبيرة وعقبة كؤود ، تحول دون رؤية الأمراض التي تصاب بها المجتمعات .
    وليس هنا مجال تفصيله الآن وإنما نشير إليه إشارة ، وقد ذكر ابن خلدون ذلك فقال : « ومن الغلط الخفي في التاريخ ، الذهول عن تبديل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدل الاعصار ومرور الأيام ، وهو داء دوي شديد الخفاء . إذ لا يقع إلا بعد أحقاب متطاولة ، فلا يكاد يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة . وذلك أن أحوال العالم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج واحد مستقر ، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال .
    وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار ، كذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول « سنة الله التي قد خلت في عباده » غافر – 85 -(1) .
    وهذا تأويل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوان ذهاب العلم ، والصحابي لم يكن يفهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يذهب العلم ، وكذلك لم يفهموا كيف نكون كالقصعة ، يتداعى عليها الأكلة . أما نحن اليوم فلا نفهم كيف يحصل العلم ، ولا كيف ننقذ القصعة المستباحة .
    ذلك الصحابي لم يكن يقدر أن يتصور كيف يذهب العلم ، واليوم نتعب التعب كله في إثبات وجود علم يخرج المسلمين مما هم فيه من التيه .
    وكذلك حديث القصعة وتداعي الأكلة إليها ، فإن الصحابة عجزوا أن يفهموا كيف يمكن أن يتم ذلك ، وكل ما خطر في بالهم من تفسير للموضوع ، أن يكون سبب ذلك قلة في عدد المسلمين ، حين قالوا أوَمنْ قلَّة يومئذ يا رسول الله ؟ ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بين أن العدد حين التداعي على القصعة يكون كثيراً . ولكن هناك شيء آخر يجعل الناس كغشاء السيل . إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يرى المستقبل من خلال السنن ، ولم يكن كل الصحابة كذلك .
    وليس هناك نظر اجتماعي سنني ، مثل نظر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المشكلة الاجتماعية . وكما يقول مالك بن نبي كان رسول الله يقرأ التاريخ قبل أن يقع ، ويحذر من الوقوع فيه ، على أساس أن الأمر على نظام وسنن ، سواء في الوقوع في الجهل والقصعة المستباحة أو الخروج منها .
    إن هذا النظر السنني هو ما يحتاج إليه شباب العالم الإسلامي ، إذ أن عدم وضوحه يحشر الأمور المختلفة في ميزان واحد ، بينما يبعد الأمور المتشابهة عن بعضها . فيقع المرء في حيرة فيجعلنا مرة مثل الصحابة ، ومرة مثل الجاهلين . ولا يدرك ما يميزنا عن كل واحد منهم من عناصر التخلف .
    وقد بحث هذا مالك بن نبي ، حين بحث عن إنسان الحضارة ، وإنسان ما قبل الحضارة ، وإنسان ما بعد الحضارة ، وبين أن مشكلة إنسان ما بعد الحضارة ، أعقد من مشكلة ما قبلها .
    وأهمية هذا الموضوع هو الذي جعل ابن خلدون يقول : « الذهول عن تبدل الأحوال الذي هو داء دوي شديد الخفاء لا يكاد يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة » . وهذا هو الذي يجعلنا لا نقدر على كشف المشكلة التي نعيشها .
    إنني أجدني اشعر بضيق شديد من خفاء هذه الأمور وعدم وضوحها ، وأنها لم تصر بعد بضاعة مفهومة متداولة . وهذا الخفاء يعوق حركة التقدم في الإصلاح لما يحيط به من غموض . فما لم نسيطر على خارطة تغيير ما بالنفس ، وما لم نتمكن بوضوح من سنة التغيير ، وما ينبغي أن نغيره وما ينبغي أن نحذفه ، وما ينبغي أن نضيف إليه ؛ سنظل في طريقنا بعفوية لا قصد فيها ، ونحافظ على أفكار تعوق تقدمنا ، وننبذ أفكاراً ونعاديها بينما لا غنى لنا عنها . مثال ذلك عدم مبالاتنا بعلم تغيير ما بالنفس ، هذا فضلاً عن إعراضنا عن عبر التاريخ التي توضح لنا ما ينبغي أن نغيره . فهنا نحتاج إلى علمين ، علم تغيير ما بالنفس ، وعلم آخر وهو ما نميز به ما ينبغي أن نغيره مما ينبغي أن نبقيه . فهذا النقص هو الذي يجعل سير حركة المسلمين بطيئاً ، مثقلاً بالآصار والأغلال التي تحول بينهم وبين أن يروا المستقبل في ضوء الماضي . إن الحيرة نتيجة الغموض ، والحيرة هي البرزخ الذي نسير فيه في أيامنا هذه .
    إن اندفاع الإنسان للحركة المجدية ، مرهون باقتناعه أن لكل مشكلة طريقة لحلها . فكذلك المسلمون لا يمكن لهم أن يتحركوا بجدية لتغيير واقعهم ، ما لم يقتنعوا أن مشكلتهم تخضع لقوانين وسنن .
    أما إذا بقي لديهم شعور أن المشكلة لا تحل إلا بالمهدي ، أو بأن الزمن شارف على الانتهاء ، فان المشكلة تبقى دون حل ، بل تزداد تعقيداً .
    ربما يتضايق من هذا الوصف بعض القراء الكرام ، وربما شعروا أنني أستخف بذكائهم ، وينفون عن أنفسهم انتظار المهدي ، أو أن يروا أن الزمن أشرف على نهايته ، ويدعون أن هذا إيمان العوام . ولكن ما الخطة التي عند هؤلاء القوم الكرام لتغيير ما بأنفس هؤلاء العوام ، حتى يرتفعوا عن مرتبة العوام إلى مرتبة من يشعرون أن سعيهم ليس سدى ولا عبثاً ؟ .
    وما لم نتمكن من معرفة تغيير ما بالنفس ، ومعرفة ما ينبغي أن نغير كماً وكيفاً ، فسنظل ننتظر المهدي فعلاً وإن نفينا عن أنفسنا ذلك نظرياً . إن الإيمان بفكرة ما – بشكلٍ منحرف – يؤدي إلى مواقف سلبية .
    ما زلنا في بحث تفاوت ما في النفس بالنسبة لرسوخه . وهنا أريد أن أوجز جانباً من هذا الموضوع عما بالنفس . إن الفكرة هي التي بالنفس ، ولكن بعض الأفكار التي بالنفس ، لا يشعر بها صاحبها . فأفكار الإنسان ليست حاضرة في كل لحظة ، بل منها ما يحضر عند تداعي الأفكار ، ومنها ما يحضر بالتذكر ، ومنها مالا يتمكن صاحبها من استحضارها مهما كد ذهنه . ومع ذلك تدخل هذه الأفكار المنسية في توجيه سلوك الإنسان كما سبق أن أشرنا إليه .
    وهنا يمكن أن ننظر إلى الفكرة على أنها تمر في مراحل لدى دخولها نفس الإنسان ، وذلك من أول ما تصل إلى النفس إلى أن تتغلغل فيها وتترسخ . والفكرة بذاتها لم تتغير ولكن الذي تغير مقدار تغلغلها في النفس ، ومقدار نتائجها في الواقع . ويمكن أن نمثل الفكرة بالإنسان ولو لم يكن التشابه كاملاً . فالإنسان في مرحلة ما يكون جنيناً ، ثم يكون طفلاً ، ثم فتى ثم كهلاً .. الخ .
    ففي كل مرحلة يسمى باسم وهو في الأصل واحد . وكذلك الفكرة تمر بمراحل من نظرية وظن إلى إدراك وعلم فإلى سلوك وخلق … الخ .
    إن الفكرة حين تتعمق في النفس تكون مصدراً للأخلاق ، وما الخلق إلا السلوك الناشئ عن أفكار متعمقة ثابتة راسخة في النفس .
    وينبغي أن يلاحظ أن الفكرة يمكن أن يوحى بها ، فتكون مصدراً للأخلاق دون أن تمر بالوعي الشعوري ، كما عند الأطفال والعوام . وحين نفهم كيف يحدث هذا وما وسائل ذلك على أساس واضح . فمثل هذا الفهم هو الذي يجعل حماية الأخلاق بل إنشاءها بواسطة العلم ممكناً . لأن الخلق سلوك ظاهر ، يكمن وراءه دوافع رسخت في نفس الإنسان ، قد ننتبه إليها وقد لا ننتبه . ولن يصبر ذلك علماً ما لم ننتبه إلى ذلك ونحدده . وإن الذين يظنون أن الأخلاق لا تخضع للعلم ، وأن العلم لا يؤثر فيها ، لا يمكن أن يعترفوا بإمكان حماية الأخلاق فضلاً عن إنشائها ، كما أنهم لا يكونون شاهدوا صلة العلم بالأخلاق .
    وقد تكون الفكرة – كفكرة أولية – موجودة عند الإنسان ، مثل الفكرة الموجودة عند الإنسان عن مشاهدة سقوط الأجسام إلى الأرض . فهذه كظاهرة ، يدركها كل الناس ، بل ربما لا يخطر لهم أن يفكروا فيها ، وتذكيرهم بها يكون غريباً عليهم . فأصل الفكرة موجود عند كل فرد ، ولكن فكرة العالم الفيزيائي عن سقوط الأجسام غير ما عند الإنسان العادي . فالعلم يمكن يرى في الموضوع عنصر الزمان والمكان والسرعة والكتلة وآثارها ، ويمكن أن يحسب قوة السقوط والاختراق ، ويمكن أن يبدع على أساسها أعمالاً مدهشة كبناء الجسور والطائرات والقذائف . ويمكن أن يمثل سقوط الأجسام ، ومعرفة كل فرد بأصل الفكرة ، وتفاوتهم في معرفة دقائقها وقوانينها ، وما يترتب على ذلك ، يمكن أن يقارن هذا ، بفكرة الأخلاق في أصل المعرفة المجملة من قبل كل الناس . فكل الناس يسمعون ويتكلمون بكلمة الأخلاق ، ولكن ما يمكن للعالم أن يكشف من قوانين وسنن نشأة الأخلاق وقيمها – كما فعل (هادفيلد) في كتابه : (تحليل نفسي للخلق) – إن معرفة هذا الإنسان لسنن الأخلاق ، لا يمكن أن تقارن بمعرفة الإنسان العادي . وليس معنى هذا أن الإنسان العادي لا يمكن أن يملك أخلاقاً متينة . لا ليس هذا المراد ، ولكن الإنسان العادي ليس في طوقه أن يحمي الأخلاق حماية علمية ، ولا يمكن أن يملك ذلك ، كما يمكن أن يكون بين الرجلين في المعرفة بونٌ لا يمكن أن يقارن بينهما ، بل يتطلع إليه الإنسان العالم من الأمل في المستقبل لتسخير هذه السنن لا يتيسر لغيره . وأكثر الناس عندهم أصلٌ لفكرة « قل هو من عند أنفسكم » آل عمران – 165 - . ولكن هذا المفهوم الذي عندهم من الآية غير راسخ كما أنه غير واضح لهذا لا أثر له على سلوكهم .
    وهنا نذكّر مرة أخرى بحديث زياد بن لبيد في دفع الشبهة مما يمكن أن يقال هل كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم هذا . إن تأمل حديث زياد بن لبيد يجيب عم هذا السؤال كما يجيب حديث القصعة . ولا شك أن الصحابة كلهم لم يكونوا في مستوى واحد في هذا الموضوع . كما أن تحول الخلافة إلى ملك عضوض وملك جبرية ، إنما كان لضياع هذه السنن ، أو لأنها تحولت إلى معرفة عامية ، بدل من أن تظل معرفة علمية في صدور الذين أوتوا العلم . وهذا ما قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم : « يحدث هذا أوانٌ ذهاب العلم » . إن الأصل الذي يحتوي عليه الحديث ، ضروري ونافع في عامة البحوث ، لذا أشعر بضرورة الإشارة إليه أثناء البحث في كل موضوع يحتاج إليه .
    وقبل أن أختم البحث أنبه إلى ما سبق ذكره من أن كلام ابن خلدون عن العوائد ، يوهم أنها غير خاضعة لسلطان الإنسان . والحقيقة أن هذه العوائد ، تنشأ ثم تعمل عملها في حياة الإنسان والمجتمعات وفق سنن وقواعد ، إذا عرفها الإنسان استطاع أن يتحكم بالعادات ويصرفها وفقاً لما يريد .
    وموضوع العوائد ليس مثل الهرم الذي يصيب الإنسان . فالهرم الذي ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم : أنه لا دواء له هو هرم الإنسان ، لأن هرم المجتمعات له دواء يمكن علاجه بعد أن يقع ، كما أنه يمكن منعه قبل وقوعه ، حين يسيطر الإنسان على سنن رسوخ الفكرة وسنن التغيير .
    وفن تغيير ما بالنفس مهمة الإنسان كما بينا في هذا الكتاب .
    وشيء آخر نريد التنبيه إليه ، وهو أن العلم له مقام كريم في القرآن ، وحين جعلنا عنوان هذا الفصل « ما بالنفس يتفاوت في الرسوخ » كان مستندنا في ذلك قوله تعالى :
    « وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ » آل عمران – 7 .
    إن لرسوخ العلم ميزة خاصة من المعرفة ، أو كيفاً خاصاً للعلم ، به يعطى الإنسان سلطاناً لا يتيسر لمن لم يرسخ في العلم . وإذا فهمنا أن العلم قابل للزيادة والرسوخ ، زال تخوفنا من العلم ، وزالت الفكرة التي طالما ملأت رؤوس المسلمين : أن العلم لا يؤدي إلى فهم الحق ، ولا يحل مشكلة المسلمين . وما يقال عن العلم والأخلاق والثقافة من أنها متغايرة ، سببه تفاوتٌ في رسوخ العلم وزيادته . وأصل التشويش الذي يحدث ، هو أن السلوك في مرحلة من مراحل العلم ، لا يتكيف مع العلم الذي حصل كالذي « أضله الله على علم » الجاثية – 23 – ولكن ليس عيباً في العلم ، وإنما هو نقص في ترسيخ العلم ، ونقص في صاحبه ينبغي أن يكمله لا لزيادة منه ، والترسخ فيه .
    « وقل ربِّ زدني علماً » طه – 114 - .
    والمسلمون حين بحثوا الإيمان والإسلام ، وهل الإيمان قول وعمل أم لا ، إن هذا البحث أيضاً راجع إلى نفس المشكلة التي هي علاقة السلوك بالمعرفة ، وهذه العلاقة درجات على حسب رسوخ العلم :
    « قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم » الحجرات – 14 - .
    وعدم التنبه إلى تفاوت رسوخ العلم وزيادته ، هو الذي أدى بالبعض إلى القول : إن هناك علماً ظاهراً وعلماً باطناً ، أو علماً عادياً وعلماً لَدُنِّيَّاً ، وإنما هو علم ناقص أو علم لم يرسخ . وقل : رب زدني علماً .
    كيف تلقى السنن القبول عند المسلمين
    إن كل سنة ومثال في التغيير ينبغي أن يكون مُستنداً إلى القرآن الكريم ، لتكسب السنَّةُ فاعليتها عند المسلمين .
    إذ من الأمور التي تخص المسلمين في مشكلة تغيير ما بالنفس ، ولاسيما فيما يتعلق بالسنن وتطبيقاتها ، الحاجة الماسة التي ينبغي أن يراعيها من يمارس مشكلة التغيير أن لا ينسى في لحظة واحدة من اللحظات ، ضرورة ارتباط السنن والأمثلة والتطبيقات بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، من غير أن ينسى أيضاً سيرة السلف الصالح ما أمكن ذلك . كما عليه أن يكون حاذقاً في ربط الموضوع بهذه المصادر ربطاً وثيقاً ، وأن لا يمل من التذكير بكل مناسبة بمرجع سنن المجتمعات ، من آيات القرآن في الكتاب العزيز ، والسنة الصحيحة ، وتطبيقات السلف الصالح . وفي هذه المصادر لمن أحسن التعرف عليها ، مادة غزيرة تدعمه بما لا يشعر معه المصلح أنه في حاجة إلى مزيد . ولقد تنبه المستشرق صاحب كتاب حاضر العالم الإسلامي إلى ذلك .
    والأمر الذي يجعل هذا الارتباط ضرورياً – ولاسيما المرحلة الأولى – هو الحالة النفسية التي يعيشها المسلمون الآن ، والتي تحول بينهم وبين تذوق معنى سنَّة الله في خلقه .
    بل إن الالتباس في حاصل – بوعي منه أو بغير وعي – إن لم يسبقه أو يلحقه ما يدعمه من الكتاب الكريم والسنة النبوية .
    والذي يحول دون استفادة المسلمين من سنن التغيير وتطبيقاتها ، أن الذين يبحثون هذه الأمور ويمارسونها - إن كان هناك من يمارسها - لا يستطيعون ربطها بمبرراتها من كتاب الله وسنة رسوله . وذلك إما لجهلهم بالكتاب والسنة ، أو لاعتقادهم أن هذه السنن لا يعترف بها القرآن ولا السنة . بل ربما استخدموا هذه السنن لعزل المسلمين عن عقيدتهم بسبب جهلهم لحائق القرآن أو بسبب تجاهلهم لها . ولكن ما لنا ولهؤلاء الذين شأنهم هكذا ، فما بال أولئك الذين يتعلقون بالقرآن والسنة بكل ما أوتوا من حماس إيماني ، متوارث خلال العصور المديدة ! إن هؤلاء لهم مشكلة أخرى معاكسة لمشكلة أولئك ، فهم لا يعيرون اهتماماً للبحوث التي تعني بتغيير المجتمعات ، لا لأنهم لا يشعرون أن محيطهم لا يحدث فيه تغيير ، بل لأنهم إلى الآن لم يمكنهم أن يدركوا ارتباط هذا التغيير بالسنن النفسية على التغيير ، سواء في إيقاف التغيير أو إبطائه أو تغيير وجهة سيره في الجانب الذي يريدون . فمن هنا لا يخطر لهم أن يصرفوا جهداً في هذه الدراسات ، فضلاً عن أن يروا مواطنها وأصولها من الكتاب والسنة .
    وأهم شيء يحث عليه القرآن ومن أجله أنزل الله الكتب وأرسل هو تغيير المجتمعات . فلهذا كان الإلحاح في القرآن لينظر الناس إلى سنن الذين خلوا من قبل . والسنة (القانون) ، وهي التي على أساسها ترتفع وتنخفض المجتمعات ، وعلى أساسها يكافئ الله ويعاقب . وعلى البشر أن يتفهموا هذه السنن ، حتى ينالوا رحمة الله ويبتعدوا عن انتقامه . لهذا يقول الله تعالى : « وإن يعودوا فقد مضت سنَّة الأولين » الأنفال - 38 - أي وإن يعودوا لأعمالهم الفاسدة الناشئة عن تصوراتهم ، واعتقاداتهم الخاطئة ، فقد مضت سنَّةُ الله في نزول العقاب على أمثال هؤلاء .
    ويقول الله تعالى أيضاً : « ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين ، وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ، كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به وقد خلت سنَّة الأولين . ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سُكرت أبصارنا بل نحن قومٌ مسحورون » الحجر - 11 - 15 .
    في هذه الآيات بين الله تعالى كيف أن ما بأنفس هؤلاء القوم من الأفكار ، راسخة ثابتة وجامدة ، وكيف أن نظر هؤلاء محدوداً جداً ، وأن هذه المحدودية في النظر تحول بينهم وبين أن يكون محتملاً عندهم وجود طريقة للحياة أفضل مما هم عليه .
    وهذا الجمود في النظر من غير برهان ولا هدى ولا كتاب منير ، يكون قوياً وصلداً كلما جهل الإنسان المواقف التي مر بها البشر السابقون أي سنَّة الأولين .
    ولو أن هؤلاء كان عندهم علم بأحوال الماضين وما حدث لهم ، وما كان بأنفسهم من أفكار ، وكيف ظهرت آثارها على مر الزمن ، لكانوا في جمود أقل ، وغرور غير بالغ حد اليقين ، ولكانت قدرتهم على تأمل ما جاءت به الرسل أوفر . ولكن الجهل الذي أطبق عليهم ، أعجزهم أن يروا إمكان وجود وضع أفضل مما هم عليه في الفكر والعمل ، وفي الغاية والوسيلة .
    وتعتبر سنَّة الماضين حسب نهج القرآن دعماً للبشر ، ومساعداً لهم في الابتعاد عن الوقوع في الخطأ مرة أخرى . وكل التجارب البشرية العريقة في القدم ، والموزعة على أقطار البسيطة ، تراثٌ من العبر لكل الناس إذا أرادوا أن ينظروا إليها . وكل الذين لا يتذكرون ما وقع فيه الماضون من أخطاء ، يكونون مُعرضين لإعادة دفع ثمن جهلهم اجتماعياً ، في حياتهم الدنيا ، كما هم معرضون لخسارة النفس في الآخرة حين يقولون :
    « لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير » الملك _ 10 _ .
    ومعنى سنَّة الأولين في الآية التي كنا ذكرناها …
    « لا يؤمنون به وقد خلت سنَّة الأولين . ولو فتحنا … » : غير مختص بالأولين فقط ، بل هذه السنَّة تشمل كل الذين كانوا قبلنا ، حتى الذين جاءوا بعد نزول هذه الآيات ، كما تشملنا نحن أيضاً . وسنصير يوماً ما من سنَّة الأولين لمن سيأتون بعدنا .
    والبشر في سيرهم ، تتراكم الأمثلة والنماذج أمامهم ليعتبروا بها ، ويستفيدوا منها . فلهذا يدخل في سنَّة الاعتبار ، الأحداث التي حدثت بع نزول القرآن ، خلال هذه العصور في كل أقطار الأرض ، سواء في المجتمعات المؤمنة ، أم الكتابية أم الوثنية .. وإدراك مثل هذه السنن وعلاقة ما بالأنفس بما يحدث للأقوام ، هو الذي جعل ولز يقول :
    « إن مصائب الحرب العالمية ، وما نزل بالناس من دمار وما حل عليهم من عذاب ، كانت الجزاء الوفاق لما يحمله الناس من أفكار خاطئة »(1) .
    والقرآن الكريم في وصفه للمجتمع الإسلامي في المدينة ، وتذكيره بسنن الذين خلوا من قبل :
    « لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض ، والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورنك فيها إلا قليلاً ملعونين أينما ثقفوا ، أخذوا وقتلوا تقتيلا . سنَّة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنَّة الله تبديلا » الأحزاب - 60 - .
    إن المجتمع الذي يستطيع أن يتغلب على المخادعين ، والذين لم تطمئن قلوبهم ، والذين يشيعون روح الهزيمة في المجتمع ، إن هذا المجتمع يملك مقومات الاستمرار … « لا يجاورونك فيها إلا قليلاً » : أي أن هؤلاء مطرودون ، ولن يتمكنوا من إيقاف السير ، ولن يؤثر إرجافهم .. بل سينفون من المجتمع ويقذف بهم بعيداً .
    إن للصراع في المجتمع سنناً ، ومن لا يتبع السنن يخر صريعا .. ولهذا يعقب الله على وصف حال مجتمع المدينة بقوله : « سنَّة الله في الذين خلوا من قبل ، ولن تجد لسنَّة الله تبديلا » . يذكر النموذج الحاضر في المدينة ، ويشير إلى الذين خلوا من قبل ، ثم يضع القاعدة بأن هذا الحدث تابع لسنَّة الله ، ولن تجد لسنَّة الله تبديلا .
    إن الله تعالى حين يعرض نموذج المجتمع المدني ، لا يعرضه كحدث خاص بمجتمع المدينة المنورة ، بل إن هذا الذي حدث في المدينة ، نموذج من النماذج التي تتبع لقاعدة : « لن تجد لسنة الله تبديلا » . فكل من يريد أن يبني مجتمعاً ، أياً كان هذا المجتمع ، وأياً كان مثله الأعلى ، عن لم يسر على السنة ، وإن لم يعرف عوامل الهدم والبناء ، فلن يتمكن من إقامة مجتمع .
    يقول كارليل في حديثه عن الرسول صلى الله عليه وسلم - وإن كان هدفه غير ما نريد هنا الآن - قال :
    « لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد متمدين من أبناء هذا العصر أن يصغي إلى ما يظن من أن دين الإسلام كذب ، وان محمداً خداع …. فوا أسفاه ما أسوأ مثل هذا الزعيم .
    وبعد ، فعلى من أراد أن يبلغ منزلة ما في علوم الكائنات ، أن لا يصدق شيئاً البتة من أقوال أولئك السفهاء … ولعل العالم لم يرقط رأياً أكفر من هذا وألأم ، وهل رأيتم قط معشر الأخوان أن رجلاً كاذباً يستطيع أن يوجد ديناً وينشره .. عجيب والله إن الرجل الكاذب لا يقدر أن يبني بيتاً من الطوب ! »(1) .
    وفي العصر الحاضر نماذج من المجتمعات التي تقام حديثاً ، بصرف النظر عن قيمة مثلها الأعلى ، ولكن حتى هذا المجتمع ، لا يقوم إنْ لم يملك الفهم والعمل الكافي لحماية نفسه وتطهيرها من عناصر التخريب … « سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا » .
    وحين يتعلم الإنسان كيف يتعامل مع السنن ، يستطيع أن يستفيد من أخطاء ومن صواب الكافرين ، فضلاً عن المؤمنين ، وذلك إذا تمكن أن يصل إلى درجة التعامل مع السنن مباشرة دون أن تتدخل عداوة أو صداقة من سخر هذه السنن .
    إن هذا المستوى من الإدراك ، لا يصل إليه إلا من كانت منافذ الفهم وإدراك الصواب لديه مفتوحة ، حيث لم يتوصل التقليد إلى إغلاقها . وهذا ما يحثنا الله سبحانه وتعالى على فعله حين يصف لنا أولي الألباب : « فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب » الزمر - 18 - .
    والقرآن الكريم يعرض لنا الأمثلة ممزوجة بالسنن ، بالواقع المعاش ، بالعبر الماضية فانظر مثلاً إلى قوله تعالى :
    (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم ، فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا . استكباراً في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله . فهل ينظرون إلا سنة الأولين . فلن تجد لسنة الله تبديلا ، ولن تجد لسنة الله تحويلا . أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) فاطر 43 - 44 .
    في هذه الآيات يعرض الله لنا :
    1"- الدعوى : حالة قوم يؤكدون أنهم سيكونون أهدى لو جاءهم نذير ، ولما جاءهم النذير لم يكونوا عند قولهم .
    2"- سبب إخلافهم الوعد : الاستكبار والمكر السيئ .
    3"- مجال الكشف : ويمكن رؤية هذا الارتباط بين هذه الحالة وسببها ، بالنظر إلى تاريخ الأولين وخلال أحداث التاريخ لمن يسير في الأرض وينظر .
    4"- ثبات السنة : ثم يبين أهمية السنن مجردة عن الأمثلة التاريخية حتى لا يتحول التاريخ إلى سنة ، لأن التاريخ يتبدل ، والسنة لا تتبدل . وفهم هذه النقطة حصانةً للسنة من الضياع .
    5"- مصدر التاريخ والسنة : هو السير في الأرض ، والنظر إلى العواقب ، لأن ذلك يكسب الإنسان معرفة بالتاريخ ، كما يكسبه قوانين الحياة وسننها .. وهذا الأمر لا يتحقق بمجرد الدرس ، وإنما بالسير والكشف أيضاً .
    وهنا ينبغي أن ننتبه إلى أن تحقيق بعض أوامر الله ، لا يتم إلا بالبحث خارج القرآن بأمر من القرآن الكريم .
    ومثل هذه الحالة الاجتماعية التي يعرضها الله تعالى هنا ، مثل آخر في القرآن يبين فيه حالة معينة من الدعوى العريضة والعجز الفاضح :
    « ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ، قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا ؟ قالوا : وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله ، وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا ، فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم ، والله عليم بالظالمين . وقال لهم نبيهم : إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ، قالوا : أنَّى يكون له الملك علينا ، ونحن أحق بالملك منه ، ولم يؤت سعة من المال . قال : إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ، والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم … » البقرة - 246 - .
    ولما قال لهم موسى « استعينوا باله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين » قالوا له : « أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ، قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ، ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون » الأعراف - 129 - .
    قالوا له هذا القول ، أي كأنهم قالوا : ليس في مجيئك فائدة فالأذى لم يُنزل عنا بمجيئك ، فيقول لهم موسى : هناك أمر أهم من هلاك عدوكم واستخلافكم في الأرض ، وهذا الأمر الأهم هو كيف ستعملون حين يستخلفكم ؟ هذا الذي لا تعلمون حسابه الآن … هذا الذي لم تُختبروا به بعدُ .. ولقد قال الله تعالى :
    « فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ، أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم ، وأعمى أبصارهم . أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها » محمد - 24 - .
    إن الذين لا ينتبهون إلى تلك النقائص الاجتماعية لا يمكنهم أن يتفادوها قبل وقوعها ، إلا إذا كانوا يدركون أسبابها وسننها . وإذا فاجأتهم نتائج تلك النقائص يظلون حيارى لا يجدون مخرجاً ، وليس أبلغ من وصفهم بقوله تعالى : « أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم ، وأعمى أبصارهم . أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها » محمد - 24 - .
    إن الاستكبار الذي جعله الله سبباً لأن يحيق بهم المكر السيئ في الآيات التي سبق أن ذكرناها ، إنما هو ما ذكره الله هنا من العمى والصمم ، والإقفال على القلوب ، لأن الاستكبار حالة نفسية ، أي فكرة خاطئة بالنفس ، تجعل الإنسان مستكبراً ، يقول مالا يفعل ويدعي مالا يقدر عليه . كل ذلك ناشئ من التقدير الخاطئ للواقع والسنن ، ناشئ من نظر ذاتي محدود …. والإنسان ذو الفهم الصحيح والإدراك الجيد لوقائع التاريخ لن يكون مستكبراً ، إذ أن الاستكبار إنما منبعه فراغ في الفهم ، وفراغ في إدراك الحقيقة .
    إن المستكبر يتصف بالبعد عن النظر الموضوعي(1) ، وهذا البعد مبعثه الغرور ، الذي هو محتوى نفسي خاطئ .
    ومشكلة الاستكبار تلقى اهتماماً كبيراً في القرآن ، لأن الفارغ عن فهم الحقيقة يكون مستكبراً حين يملك ، ويذل إن زال عنه الملك . والمؤمن لا يكون مستكبراً حين يملك ، ولا ذليلاً إن أصابته مصيبة . وهذا لا يتأتى إلا عن الفهم الموضوعي والعلم ، لا لمجرد وصفه بالإيمان ، لأن الإيمان ثمرة العلم والفهم . لهذا لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين .
    إن الاستفادة من السنن وملاحظة الأمثلة والأحداث ، تقدم للناس بصراً ومعرفة وعملية ، حتى لا يقعوا فيما وقع فيه من قبلهم ، أو تنقذهم إذا وقعوا فيها ، أو على أقل تقدير ، تكسبهم صلابة موقف من يدرك السنة ، لا موقف من يرى السنن يختلف عن نظر وموقف من يجهل مصدر الأحداث . فإن حيرة وخوف من يجهل ، غير بصيرة من يعلم ، وغير طمأنينته . فإن من يجهل يطمئن حيث لا طمأنينة ، ويقلق حيث لا قلق ، ويعيش في حيرة من جراء المصائب التي تنزل به ولا يعرف مأتاها إلا ظناً وتخرصاً .. أما من يعلم وإن كان يعجز عن تغير كل شيء مرةً واحدة ، فإنه يعرف أين يضع القلق ، وأين يضع الطمأنينة ، ولا يصاب بالحيرة ، وإنما يقوم بما يقوم به من عمل فيما يُجدي دون أن يَحْقِرَ ما يقوم به من عمل ، ولا يطمع في إزالة الجبال في ساعة ، ولا يحقر من جهده القليل الذي يبذله مما يقرب إلى الهدف ، كمن يمشي على الخريطة والبوصلة ، لا كمن يضرب في تيه الأرض دون معرفة .
    إن إدراك السنن والتعامل معها ، هو الذي يجعل الإنسان يمشي سوياً على الأرض ، ومن يجهلها فهو المكب : « أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أمن يمشي سوياً على صراط مستقيم ؟ » الملك - 22 - .
    إذا تذكرنا شأن شيع الأولين ، وأنه لو فُتح عليهم باب « من السماء فظلوا فيه يعرُجون لقالوا إنما سُكرت أبصارنا بل نحنُ قومٌ مسحورون » . قد سبق أن ذكرنا محدودية هؤلاء في الفكر ، وجمودهم على ما هم عليه ، وأنه لا يخطر في بالهم احتمال طريق أفضل للوصول إلى غاية أسمى .
    فإذا وجدنا اليوم حال المسلمين في الجمود ، والغرور ، والمحدودية في النظر ، واعتقادهم أنه لا يمكن أن يكون هناك صواب إلا عندهم . وكيف لا ! وهم أهل الحقيقة ، وعلم اليقين من الكتاب والسنة المحكمة ! .
    هنا تبرز المشكلة بكل ثقلها ، وبكل ما تحمل من خلط .
    لندع ثقل المشكلة الآن ، ولننظر إلى أن هذه الحالة الاجتماعية ، تنشأ عن مفاهيم ونظرات معينة ، تصيب المجتمعات وتشمل البشر كبشر .
    فإذا وجدنا تشابهاً بين المسلمين اليوم ، ووضع أمم سابقة لهم ، علينا أن نعلم أن سنة الأولين قد انطبقت علينا . كما أنه ينبغي أن لا يسيطر علينا حبنا لذواتنا وأنفسنا ، فيعمينا عن إدراك ، كيف يمكن أن ينطبق علينا ما انطبق عليهم .
    فإذا رأينا أنفسنا في حجر الضب ، ونفعل مثل ما فعل الأولون ، حذو القذة بالقذة شبراً بشبر ، فعلينا أن لا نستغرب أن يصيبنا ما أصابهم ، لأن السنة التي لا تتبدل ، لا تميز بين السابقين واللاحقين ، ولنما تعمهم جميعاً : « ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به » النساء - 123 - .
    إن الاستكبار منع الأولين من إدراك الواقع ، نحن مستكبرون وأذلة أيضاً في آن واحد . وليس غريباً أن يجمع الوصفان . ففي صحيح مسلم بين الرسول أن من الذين لا ينظر الله إليهم ، « العائل المستكبر » . فقد جمع بين العيلة والاستكبار . وكذلك نحن عالة مستكبرون ، لا نظن أن احداً يملك شيئاً من الحق له قيمة ، ونحن عندنا الحق كله . ومع ذلك لا نستطيع أن نخفي ذلتنا وهواننا . وهذا الهوان الفاضح هو الزاد الوحيد الآن ، لنجعل المسلم ينتبه . فهذا الذل هو الممسك الواضح للبدء في طريق الشفاء ، لأنه لا يمكن بَدء البحث إلا من نقطة نسلم بها . ولا يمكن أن ينصت المسلم إلا عند هذه النقطة ، هذا أن لم تأخذه العزة القعساء وعنجهية الكبرياء فتسد عليه منافذ التأمل والانتباه .
    إن ثقل المشكلة التي أشرنا إليها ، يتخفى في مخبأ مكين آخر وهو ، صعوبة أن يفهم ويتذوق ، كيف أن صاحب الكتاب والسنة ، وعلم الحقيقة واليقين ، يمكن أن يأتيه يوم ، لا يجديه الكتاب والسنة ولا ينفعه علم اليقين الذي كان عنده يوماً ما . إن سليمان لما قضى عليه الموت بقي هيكلاً قائما وبقيت الجن في العذاب المهين إلا أنَّ دابة الأرض أكلت مِنسَأته التي كان يتكئ عليها فخر . والعالم الإسلامي فقد روحه ، وظل متكئاً على عصاه ، ولكن العهد الاستعماري قام بمهمة الدابة ، فخر هذا العالم وهو لا يكاد يصدق ما حدث له وكيف حدث .
    إن ثقل المشكلة ، في إقناع المسلم كيفَ فقدَ الكتاب والسنة ، وفقد الحقيقة وعلمَ اليقين ، كما فقد مواعيدَ الكتاب والسنةِ بالنصرِ والتأييد . كلُّ ذلك أزال يقينه ، فتغيرت أمامه الدنيا ، واختلطت عليه الأمور ، وتداخلت الكبرياء بالهوان ، ومواعيد النصر بالهزائم المتوالية .
    ونحنُ لا نزالُ في بحث أن السنة (القانون) ، لا تجدي عند المسلم إن لم تستند إلى الكتاب والحديث . وهنا نريد أن نستأذن كبرياء المسلم ، أن يتأمل معنا حديثاً للرسول صلى الله عليه وسلم .
    قاعدة هامة :
    إن هذا الحديث من المرتكزات القيمة لفهم هذه السنة العجيبة ، التي أعيى المسلمين السابقين واللاحقين ، فهم حقيقتها . هذه السنة وردت بوضوح صارخ في حديث صحيح للرسول صلى الله عليه وسلم . عن زياد بن لبيد أنه قال : « ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً فقال : وذاكَ عندَ ذهاب العلم . قلنا يا رسول الله وكيفَ يذهبُ العلمُ ونحنُ نقرأ القرآن ونُقرِئُه أبناءنا ، وأبناؤُنا يقرئُونهُ أبناءَهم إلى يوم القيامةِ ؟ فقالَ : ثَكِلتكُ أمكَ يا ابن لَبِيد ، أن كنتُ لأراكَ مِن أفقَهِ رَجُل بالمدينة . أوَ لَيس هذهِ اليهودُ والنصارى يقرؤون التوراةَ والإنجيلَ ولا ينتفِعونَ ممِا فِيهِما بشيءً ؟ »(1) .
    هذا الحديث يبين أمورا تساعد على فهم أدق للسنن ، وهو من فهم الصادق الأمين (صلى الله عليه وسلم) ، الذي ما ترك شيئاً ينفع أمتهُ إلا وحثهم عليه . إنه كان صلى الله عليه وسلم يرى المستقبل من خلال السنن . السنة التي تعم الجميع ، والتي انطبقت على أهل الكتاب السابقين ، ويمكن أن تنطبق على أهل القرآن . فإن هذا الحديث لا يحتمل أي تأويل أو غموض في الفهم . فانه يذكر سنة ، وحادثة معاصرة لها تاريخ سابق ، ومثالاً سيأتي ، فانه جمع بذلك الماضي والحاضر والمستقبل . لأن الموضوع يخضع لسنة ، إذ كل من اكتسب الحالة النفسية التي كانت عليها اليهود والنصارى يحل به ما حل بهم . وهذه الحالة النفسية المشابهة ، يطلق الله عليها تشابه القلوب ، ويقول الله في ذلك : « وقال الذين لا يعلمون ، لولا يكلمنا اله أو تأتينا آية ، كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم ، تشابهت قلوبهم ، قد بينا الآيات لقوم يوقنون » البقرة _ 118 _ .
    أن فكرة الاجتراء على المعاصي ، على أساس أنهم يعذبون قليلاً ثم يذهبون إلى الجنة ، فكرة منتقدة على اليهود والنصارى ، ولكن ذلك لم يمنع المسلمين من الاحتجاج بنفس الحجج . قال الله تعالى : « وقالوا لن تمسنا النار إلاَّ أياماً معدودة ، قل أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون » البقرة _ 80 _ .
    وقال : « ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب . يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ، ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ، ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون » آل عمران _ 24 _ .
    ومثل هذه القياسات والخصوصيات التي تدعيها الأقوام لنفسها ، ينفيها الله تعالى في قوله : « ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ، من يعمل سوءاً يجز به ، ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيرا » النساء _ 123 .
    في هذا الحديث الذي نحن بصدده ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : « يَحدثُ ذَاكَ عِندَ ذَهابِ العِلم .» ويصعب على الصحابي أن يفهم كيف يذهب العلم ومعهم مصدره . فيضرب الرسول صلى الله عليه وسلم المثل على إمكان ذلك ، من واقع الحياة المعاصرة لهم ، من مجتمع سابق لا يزال معاصراً لهم ، معهم الكتاب ، ولا ينتفعون مما فيه بشيء .
    وهدفي من سياق الحديث هنا ، أن أثبت أن مصير المسلمين إلى ما صار إليه السابقون أمر ممكن ، وهذا ما تم . فالمسلمون اليوم يقرؤون القرآن والحديث ولا ينتفعون مما فيهما بشيء ، وما ذلك إلا لذهاب العلم ، الذي ذهب معه الانتفاع منهما كما يبين الحديث . وهنا لا أُحمل الحديث شيئا لا يحتمله ، وإنما سياقه ونصه هو الذي يثبت هذا بالذات . إن الرسول صلى الله عليه وسلم يقرر أنه إذا ذهب العلم ، يذهب معه الانتفاع مما في القرآن والحديث أيضاً . وقد نختلفُ على حقيقة هذا العلم ، وهَل هو عندنا ، أم ليس عندنا ؟
    ولكن المهمَّ أن الرسول صلى الله عليه وسلم حدده بأنه علم . ومهما اختلفتا فإن الواقع أقسى من أي خلاف .
    إن الواقع بكل ثقله وكل دلالاته الصارخة والخفية ، يقول : إن المسلمين لم يعودوا يملكون العلم الذي ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم ، هذا العلم الذي مجده الله في القرآن ، وعلى أساسه أثبت تفاوت الناس ، ورفع بعضهم فوق بعض درجات . وبأسلوب إنكاري نفى أن يتساوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون .
    إن العلم له يعد له مفهوم واضح عند المسلمين . ولا يعرفون له تعريفاً يستطيعون أن يميزوا به ما هو علم مما هو ليس بعلم ، وهذا يفقد العلم قيمته ، فيختلط بالظن ، وينظر إليه كما ينظر إلى الأوهام والظنون ، فهذا هو معنى ذهاب العلم . وكثيراً ما يمدح المسلمون دينهم بأنه دين العلم ، ويريدون بذلك أن يزينوه كما يتزين الفارغون بالأزياء الجديدة . ولكن حين يُبحث الموضوع على أساس العلم ، نرى أعينهم تدور كالمغشي عليه ، ويصير العلم عندهم هو والظن سواء ، ويفضلون أن يتمسكوا بنظرات ذاتية كوَّنوها عن الإسلام ، رسخت على مر العصور .
    وليس موضوعنا هنا هو بحث العلم ، هذا العلم المظلوم ، الذي لم يعد له مقام في العالم الإسلامي . فهو روح فقدناه وحقيقة غبنا عنها . وما لم يرجع هذا العلم إلى المسلمين ، بكل ما منحه الله من قوة وسلطان ، فلن يقدر المسلمون أن يستفيدوا من الكتاب والسنة ، وسيظلون يتدحرجون تحت أقدام اللاعبين ، مهما ظنوا أنهم أهل القرآن وعلم الحقيقة واليقين .
    وهنا يختلط على المسلم تقديسه للكتاب والسنة ، واعتقاده أنهما يغنيان عن كل شيء بأمر آخر وهو كيف لم يرفعا عن المسلم الهوان الذي وقع فيه .
    فهنا نخطئ ويصل تقديسنا للكتاب والسنة إلى الغلو ، حين ننسب إليهما شيئاً ليس من مهمتهما ، إذ ليس من مهمة الكتاب والسنة ، أن يرفعا الهوان عن قو لا يستخدمون أسماعهم وأبصارهم وأفئدتهم . فهذه الملاحظة أمر جوهري ، علينا أن نتأملها جيداً ، إذ ليس من شأن الكتاب والسنة الهداية ، إلا أن بعض البشر ، يزيدهم هذا الكتاب ضلالاً ولا يزيدهم هدىً . قال تعالى :
    « يصل به كثيراً ويهدي به كثيراً » البقرة - 26 - ويقول الله تعالى : « إنما تنذر الذين يخشون ربهم » فاطر - 18 - « إنما تنذر من اتبع الذكر » يس - 11 - . « لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين » يس - 70 - .
    هذه حقيقة علينا أن نفهمها جيداً ، إذ ليس مما ينقص من قدر الكتاب والسنة ، أنهما لا يرفعان شأن قوم ، لم يرفعوا بما بعث الله به رسوله رأساً .
    وعلينا أن نكرر هذا ، حتى لا يُفرض على الكتاب والسنة ما ليس من شأنهما . ثم على أساس هذه الفريضة ، يظن أن الكتاب والسنة لم يقوما بمهمتهما . ونقع في هذا الخلط بدون شعور منا . فهذا الغموض ، وهذه الفرضيات التي فرضناها ، وابتدعناها تعظيماً للكتاب والسنة ، توهمنا أن الكتاب والسنة ، لم يؤديا المهمة التي ظننا أنهما ينبغي أن يقوما بها . وهذه متاهة ومكان للالتباس ، وعلينا أن نعرف أن الكتاب يظل كاملاً ، ويظل متصفاً بكل صفات القداسة ، ولا يشترط أن يرفع الكتاب رأس من لم يرفع به رأساً .
    وبعد أن نفهم هذا . نستطيع أن نرجع إلى هذا المسلم الذي يكمن الداء فيه ، إذ فقد الاستفادة من الكتاب والسنة لفقدانه العلم ، لا لأن الكتاب والسنة لم يعد فيهما ما ينفع . فإن اتضح هذا فلا يجوز أن نحمِّل الكتاب والسنة ما ليس من شأنهما .
    ولكن يبقى بعد ذلك أن هذا المسلم تظل أمامه عقبة أخرى ، مثل تلك العقبة التي مررنا بها وهي : هل يمكن أن يعترف المسلم أنه بلغ درجة لم يعد ينتفع مما في الكتاب والسنة شيئاً ؟ إن هذا الاعتراف شيء ليس سهل المنال . إن إدراك هذا ورسوخه بوضوح في أعماقه ، أمر له أهمية بالغة ، لأن المسلم إن لم يفهم هذا ، لا يمكن أن يتوب مما فيه . وكيف يتوب وهو لم يشعر أنه أذنب !
    إن الفهم شرط التوبة ، شرط تغيير ما بالنفس . والتائب هو الذي غير ما بنفسه .
    إن الكتاب والحديث ، وكل السنن الكونية ، تظل معطلة بالنسبة للإنسان ، إن لم ينتبه إليها . وليس معنى هذا ، أن هذه السنن يبطل مفعولها ، ولكن معناه ، أن المسلم لا يستطيع أن ينتفع منها . فالمشكلة ، ليست في أن الكتاب لم يقم بمهمة الإيقاظ ، ولكن المسلم لم يقم بواجب النظر .
    إن عقل المسلم لم يتعلق بالكتاب والسنة بمعنييها ، بمعنى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبمعنى سنن الله في الكون . وبهذا نكون حددنا ، أن مكان المشكلة ، ليس في الكتاب والسنة بمعنييها ، وإنما في العقل ، الذي فقد وظيفته في العالم الإسلامي . ويكفي على هذا دليلاً ، إغلاق باب الاجتهاد في العالم الإسلامي خلال القرون الطويلة . إن هذا الإغلاق لم يأت من الكتاب والسنة ، ولا أمراً به ، بل من أهم ما يعنى به الكتاب والسنة : الاجتهاد ، ثم الاجتهاد ، ثم الاجتهاد … ولكن العالم الإسلامي هو الذي أغلق الباب ، باب الاجتهاد ، باب العقل ، الذي يمكن أن يدخل إليه الكتاب والسنة ، ليقوما بمهمة توجيه هذا الإنسان . وكان الهدف من إغلاق باب العقل عند المسلمين ، حماية الكتاب والسنة من التلاعب والتلفت . ولكن هذا الهدف لم يخدم الكتاب السنة ، لأن العقل المقفل لا ستطيع أن يحمي الكتاب والسنة .
    واليوم إن الذين يرفعون لواء الكتاب والسنة في العالم الإسلامي ، وكل الربانيين الذين ظهروا في الأمة ، ليسوا أولئك الذين أغلقوا عقولهم ، وأغلقوا باب عمل العقل عن الجد والاجتهاد ، وإنما أولئك ، الذين سعوا ، ولا يزالون يسعون جهدهم لأعمال العقل ، وإعادة العملية الوظيفية للعقل الإسلامي ، الذي أصيب بالكساح منذ قرون طويلة ، حتى صار مقعدا .
    والمتاهة التي يضيع فيها المسلم ، هو ظنه ، أنَّ من بيده الكتاب والسنة لا يضل عن الكتاب والسنة ، وجهله أن من فقد العلم ، الذي هو نتيجة فتح السمع والبصر ، يفقد الانتفاع بالكتاب والسنة .
    إن العالم الإسلامي ، إن لم يستعمل سمعه وبصره وفؤاده فيما خُلق له ، فإن كنوز الكتاب والسنة ، ستظل مقفلة أمامه ، مهما أكثر من طبعاته ، وأثقل من حملها رفوف المكاتب . وفي مثل هذا ضرب الله مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها .
    إن القلوب التي الطبع ، والعيون التي عليها الغشاوة ، والآذان الموقورة ، لا تتفاعل مع الحقيقة .
    وهناك مشكلة أخرى أيضاً ، ليست أقل استعصاء الحل ، أمام فكر المسلم ، فهي عقبة صعبة الاقتحام ، يمثلها هذا التساؤل : إن كان هذا الأمر حقاً ، فكيف خفي على الملايين من المسلمين ، خلل مئات السنين ؟
    إن هذا التساؤل وارد ، سواء في أول الطريق أو في آخره . وما لم تزل هذه العقبة ، فلا يمكن التقدم في حل المشكلة . فهي نوع من الآصار ، والأغلال ، التي تحدث الرعود والبروق في عقل المسلم ، فلا يعد قادراً على تأمل الموضوع . لأن في قبوله لذلك ، إدانة الملايين . وفي رفضه ، زيادة التعقيد والحيرة . وأرى في ذلك إخلاص السائل . كما أرى أن حل هذا التساؤل ، وإزالة المشكلة ، يكون سبباً لراحة المسلم ، وتطمين ضميره . وبدون هذا الحل ، يشعر بامتعاض ، وقد يتمنى لا شعورياً ، ألا يواجه المشكلة . ولكن لا بد من إزالة التيارات المزعجة . وعقل المسلم ، يُقبل على هذا بكل حذر ، مثل حَسْوِ الطير للماء ، حين خوفه .
    فهذا الخوف ، من إدانة المئات من الملايين من المسلمين ، بأنهم لم ينتبهوا إلى هذا خلل مئات السنين . لا نقول إن هذا الخوف لا مبرر له مطلقاً ، بل فيه صواب ، كما فيه أخطاء ليست هينة ، وأحياناً تحجُبُ شعرةٌ ، نور العين فتمنعها من الإبصار . وأحياناً تتعقد المشكلة ، وحلها يسير كما قال البدوي :
    رُبَّما تَكْرَهُ النفوسُ مِنَ الأَمْرِ لهُ فُرْجَةٌ كَحَلِّ العِقالِ .
    فيا أخي وعزيزي ، أيها المسلم القلق في كل مكان ، يا من يقلب وجهه في السماء ، باحثاً عن القبلة التي يرضاها . إني أشاركك في قلقك وتطلعاتك . لقد عانيت ما تعاني . فتعال نبحث ، دون أن أتضايق منك أو تتضايق مني . إني لا أتضايق منك ، بل أستبشر بهذه الأشواق التي تحملها إلى المعرفة ، وإلى الكشف ، وإلى شوقك إلى البلاغ المبين . وإني أرى نفسي فيك ، فأنا مشيت معك هذا الدرب ، ومررت على هذه الثغرات ، ويذكرني هذا بقول إقبال رحمه الله :
    ليسَ يَخْفَى عَلىَ القَلَنْدَر(1) فِكْرٌ
    سَاوَرَ النَّشءَ ظَاهراً أو خَفَيّاً
    أنا عِنْدِيْ بِكُلِّ حَالكَ خُبْرٌ
    فبِهَذَا الطَّريْقِ سرتُ مَلياً
    وهذا القلق الذي يخطر ببال المسلم ، من استغراب غفلة الملايين خلال مئات السنين ، حله في الكتاب والسنة ، حين نتوجه إليها بعيون وقلوب مبصرة ، وعندها لن نضل أبداً .
    إن من أوليات ما يعلمنا الله تعالى في كتابه الكريم : أن الباطل لا يكسبُ قوة الحق ، وإن كثر أتباعه وطالَ عمرُهُ .
    « قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث » المائدة - 100 - .
    … والقرآن الكريم يدينُ الذين يلزمون ما كان عليه آباؤهم ، فيقول في ذلك :
    « وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون » البقرة - 170 - .
    والآيات في هذا كثيرة . والقرآن مليء بهذا الموضوع : « إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون » الصافات - 70 - .
    ولاسيما في المحاجة بين الأنبياء وأقوامه : « قال : فما بالُ القُرون الأولى » طه - 51 - إنه نفس السؤال الذي يراودنا الآن . لكن علينا أن نواجه بوعي ، هذا الذي يعترضنا . ونحن هنا نستعين بجواب موسى عليه السلام ، الذي اصطنعه الله لنفسه . قال موسى في الجواب :
    « قَالَ : عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي ، فِي كِتَابٍ . لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى » طه - 52 - .
    والذي أريد أن نستفيده من موسى عليه السلام هنا ، أن فرعون لما قال : فما بال القرون الأولى ؟ كان يريد أن يقول : يا موسى هل أنت وحدك الذي فهمت هذا الذي جئتنا به ؟ فما بال القرون الأولى ؟ يعني : ما بال الأجيال المتتابعة الماضية ، الكثيرة العدد خلال قرون بعيدة . ألم يفهموا هذا الفهم ؟ .
    واليوم قد يخطر في بالنا نحن أيضاً نفس هذا التساؤل . كما يخطر لنا تساؤل آخر ، وهو أن يقال ، إنك تشبه المسلمين بالكافرين ، بفرعون والأمم الضالة الوثنية . ونحن إن أردنا الشفاء ، مما نحن فيه من المصيبة ، علينا أن نتقبل بعض الصعوبات التي لم نتعودها . وعلينا أن نغير شيئاً من نظراتنا إلى المسلمين وقد قدمت أن آية التغيير ، التي هي موضوع بحثنا في هذا الكتاب سنة عامة وليست سنة خاصة بقوم معينين . فكل قوم يحملون نفس الأفكار ، تحل بهم نفس النتائج .
    إن السنن النفسية ، مثل السنن العضوية ، تنطبق على المسلم والكافر . فعلينا أن نمتلك القدرة على أن نرى نفس الفكرة وأثرها ، بصرف النظر عمن يحملها :
    « لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ » النساء - 123 - .
    ثم كذلك ، لا يشترط أن يكون أولئك الآباء من أهل النار ، وأن يصيروا بذلك كفاراً . والخوف من أن نُحمل الآباء ، إثم الخطأ ، يشكل حاجزاً نفسياً يمنع من تأمل الموضوع بنزاهة . فقد يكون لهؤلاء الآباء ، على أخطائهم أعذارٌ عند الله . فقد أخطأ من أهل أحد ، الرماة الذين تركوا أماكنهم ، ولكن انتقل من قُتل منهم ، إلى حواصلِ طيرٍ خضرٍ في الجنة في مساء ذلك اليوم .
    ولابن تيمية ، كلامٌ حسنٌ على هذا الحاجز النفسي عند المسلمين ، قال : « ويترتب على هذا الأصل ، أن الرجل العظيم في العلم والدين ، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم الدين ، قد يحصل منه نوع من الاجتهاد ، مقروناً بالظن ، ونوعٍ من الهوى الخفي ، فيحصل بسبب ذلك ما لا ينبغي اتباعه فيه ، وإن كان من أولياء الله المتقين . ويصير فتنة لطائفتين ، طائفة تعظمه ، فتريد تصويب ذلك الفعل ، واتباعه عليه ، وطائفة تذمه ، فتجعل ذلك قادحاً في ولايته وتقواه ، بل في بره ، وكونه من أهل الجنة ، بل في إيمانه حتى تخرجه من الإيمان . وكل هذين الطرفين فاسدٌ . ومن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظيم ، وأحبه ووالاه ، وأعطى الحق حقه ، فيعظمُ حقَّ ، ويرحمُ الخلقَ ، ويعلم أن الرجل الواحد ، تكون له حسنات وسيئاتٌ فيُحمدُ ويُذمُ ، ويثابُ ويعاقب ، ويحب من وجهٍ ، ويُبغضُ من وجهِ . هذا هو مذهبُ أهلٍ السنَّةِ والجماعة خلافاً لأهل البدعِ »(1) . لهذا كان جوابُ موسى ، جواباً علمياً دقيقاً ، مراعياً الاعتبارات النفسية وحواجزها . كان جواباً رائعاً كان جوابه « علمُها عِندَ ربي » ولم يقل : أولئك الأقوام في كذا ، أو سيصيرون إلى كذا ، لأن المشكلة هنا ، ليست مشكلة أقوام مضت يُرادُ إدانتهم ، ولكن المشكلة ، مشكلة تخليص أقوام لا يزالون يعيشون الآن .
    وعلى المسلم أن يكون حاذقاً في هذا ، فليدع مصير أولئك ، فقد يكونون في مغفرة من الله وضوانهِ . ولكن ذلك ، لا يُبررُ لنا أن نظل في الخطأ ، ولا يبرر لنا أن نحملَ أوزارهم . وعلينا أن نتذكر قوله تعالى الذي تكرر في سورة البقرة في مثل هذا الموضوع ، مرة في التعقيب على الصالحين : « إذ حضر يعقوب الموتُ إذ قال لبنيه : ما تعبدون من بعدي ؟ قالوا نعبد إلهكَ وإله آبائك إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ، إلهاً واحداً ، ونحن له مسلمون ، تلك أمة قد خلت ، لها ما كسبتْ ولكم ما كسبتم ، ولا تُسألونَ عما كانوا يعملون » البقرة - 143 - . ومرة أخرى في التعقيب على المنحرفين فيقول : « أم تقولون إن إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباط ، كانوا هوداً ، أو نصارى ، قل أأنتم أعلمُ أم الله ؟ ومن أظلم ممن كتم شهادة عندهُ من الله ، وما الله بغافل عما تعملون . تلك أمة قد خلت ، لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ، ولا تسألون عما كانوا يعملون » البقرة - 141 - .
    وهناك سنة قرآنية أخرى ، علينا أن نستفيد منها أيضاً وهي ، أن القرآن ، كلما حكم على أقوام ماضية بالضلال ، لا يعمهم جميعاً ، بل يستثني القليل أو يحكم على أكثرهم : « ما فعلوه إلا قليل منهم » النساء - 66 - ، « وما آمن معه إلا قليل » هود - 40 ، « وقليل من عبادي الشكور » سبأ - 13 - ، « إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليلٌ ما هم » ص 24 . « ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ » البقرة - 83 - ، « ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم » المائدة - 13 - ، « فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم » هود - 116 - وهذا بالنسبة لمجموع القوم ، إذ يكن الكثيرون منهم على الخطأ ، وأفراد قلائل يُستثنونَ من المعصية ، التي رقع فيها الأقوام . ولا يحكم القرآن على الجميع ، إلا أن يكون وجه آخر ، مثل جنود إبليس أجمعين . وهناك غير الحكم على مجموع الأفراد ، حكم على مجموع أعمال الفرد أو المجتمع ، فذلك يحكم الله في هذا أيضاً مثل قوله تعالى :
    « فقليلاً ما يؤمنون » البقرة - 88 ، « قليلاً ما تذكرون » الأعراف - 3 ، « بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا » الفتح - 15 .
    والآن إذا رجعنا إلى موضوعنا ، في الحاجز النفسي ؛ ما بالُ القرون الأولى ؟ ما بال الملايين من المئات من السنين هل كلهم كذلك ؟
    لا بلم تكن الملايين خلال مئات السنين كذلك . ولكن قليل في التاريخ ، خلال مئات السنين ، الذين كانوا لا ينطبق عليهم قوله تعالى :
    « وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله ، قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ، أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون » البقرة -170 - .
    ولو نظرنا إلى التاريخ ، لوجدنا أمثال ابن تيمية(1) ، يطاردهم أتباع الآباء (الآبائيون) ، خلال التاريخ ، وتُطاردُ مؤلفاتهم أيضاً ، سواء كانوا من أتباع الآباء الأولين ، أو من أهل السياسة والسلطان . فلقد مات ابن تيمية في سجن القلعة في دمشق ممنوعاً عنه أدوات الكتابة .
    كما لا يشترط في هؤلاء القليلين ، أن يكونوا معصومين لا يقعون في خطأ ، ولا سوء فهم في أمر من الأمور . ولكن حسبهم ، أنهم كانوا منارات في دَربِ التَبَصر . إذا نظر أحد إلى التاريخ ، برزوا فيه كالنجوم يهتدي بهم . وإن تجاوز العلم ما كانوا وصلوا إليه . إلا أنهم يزدادون ضياء على مر العصور . فسواء شعر من ينتقدهم ، أو يتهمهم حتى في نياتهم ، أو لم يشعر ؛ إنه يقف على ما رفعوه من معالم ، حين يحاول أن يفهم شيئاً ما ، على أساس العقل .
    وكل من أراد أن يقرأ آيات الله ، في الآفاق والأنفس ، في هذه الأيام ، يجد هؤلاء رُوادَ الطريق ، وعكازات يتكئ عليهم ، ليثُبتَ أمام عُصبة الآبائيين . وإذا شعر أنه في غنى عنهم ، فإن هذا الجو الذي يستطيع أن يتنفس فيه هو ، إنما من صنعهم ، وصنع كفاحهم . إن من يعرف معالم التاريخ ، يمكن أن يعرف ذلك . ولكن مصيبة المصائب ، أن لا تعرف كيف حدث ما حدث ، ولا على أي أكمة تقف ، سواء كان من العَمارِ ، أو الخراب ، حين نقف لنحكم على الأحداث .
    كان البحث ، في موضوع : ضرورة ربط آيات الآفاق والأنفس ، وسنن التعامل معها ، بآيات القرآن ، ربطاً محكماً ، بحيث يشعر المسلم ، بالارتباط القوي بين آيات الكتاب وآيات الآفاق والأنفس ، وأن ذلك ليس مجردَ إقحامٍ . وهذا يحتاج إلى حذق ، وإلى معرفة دقيقة من التعامل مع الأنفس . ونحن إذا أردنا أن نعيد للعقل وظيفته ، فلا يعني ذلك ، معارضة أمر القرآن . بل من أعظم مهمة الكتاب الكريم ، أن يعيد للإنسان كانسان ، وظيفته . ثم بعد ذلك يسير به في ظلال : « أفلا تعقلون » حتى يوصله إلى النعيم المقيم ، ولا يتركه في أي جزء من الطريق من حين أن يقول : « يا أيها الناس » إلى قوله : « وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير » وإلى أن يقول : « ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين » .
    ولعلي أكون بهذا ، قد بعثت بصيصاً من الأمل ، فيما حاولت أن أصل إليه ، من أن : كل سنة ، وكل مثال في التغيير ، ينبغي أن يكون مستنداً إلى القرآن الكريم ، لتكسب السنَّة فاعليتها الاجتماعية عند المسلمين . ومعنى الفاعلية الاجتماعية ، أن يتعامل العقل مع السنن ، في سعيه إلى ابتغاء مرضاة الله . والمجتمع الذي شأنه هذا ، سيكون من أبرع المجتمعات البشرية ، في استخراج السنن استخداماً صحيحاً . فمثل هذا المجتمع ، هو الذي يسبغ الله عليه من نعمه ، ظاهرة وباطنة ، في الدنيا والآخرة : « لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة » البقرة - 220 - . وحتى هذا الوصل بالكتاب ، قد لا يكفي لإقناع المسلم ، بأنه لم يخرج عن أمر الكتاب ، لأنه لا يكفي عند المسلم ، أن يكون الموضوع موجوداً ، في الكتاب والسنة ، حتى يقبل الأمر . لأن فهم الكتاب والسنَّة مقيد بفهم الآباء ، وفكرة « ما سمعنا بهذا في آباءنا الأولين » المؤمنون - 24 - . لها سلطان أيما سلطان ، ومن هنا يتبين ، أن مشكلة المسلمين معقدة ، ليست بسيطة . ولكن مع ذلك ، فإن إدراكها إدراكاً صحيحاً ، لا يجعل الأمر مستعصياً على الحل . لأن المشكلة ، مشكلة إكساب الإنسان المسلم ، قدرة التعامل مع الحقيقة ، بصرف النظر عن ملابساتها ، أو إكساب المسلم قدرة التعامل مع السنة : « سنة الله في الذين خلوا من قبل » الأحزاب - 38 - .
    وهنا ينبغي أن نشير إلى أمر آخر ، وهو القدرة على التمييز ، بين ما نقبله على أساس الثقة ، وما نقبله على أساس التعامل مع السنة . فإن من أدرك كيفية التعامل مع السنَّة ، لا يعود يبالي بالثقة من جهل الناقل - فيما يمكن اختباره على أساس السنَّة - سواء كان الناقل موثوقاً به ، أو ليس كذلك ، لأن الموضوع في هذه الحالة ، يحمل دليله معه . فكل من عرف التعامل مع السنن ، لا يمكن أن يخدعه صديق ، أو يغره عدو ، سواء كان قاصداً أو غير قاصد . أما من لا يعرف التعامل مع السنَّة ، وإنما يقبل الموضوع على أساس الثقة فقط ، فهذا معرض للوقوع في الخطأ ، ولاسيما إذا كان في قبول تفسير ، ما ينقل عن المعصوم ، صلى الله عليه وسلم . وهذا التعرض للخطأ يكون على وجهين :
    حين نقبل خطأ من نثق به .
    وحين نرفض صواب من لا نثق به .
    وأسلوب أخذ المسلمين ، والعلوم الاجتماعية والنفسية ، مبني على أساس الثقة ، فلهذا لا قدرة لنا على التعامل مباشرة مع السنن ، وإعطائها ما تستحق من العناية .
    وليس معنى ذلك عدم التثبت إن جاءنا فاسق بنبأ . فإن أمور الدنيا ، التي يمكن أن تقع تحت اختبار العلم ، الذي يمكن أن نكتشفه في سنن التاريخ ، ووقائع الأحداث ، نقبل فيه على أساس الاختبار والعلم ، فنأخذ أحسنها نتائج ، وأحمدها عواقب . وهذا الذي أمرنا الله تعالى به في قوله : « فبشر عبادي ، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب » الزمر - 18 - .
    فإن جاءنا أحد بنبأ في علم الفلك ، لا نقول عنه منجم كذاب ، ما دام ما يأتي به خاضعاً للاختبار . ويقول في هذا ابن تيمية : « … والعلم بوقت الكسوف والخسوف وإن كان ممكناً ، لكن المخبر المعين قد يكون عالماً بذلك ، وقد لا يكون … ولكن إذا تواطأ خبر أهل الحساب على ذلك ، فلا يكادون يخطئون … وإذا جوز الإنسان صدق المخبر بذلك أو غلب على ظنه فنوى أن يصلي الكسوف والخسوف عند ذلك واستعد ذلك الوقت لرؤية ذلك كان هذا … من باب المسارعة إلى طاعة الله وعبادته . »(1) .
    وفي سنن التاريخ والنفس والاجتماع ، حين يأتي أحد بنبأ ، فليس النظر فيه إلى فسق من أتى بالنبأ أو تقواه ، ولكن إلى مقدار صمود ما أتى به من برهان على دعواه ، أمام الاختبار والتحقيق . وهذا كان واضحاً لابن خلدون في بحثه لسنن العمران وطبائعه ، قال في أسباب ما يجعل الكذب متطرقاً للخبر : « ومن الأسباب المقتضية للكذب ، وهي سابقة على جميع ما تقدم : الجهل بطبائع الأحوال في العمران . فإن كل حادث من الحوادث - ذاتاً كان أو فعلاً - لا بد من طبيعة تخصه في ذاته ، وفيما يعرض له من أحواله ، فإذا كان السامع عارفاً بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ، ومقتضياتها ، أعانه ذلك ، في تمحيص الخبر ، على تمييز صدقها من كذبها ، وهو سابق على التمحيص بتعديل الرواة ، ولا يرجع إلى تعديل الرواة ، حتى يعلم أن ذلك الخبر في نفسه ، ممكن أو ممتنع . وأما إذا كان مستحيلاً ، فلا فائدة للنظر في التعديل والتجريح . ولقد عدَ أهل النظر ، من المطاعن في الخبر ، استحالة مدلول اللفظ ، وتأويله بما لا يقبله العقل . وإنما كان التعديل والتجريح ، هو المعتبر في صحة الأخبار الشرعية ، لأن معظمها تكاليف إنشائية ، أوجب الشارع العمل بها ، حتى حصل الظن بصدقها . وسبيل صحة الظن ، الثقة بالرواة ، بالعدالة والضبط .
    أما الأخبار عن الواقعات ، فلابد في صدقها وصحتها ، من اعتبار المطابقة ، فلذلك وجب أن ينظر في إمكان وقوعه ، وصار فيها ذلك ، أهم من التعديل ومقدماً عليه . إذ فائدة الإنشاء مقتبسة منه فقط وفائدة الخبر منه ، ومن الخارج بالمطابقة … وهذا قانون في تمييز الحق من الباطل ، في الأخبار بوجه برهاني لا مدخل للشك فيه . وهذا هو غرض الكتاب الأول من تأليفنا … وكأن هذا علم مستقل بنفسه ، فإنه ذو موضوع : - وهو العمران البشري والاجتماع الإنساني . وذو مسائل : - وهي بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته واحدة بعد أخرى . وهذا شأن كل علم من العلوم وضعياً كان أم عقلياً »(1) .
    إن من يفهم سنن علم الاجتماع والنفس ، في الدعاية للصناعة والتجارة ، يمكن له أن يقوم بأعمال ، تجعل الناس يبذلون أموالهم ، ويقبلون على شراء السلع ولدى الناس بالفطرة أو السليقة البدائية ، من يقوم بهذا العمل من الباعة المتجولين . ولكن الأجهزة المتخصصة على المستويات العليا ، والتي تدرك الأمور بدقة في جميع جوانبها ، تقوم بأعمال ، يُظن أنها من عالم الخيال . كذلك علم النفس الاجتماعي الحربي الدعائي ،وكذلك علم النفس الاجتماعي العقائدي الفكري ، وهو ما يسمى بالإيديولوجيات . إن مجتمعاً معيناً في الثقافة والوعي ، قد لا يتأثر بنوع معين من الدعاية ، بينما يؤثر ذلك في مجتمع آخر .
    إن حماية مجتمع ما ، في الحرب والاقتصاد والعقيدة ، ليس خاضعاً للمصادقة ، ولأمور اعتباطية ، وإنما يخضع لموازين دقيقة ، مما بالأنفس من الأفكار ، التي يمكن أن يُجري عليها الاختصاصيون التعديلات المطلوبة كماً وكيفاً ، ضمن نطاق زمن محدد ، بناء على خبرات سابقة ، من سنَّة الأولين أو المعاصرين . كل ذلك علم ، وكل ذلك سنن ، يمكن معرفتها والسيطرة عليها ، وتصحيح الأخطاء فيها ، ومسابقة الزمن في ذلك .
    ولكن لن يتمكن من ذلك عقل مرعُوبٌ ، لا علم له بأحداث العالم ، ولا يعرف من أين تأتي المصائب ، ولا كيف تدفع ، ولا كيف تُعطى المناعات للمجتمعات ، ضد الأخطار الفكرية ، لحماية المجتمع ، فضلاً عن أن ينشئ أجهزة لمراقبة الانحرافات وتصحيح الأخطاء ، على أساس السنن والقواعد التي تخضع لها المجتمعات .
    العقل والسنن في القرآن
    يشغلُ العقلُ والسنَّةُ ، مكاناً بارزاً في القرآن ، قصوداً لا عرضاً . حيث تجد الحديث عنهما مبثوثاً في الكتاب الكريم . سواء في النظر إلى مظاهر الطبيعة ، أو في الاعتبار من الأمم الخالية ، وذلك حين يعالج القرآن مشكلة الإنسان من الأمم الخالية ، وذلك حين يعالج القرآن مشكلة الإنسان - أو بالتعبير القرآني - موضوع الهداية والضلال ، المتعلق بحياة الإنسان .
    أما الحديث عن السنَّة ، فقد سبق أن ذكرنا طرفاً صالحاً منها ، ولاسيما سنن المجتمعات ، وهي آيات الأنفس التي ستظهر في المستقبل :
    « سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق » فصلت - 53 - . وأن ظهور هذه الآيات ، والآفاقية والأنفسية ، سيكون سبباً لبيان أنَّ ما نَزَلَ من عِند الله هو الحق : « ويرى الذين أُوتُوا العلم ، الذي أُنزل إليك من ربك هو الحقًّ ، ويهدي إلى صرِاطِ العَزيز الحَميدِ » سبأ - 6 - . وهذا الموضوع ، موضوع السنَّة ، ربما يمكن تَقبلهُ بدون صعوبةٍ كبيرة ، إلا أن المشكلة ، مشكلة العقل ، وما يعترض له من الركود والعطالة ، من أداء وظيفته ، أو ارتباطه الوظيفي بسنن الكون ، هذه الوظيفة ، وظيفة التسخير .
    ولقد اعتنى القرآن الكريم ، عناية بالغة ، واستنهض الهمم ، حتى لا يفقد العقلُ مَضَاءهُ وقُوته ، في إدراكه لسنن الحوادث والاعتبار بها . واعتبر الذين عطَّلوا قلوبهم كالأنعام بل هم أضل .
    والعطالة ، التي تصيب العقل عند الإنسان ، لها مصدرٌ أساسي وهذا المصدر له بعد ذلك أعراض أخرى تدل عليه .
    والمصدر الأساسي للعطالة : العقيدةُ العبثيةُ في الوجود والكون ؛ اعتقاد العبث واللعب في الوجود . يقول تعالى في هذا : « وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين » الدخان - 38 - . وقوله تعالى : « أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً » المؤمنون - 115 - .
    إن العقيدة العبثية في الكون هي ، عدم رؤية النظام ، وعدم رؤية السنن ، وعلاقة الطاقة المفكرة الإنسانية بسنن الكون . وهذا هو ظن العبثية في الوجود . عن الذي لا يرى هذه العلاقة ، وهذا الارتباط ، لا يمكن أن يقدر المسؤولية الدنيوية ، ولا المسؤولية الأخروية ، أي لا يقدر المسؤولية الاجتماعية ، ولا المسؤولية الفردية - كما سبق - أن شَرحنا ذلك .
    إن هذه العقيدة العبثية ، توارثناها على مر القرون ، إن لم تكن باسمها فبمحتواها ، وتغلغلت هذه العقيدة في النفوس ، وشملت القمة والقدمين . ومهما تفاوتت هذه العقيدة في الرسوخ ، إلا أنها استقرت بشكل فعال ، وساهمت في شلل الفكر والعمل ، في العالم الإسلامي . وهذا الشلل في الفكر ، الذي أشرنا إليه في إغلاق باب الاجتهاد ، إنما هو جنين ، ووليد لهذه الآفة ، التي نتحدث عنها الآن ، وهي : عدم رؤية علاقة الطاقة الفكرية في الإنسان ، بسنن الكون . وظن الفوضى ، وعدم الخضوع للسنن ، في أحداث الكون .
    ومادامت هذه العلاقة غير ثابتة ، وغير موجودة ، وغير معترف بها ، فلا جدوى من إعمال العقل والفكر .
    فهذه الآفة التي تسللت إلى الفكر الإسلامي ، دون اسم معين ، أو باسم تعظيم السلف ، وتعظيم السلف ، وتعظيم القدرة الإلهية ، التي لا تدع للبشر مجالاً للعمل . هذه الآفة ، ولدت بعد ذلك أجنتها ، التي نمت وترعرعت ، وصار لها أحفاد وذرية . إذ ما دام الأمر يسير على غير سُننٍ يُمكنُ أن نتبعها ، فلا جدوى من إعمال الفكر لكشف حل ، وتغيير واقع .
    والقرآن الكريم ، يعدد الآفات التي تتولد عن العقيدة العبثية في الوجود . ونذكر منها خمسة :
    1- الغفلة .
    2- الإعراض .
    3- التكذيب .
    4- الهوى .
    5- تقليد الآباء .
    1- آفة الغفلة :
    قال الله تعالى « إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ، والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون » يونس - 7 - .
    وقال تعالى : « سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ، وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا ، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ، ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ، والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة ، حبطت أعمالهم هل يُجزون إلا ما كانوا يعملون » الأعراف - 147 - .
    وقال تعالى : « لهم قلوب لا يفقهون بها ، ولهم أعين لا يبصرون بها ، ولهم آذان لا يسمعون بها ، أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون » الأعراف - 179 - .
    2- آفة الإعراض عن آيات الله وسننه :
    يقول الله تعالى في ذلك : « وكأين من آية في السماوات والأرض ، يمرون عليها وهم عنها مُعرضُونَ » يوسف - 105 - .
    « وجعلنا السماء سقفا محفوظاً وهم عن آياتها معرضون » الأنبياء - 32 - .
    « بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم مُعرضُونَ » المؤمنون - 71 - .
    وسبب هذا الإعراض ، عدم رؤية العلاقة بين طاقة الفكر وسنن الكون ، هذه العلاقة التي يسميها الله التسخير .
    3- آفة التكذيب وافتراء الكذب :
    قال الله تعالى : « ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كَذَّبَ بآياته » الأنعام - 21 - .
    « وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ » فاطر - 25 - .
    « ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير » الملك - 18 - .
    « بلى قد جاءتك آياتي فَكَذَّبْتَ بها واستكبرت » الزمر - 59 - .
    « بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ، ولما يأتهم تأويله ، كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين » يونس - 39 - .
    « ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون » آل عمران - 75 - .
    « انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبيناً » النساء - 50 - .
    « فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس بغير علم » الأنعام - 144 - .
    « إن الله لا يهدي من هو كاذبٌ كفار » الزمر - 3 - .
    في هذه الآيات يبين الله :
    1- إن التكذيب ظلم …
    2- وهو شيمة الأقوام السابقين أيضاً .
    3- وأن للتكذيب عاقبة …
    4- وله ارتباط بالاستكبار .
    5- ويكون بما لم يحط به الإنسان علماً …
    6- ويكون أحياناً عن علم وتعمد .
    7- التكذيب قد يكون للإضلال بغير علم ..
    8- والكاذب لا يهتدي إلى الحق .
    التكذيب ، مثل الاستكبار والإعراض والغفلة ، ينشأ عن مفهوم بالنفس ، لأن التكذيب مما بالقوم ، وليس مما بالأنفس ، وإنما ينتج مما بالأنفس ، فوراء الكذب ، أمر متعلق بالنفس من المفاهيم والأفكار والمعتقدات ، ينتج عنه الكذب والتكذيب . ولا يتغير تكذيب القوم ، أو كذبهم ، حتى يغير القوم ما بأنفسهم من دوافع التكذيب المستقرة في نفوسهم .
    ونحن إذا نظرنا إلى التكذيب ، ينبغي أن ننظر إليه على أساس أن له سنناً متعلقة بالنفس ، يمكن أن يحدث لكل من تكونت لديه تلك النظرات . فالمشكلة هنا دقيقة ، وذلك أن هذه السنة سنَّة بشرية غير خاصة بقوم معينين ، وإنما هي عامة لكل الناس الذين يحملون أفكاراً معينة . ويكون التكذيب مطابقاً لما في النفس من الأفكار ، قلَّةً وكثرة ، قوةً وضعفاً .
    وعلينا أن ننظر بشيء من برود الأعصاب ، دون أن يصيبنا الدوار من أن هذه الصفات ، صفات الكافرين ، فكيف تنطبق على المسلمين ؟!
    وعلينا أن نخاف من المفاهيم التي يولد منها الكذب والتكذيب ، أكثر من خوفنا من الكذب والتكذيب . لأن خوفنا من الكذب والتكذيب ، لا يردُّنا عن الوقوع فيهما ، رغماً عنا ، إذا كان ما بأنفسنا ما يتولد عنه الكذب والتكذيب . وما المصائب التي تنزل بالمسلمين إلا أنهم يكذبون بكثير من آيات الله ، ويعرضون عنها ، ولا يعرفون ارتباط هذه المصائب - التي تنزل على الأقوام المسلمين - مما بأنفسهم من الأفكار الخاطئة ، التي تحدث هذه العلل . وآيات الله تعالى ، تكون في الكتاب ، وفي الآفاق وفي الأنفس . وكل الذين لا يفهمون آيات الله ، وإن كانت في حد ذاتها واضحة ، معرضون للتكذيب بها « بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه » . وضربنا لذلك مثلاً حين شرحنا قول الرسول صلى الله عليه وسلم في ذهاب العلم ، برغم وجود الكتاب بين الناس دون أن يغني عنهم شيئاً ، كما تفقد آيات الكتاب مفعولها عند الذين فقدوا العلم بها ، كذلك فإن آيات الآفاق وآيات الأنفس تفقد مفعولها أيضاً ، عند الذين فقدوا العلم بها . بل إن آيات الآفاق والأنفس ، لم نتعلم بعد قراءتها ولا طريقة فهمها ، فلذا يسهل علينا جداً التكذيب بها ، بل نظن أن هذا التكذيب الذي نكذب به ، يرضى عنه الله سبحانه وتعالى ونخدم به دينه ، ونحصنه من الضياع .
    وفي الواقع ، أن من عرف قراءة آيات الآفاق والأنفس ، وعرف كيف يتعامل معها ، يدرك أن لهذه الآيات الآفاقية والأنفسية قوة آيات الكتاب في الدلالة على الحق ، كما يقول محمد إقبال : بل إن هذه الآيات الآفاقية والأنفسية هي التي تشهد بصدق آيات الكتاب . والقرآن الكريم يطلب منا أن نطلب علماً خارج القرآن ، وذلك بالسير والنظر في الأرض ، إلى آيات الله المودعة في الآفاق والنفس . فآيات الآفاق والأنفس من القرآن ، من حيث أن القرآن يأمر بالنظر إليها ، ولكن مكان طلبها ليس في القرآن ، وإنما في الكون . ومن فقد ملكة العلم ، لا يعود يستفيد من آيات الكتاب وإن كانت واضحة بينة . فالقرآن يأمر بإعمال العقل ، والاجتهاد في الفهم والنظر ، مع ذلك أغلق المسلمون باب الاجتهاد على أنفسهم . ولا أهتم كثيراً بوجود رجالٍ هُم أهلٌ للاجتهاد أم لا ، وإنما أهتم بما آلت إليه هذه الأمة ، حتى لم يعد لديها قدرة على الفهم ، ففقدت النمو وتوقفت عن الحركة ، وأخذت في التقهقر ، حين أحلت التقليد محل الاجتهاد .
    والغرض من هذا ، أن نستفيد من الماضي ، لننزع عنه هالة القدسية العمياء ، التي تخفي نقائصه . ومثل هذا النظر جعل محمد إقبال يحجب الثقة ، عن إنتاج المسلمين في وقت ضعفهم ، كذلك سنذكر نظراً جيداً للأستاذ سيد قطب أيضاً فيما بعد في هذا الموضوع .
    إننا هنا نقف على عتبة التيه ، الذي يعيش فيه المسلمون في كل مكان .
    إن المرض عام شامل مطبق ، كما تعم الرطوبة في الشتاء كل مكان . كذلك العالم الإسلامي ، أنَّى ذهبت تجد هناك الرعب من إعمال الفكر والعقل ، كأي مصيبة المصائب ، في أن يبدأ الإنسان في التفكر والفهم باستقلال - مع أن فلاحهم بإعادة وظيفة العقل - ولو خالف من خالف ، من القرون الماضية ، مادامت آيات الله في الكتاب والآفاق والأنفس معه . ولكن نحن لم نعد نتعامل مع آيات الكتاب المسطور (القرآن) ، ولا مع آيات الآفاق التي هي (كتاب الله المنشور) ، إنما نتعامل مع إنتاج المرعوبين ، الذين تدور أعينهم خوفاً من التبصر . وبدون التبصر تفقد الحياة التي أرادها الإسلام للبشر قيمتها : « قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة . أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين » يوسف - 108 - .
    في التنظيم والتخطيط :
    إن مرض المسلمين ، ليس في عدم وجود المُنَظَّماتِ والمخططات ، بل في جمود العقل والفكر ، فإن كان لا بُدَّ من منظمات ومخططات ، فليكن التنظيم والتخطيط ، في سبيل رفع الآصار والأغلال عن القلوب المُقفلة . إن التنظيم والتخطيط ليسا في حد ذاتهما هدفاً ، بل هما أداة ووسيلة ، قد تُساعدُ على التخلص من الآصار والأغلال ، وقد تُثبتها ، أو تزيدُها ، أو تستبدلها بأثقل منها . وما لم ندرك هذا بوضوح فسنظلُّ ندور في التيه . وسنظلُّ نحاول أن نعالج بعض الأعراض والذراري للمشكلة الأساسية : وهي انفكاك جوهر الإنسان عن وظيفته التي خلقه الله من أجلها . سنظل نعالج الإعراض ، بينما تظل أُمُّ الأمراض . وأبوها يعشش ويفرخ ، دون أن يمسه أحد بشيء من النكش أو الهز . ومن يحاول أن يقول : إن المرض هناك فسينظر إليه بريبة ، إن لم يُعلن عليه الحرب ، وأنه اتبع غير سبيل المؤمنين .
    إن هذا الجمود ، نَوعٌ فظيعٌ من الجُحُود بآيات الله ، مستتر في الأعماق . إن المشكلة من عند النفس « وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون » النحل - 33 - إن هذا التخوف من الفكر وإعمال الفكر ، والهجمات التي تشن على من يريد أن يتبصر ، سلاح له فعالية في مجتمع كسيح الفكر . فلهذا لا نزالُ نرى الأقلام في رُعبٍ ، حين الكتابة في هذا الموضوع ، خوفاً من الهجمات التي يشنها الآبائيون .
    إن الذين طال عيشهم في الظلام ، يؤذيهم النور ويجرح أبصارهم ، ولكن من تمسك بنور الله وسننه ، وكان حاذقاً ، في ربط الحقائق بعضها ببعض ، وبيان حقائق الكتاب المضيعة المهملة ، سيكون له شرف أذانِ الفَجرِ ، في ليلِ الشتاء الطويل الذي عشنا فيه . وسيجيء هناك الحق ويزهق الباطل .
    وأعيد وأكرر ، إن العالم الإسلامي لم يخلُ من هادٍ وداعٍ ، ولم ينقطع فيه الفكر على الإطلاق ، ولكن ظل هؤلاء أفراداً قلائل ، تنبذهم الأمواج المتلاطمة ، من الجمود الذي جحد الحركة الفكرية التي أطلقها القرآن ، وأطلع بها على العالم عصراً جديداً .
    وقد سبق أن أشرنا ، إلى شيء من ذلك الذي كان يعامل به أصحاب الفكر ، ولا يزال يعامل به إلى الآن ، من الغَمزِ واللمْزِ ، والتشكيك والاتهام ، ما بين صريح ومُستترٍ ، ومتردد ومقدام . ومن تذوق شيئاً من تراثهم لا يكون أخذ ملكة العلم ، ولبَّ الفهم ، وإنما يكون حَوَّلَ تقليده ، من تقليد متخلف ، إلى تقليد أرفع قليلاً في غالب الأحيان ، دون أن يمسك بناصية العلم .
    إن التخوف من الفكر ، قد يحمي المتحصن به يوماً ما ، ولكن لن يحفظه إلى الأبد ، بل سيأتي اليوم الذي يحدث فيه الطوفان الذي يجرف الأخضر واليابس .
    4- آفة اتباع الهوى :
    هذه الآفة من ذرية الآفة الكبرى ، إذ حين يذهب العلم يبرزُ الهوى ليقود . ويُلمحُ ذلك من الآيات التي تذكر الذين يتبعون أهواءهم ، قال تعالى :
    « ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله » القصص - 50 - .
    وقال تعالى : « بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم » الروم - 29 - ، وقال تعالى : « أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم » محمد - 16 . وقال تعالى : « وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم » الأنعام - 119 . وقال تعالى : « أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم » محمد - 14 .
    والإنسان حين لا يهتدي بسنن الله ، ولا يهتدي بالعلم والهدى الذي جاء من عند الله ، يميل به هواه ، لأنه فقد الميزان ، فصار سهلاً عليه أن يميل مع هواه حيث لا يخشى سنَّةً ولا علماً . فكيف يخشاهما ! … وهو لم يشعر بقوانينها في الحياة ، وأسلوب كشفهما للباطل ! … فلذا نجد أنَّ ضيق نظره . والمحدودية في إدراكه ، يسهلان عليه اتباع الظنون وما تهواه نفسه ، دون أن يخشى نكيراً .
    5- آفة اتباع الآباء :
    إن الذين يفقدون السنن والقوانين ، في أحداث الكون وحوادث البشر ، يستبدلون تقاليد الآباء بالسنن ! … ولتقاليد الآباء ، سلطان قوي يأخذ بمخانق البشر . وسلطان الآباء ، يجب أن يقف عند حدٍّ معين لا يتجاوزه ، وإلا كان وبالاً ومصيبة .
    إن تُراث الآباء له أهميةٌ بالغة إذا استفيد منه ، إذ أنه يكون سبباً في تفادي إعادة الأخطاء ، والاستفادة مما كسبوه من تجارب وخبرات خلال القرون . علينا أن لا نعرض عنها ، وإلا دفعنا ثمن ما تعبوا فيه مرة أخرى ، والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين .
    ولكن إن تجاوز الأمر الاستفادة من العلم الذي حصلوه ، إلى أن يصيروا هم العلم والسنَّة ، وهم قانون الله الذي لا يتغير ولا يتبدل ، فهنا يتحول ما كان عليه الآباء إلى أحجار الرحى المدلاة من الأعناق التي تعيق الحركة وتتعب النفوس وترهقُ الأجساد ، ويتحول إلى الآصار والأغلال : « إنهم ألفوا آباءهم ضالين . فهم على آثارهم يهرعون » الصافات - 69 - .
    وأول ما يتبادر إلى الذهن عند الاطلاع على القرآن ، هو إدانة اتباع الآباء في عمومه ، أكثر من مدح اتباع الآباء ، لأن إحلال الآباء محل آيات الله وسننه ، أمر جذاب شديد الإغراء . ولهذا فالتحذير من اتباع الآباء ، هو الظاهر في القرآن ، وهو أول ما يُبادرُ المطلعَ عليه .
    وللاستفادة مما كان عليه الآباء ، ينبغي أن يخضع ما كان عليه الآباءُ للعلم والهدى ، ويُجرى عليه التصحيحُ المطلوب دائماً .
    وكذلك علينا أن لا نَملَّ ولا نَكِلَّ ، من بيان أن ما جرى على آباء الأولين ، يمكن أن يجري على آباء الآخرين . فلولا أنه ، يمكن أن يحل الآباء ، محل العلم والقاعدة ، عند المسلمين أيضاً ، لما كان هناك فائدة من سوق الاستنكار على الأمم الماضية اتباعهم لآبائهم . ولو كان المسلمون معصومين ، من أن يتحول آباؤهم إلى عقبة أمام سنن الله ، وأن يحلُّو محل الآيات والسنن ، كما حصل لمن قبلهم ، لما ظهرت فائدة ذكر أولئك ، الذين حال بينهم وبين الحق ، اتباعهم لآبائهم ، بالتكرار الذي ورد في القرآن .
    يجري على الآباء والأبناء ما يجري على كل البشر ، في وقوعهم في الخطأ وفي اهتدائهم للصواب ، في قربهم من الحق وبعدهم عنه ، يخطئون ويصيبون ، لهذا فإن تصحيح ما يمكن أن يقع فيه الآباء من الخطأ ، إنما يكون بمراجعة آرائهم وما كانوا عليه ، واختبار ذلك وامتحانها على أساس القواعد والسنن .
    لهذا على المسلم أيضاً ، أن لا يضع الآباء المسلمين - المتقدمين منهم والمتأخرين - مكان القواعد والسنن . وهما أحسنا الظن فيهم ، فإنهم ليسوا فوق أن نختبر ما هم عليه ، على أساس الآيات والسنن والعلم والقوانين .
    والذين أعلنوا منهم أنهم لم يعودوا أهلاً للفهم والمعرفة ، حين أغلقوا باب الاجتهاد ، وسدوا منافذ الفكر ، وقالوا انطبقت القبور على أهل العلم والمعرفة ، هؤلاء كانوا صريحين أنهم ليسوا أهلاً لأن يُتبعوا .
    وكان كل من يخطر في باله أنه أهل للعلم والمعرفة ، يشعر بحرج عظيم ، فكأنه أساء للسلف الصالح ، أن يخرج من أخلافهم من يفهم أو يعقل عن الله آياته في الكتاب والآفاق والأنفس . فكأن الأمر الذي اتخذ مسوغاً لهم في هذا الموقف ، أن يبقى السلف الصالح في مكان الصدارة والمنزلة العالية . كأن هذه المنزلة ، لن يستحقوها إلا إذا ظل كل من يأتي بعدهم قزماً ، في أسفل سافلين . وكأن نعمة الله على البشر توقفت ، وكأن آيات الله في الآفاق والأنفس توقفت عن الظهور للبشر .
    إن الأمراض التي نعيشها في مجال الفكر ، أمراض مميتة ، قاطعة لطريق الحياة . أنا لا أشعر أني قربت إليك بعيداً ، فإن ضغط إرهاب القرون الماضية في الفكر ، سيفٌ مسلط على رؤوسنا . وإزالة هذا الكابوس ، لن تتم إلا بجهود عظيمة ، من الدأب في الدرس ، وفتح الأبصار والبصائر ، والسير في الأرض والنظر إلى ما خلق الله ، وكيف بدأ هذا الخلق . وهذه كلها لم نتعود عليها بعد ، بل لا نرى فيها كثيراً من الجدوى ، مهما تكرر النداء في آيات القرآن ، وبعث الهمم إليها .
    يكفي ما نظرنا فيه إلى أنفسنا بالغرور ، من أننا ورثة علم الأولين والآخرين ! … ، وأننا لم نعد في حاجة إلى أن نًشُدَّ رَحلاً لطلب علم ، أو نخصص وقتاً للإعمال الفكر ، أو أن يكون في العالم أحد ، يمكن أن يكون مظنة أن يكشف سنة من سنن الله في الكون ، أو يرى آية من آياته في الآفاق والأنفس ، سواء كان من أهل الكتاب أو لم يكن . ولنخرج مما وقع فيه غيرنا فيما سبق من الزمان ، من أننا أحباء الله ، ولكن جواب الله لمثل هذا الظن قاطع : « قل فلم يعذبكم بذنوبكم ؟ ! .. بل انتم بشر ممن خلق » المائدة - 18 - .
    وهكذا قص الله علينا نفسية الماضين والجامدين من أهل الكتاب ، نحن قد دخلنا إلى تلك الاجحار ، وعشنا فيها منحنين حتى تقلصت عضلاتنا ، مغمضين ، حتى صار نورُ الفكر يُعْشِينا ، ومع ذلك نزعم كما زعم الأولون ، من أننا : عبادُ الله المصطفون وأحباؤه المقربون . إننا لم ننظر إلى التاريخ البشري على أساس السنن ، وإنما نظرنا على أساس الخصوصيات والمحسوبيات ، وأن المجد ميراث من غير جد .
    كل ذلك لأننا لم نفتح أبصارنا ، ولا نريد أن نبصر . وكأن العذاب بالذنوب لم ينطبق علينا ، وكأننا لسنا من البشر الذين خلقهم الله ويخضعون لسننه . وكأننا لم نقرأ : « لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ، مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ، وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا » النساء - 123 - .
    إن مثل هذا الفهم لم يترسخ في أذهاننا وأعماقنا ، وأسلوب نَقدنا لن يُخجل بعدُ غَبَاءَ المسلم ، فهو إلى الآن لا يزال يظن أنه على شيء ، ويحمل النقد على أنه نوع من الفخر بأنه اعتراف ، ولكن لما يَدخُلِ الإيمانُ في القلوب بعدُ ، وحين نسمع كلمات إقبال في كشف زيف المسلم ، نظن أنه عيرُ جادٍّ ، وإنما هو يُداعبُ خواطرنا ، ويُطيبُ نفوسنا ، ويُخففُ من هواننا ، كتعويضٍ يرفع وطأة الانقلاب على العقبين . يقول محمد إقبال :
    « إن كعبتنا عامرةٌ بأصنامنا ، وإن الكفرَ ليضحكُ من إسلامنا . وإن شيخنا قامر بالإسلام في عشق الأصنام . ولتخذ خيط مِسبَحَتِهِ من الزُنار . هو في سفر دائم مع مريديه ، وفي غفلة عن حاجات أمته . الوعاظ والصوفية عبدوا المناصب ، وأضاعوا حرمة الملة البيضاء : واعظنا إلى بيت الصنم ناظر ، ومفتينا بالفتوى يتاجر »(1) .
    وقال في هذا أيضاً : « إنك أيها المسلم لا تزال أسيراً للمتزعمين للدين ، والمحتكرين للعلم، ولا تستمد حياتك من حكمة القرآن رأسا . إن الكتاب الذي هو مصدر حياتك ومنبع قوتك ، لا اتصال لك به إلا إذا حضرتك الوفاةُ فتُقْرأُ عليك سورة « يس » لتوت بسهولة . فواعجبا ، لقد أصبح الكتاب الذي أنزل ليمنحك الحياة والقوة ، يتلى عليك الآن لتموت براحة وسهولة »(1) .
    وربما كان ما أصيب به المسلمون من الجمود على رأي الآباء ، أقوى من جمود غيرهم من الأقوام . لأن الآباء حلوا محل الآيات ، سواء آيات الكتاب أو آيات الآفاق والأنفس .
    والمسلمون من أشد الناس تقديساً لدينهم ، يَسمُونَ به إلى درجة عالية من المثالية . وهذا تقديس حق . إلا أن هذا التقديس كله ، حين تحول إلى الآباء ، حمل معه قوته وعمقه ، فصار التمسك بما عليه الآباء ، وقبوله مع كل علاته ، وإضفاء طابع العصمة ، سبباً في جعل المسلمين أبعد من غيرهم ، في إمكان رؤية مكان الخطأ في آبائهم الأولين . ويخطر لي كثيراً أن هذا ، هو السبب في بطء التقدم الذي يحرزه المسلمون ، في رفع مستواهم أمام هذا العالم المتسابق في تنظيم الحياة . بينما الوثنيون -كاليابان مثلاً - كانوا أقدر على إثبات وجودهم . إنه ربما كان تقديسهم لمواريثهم الآبائية ، ليس له من الجلال والدعم ، مثل الذي كان للمسلمين ، وما أقروه من ذلك بوسائل تربوية وثقافية متشابكة الأطراف . وهذا ما مكَّن قادة اليابان من التغلب على مشاكل تغيير ما بالنفس ، أو مكنهم من التلاؤم في تسخير الوسائل الجديدة للأهداف القديمة .
    وكل التحذير الذي بوجهه القرآن إلى اتباع الآباء ، حمله المسلمون على غيرهم . كأن مشكلة اتباع الآباء ، ليست مشكلة إنسانية ، أو أن ضررها لا يمكن أن يلحق المسلمين . فهذه غفلة عن هذه السنة ، وحمل الآيات - التي تحذر من اتباع الآباء على غير بصيرة - على الأمم السابقة ، كل هذا أفقد المسلمين قيمة التحذير من اتباع الآباء . فبقيت الآيات في الكتاب ، ولكن لم ينتفعوا منها بشيء وهذا مثل واضح عن فقدان الكتاب قيمته الإصلاحية حين يعجز البشر عن التفاعل معه . ومن هنا تبرز أهمية إدراك العلاقة ، بين ما بالنفس وآيات الكتاب .
    فحين نعلو بآيات الكتاب إلى أرفع المستويات ، دون أن نفطن إلى الشروط النفسية عند الإنسان ، نقع في حيرة ، ويخفى علينا موطنُ المشكلة ، ويتداخلُ الأمرُ . فينسُبُ من يَنْسُب ، تخلف المسلمين إلى الإسلام ، فيُصدَّق من لا يعلم ، ويتشكك من لم يتمكن من العلم . وينبري المحامون عن الإسلام في الدفاع عنه ، ولكن لا يخطر لهم ، أن المشكلة في الإنسان وليست في المبدأ ، وأن اختلاط المبدأ بالبشر - حيث صار البشر في مكان المبدأ - لا يجعل للنقد والدفاع ، ثمرة مرجوة .
    ولو أن مكان المشكلة تحدد بوضوح ، لحصل السعي للتعرف على كيفية تغيير ما بالنفس ، وما ينبغي أن نغيره . فهنا موطن الداء . فنحن لا نحسن فهم المشكلة ، ولا نخضعها للسنن النفسية وإنما نتركها للمصادفة .
    … ولقد حرصت في أكثر من مناسبة ، أن أقرب إلى الوعي ؛ كيف يفقد الإنسان الاستفادة من آيات الكتاب , وأعود هنا لأذكر مرة أخرى أيضاً ،م ما يمكن أن يتهم به ، ما كدنا نقربه إلى الوعي ، من أن هذه الآيات تنطبق على المسلمين ، كما تنطبق على غيرهم .
    إذ يعترض المعترض على هذا بأن يقول : كيف لم يُفهم هذا ؟ وكيف خفي على الأجيال ؟ فهو إن لم يعترض بهذا صراحة ، فإنه يحمل في طيات نفسه بحيث يمنعه من أن يأخذ هذا النقد مأخذ الجد .
    وأكرر الجواب أيضاً ، بأن المشكلة ليست مشكلة الأجيال الماضية وفهمهم ، وإنما مشكلة ضياع الأجيال الحاضرة وعطالتهم ، والسؤال :
    « فما بال القرون الأولى » ؟ جوابه « علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى » طه - 52 . « تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون » البقرة - 134 . وهؤلاء قد لا يكونون مؤاخذين عند الله ، وقد يكون مغفوراً لهم ، كما سبق أن أشرنا إلى ذلك . ثم لم يكن كلهم كذلك ، وإنما نحن اتبعنا الذين أخطأوا دون الذين أصابوا .
    والقرآن الكريم يزكَّي اتباع الآباء فيما إذا خضع ما عند الآباء للبرهان ، وعند ذلك يقول القرآن الكريم : « واتبعتُ ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ، ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ، ولكن أكثر الناس لا يشكرون » يوسف - 38 .
    وقال الله تعالى ، عن الذين يقدمون ما عليه الآباء على الكتاب - مهما كانت حجتهم بأنهم يعلمون مالا نعلم - قال الله فيهم : « وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله ، قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ، أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون » البقرة - 170 . فإن من لا يقدر على التمييز بين القاعدة والشخص ، يفتح على نفسه باب التيه . والنجاة من هذا التيه ، تكون بإخضاع ما عليه الآباء للعقل والقاعدة . وهذا العمل هو الذي يجعل الفائدة من تراث الآباء مضمونة ، مع تفادي ما يمكن أن ينتج عنه من ضرر . وقال الذين يكتفون بما وجدوا عليه آباءهم إزاء دعوة الكتاب لهم :
    « وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ، قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون » المائدة - 104 .
    والخطورة الآبائية يكرر الله أقوالهم فيقول تعالى :
    « وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا » الأعراف - 28 ، وقال تعالى : « قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا » يونس - 78 ، وقال الله تعالى : « قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ، ونذر ما كان يعبد آباؤنا » الأعراف - 70 .
    فإذا نزعنا عن هذه الآيات صفة الخصوصية ، ونظرنا إليها على أنها مواقف تابعة لما بأنفس القوم الذين شأنهم هذا ، نعرف كيف تتشابه دوافع النفوس في اتخاذ مواقف متحدة . فإذا تجاوزنا هذا المستوى من البحث ، ونزلنا إلى مستوى العوام من النساء والرجال - في استعبادهم للعادات والتقاليد الخرافية الحديثة منها والقديمة ، في صورة لا مجال فيها لأي فكر أو عقل أو محاكمة البتة - نرى ذلك ، أو نسمع كل يوم حين يقولون : (الناس كلهم هكذا) ، وطبعاً كلمة (الناس كلهم هكذا) ، هي الكلمة المقابلة لقوله تعالى : « بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون » الشعراء - 47 - وإن اختلفت العبارات ، فإن الدوافع في النفوس تخضع لقاعدة واحدة .
    تحدثنا هنا ، عن الآفات التي تحول بين العقل والسنن ، وذكرنا الإعراض والتكذيب والغفلة ، واتباع الهوى ، واتباع الآباء ، ومنها أيضاً ، الغرور بما عندهم من القوى البشرية المستغلة . كل هذه تحول بين الإنسان وإدراك الحقيقة ، وتُمكنه من التعامي وتجاهل الحقيقة .
    إن هذه الآفات ، كلها ذرية الآفة الأساسية ، آفة ظن أن الله لم يجعل لهذا الكون سنناً ، إذا اتبعها الإنسان يمكنه أن يستمطر رحمة الله ، وبتجاهلها يتعرض للهلاك .
    فالغفلة عن إدراك هذا النظام الرباني المودع في الكون ، يفقد الإنسان ميزته الأساسية ، وأمانته التي حمله الله إياها ، والسلطان الذي أعطاه الله تعالى له ، لتسخير ما خلق الله له . ويصير هذا الإنسان المكرم في أسفل سافلين ، بل يصير الإنسان نفسه مسخراً للذين يعلمون سنن الله .
    والإنسان حين لا يدرك أن للكون نظاماً ، وللعقل سلطاناً ، يعيش في فوضى . تأتيه النكبات تلو النكبات ، ولا يعرف لها سبباً معقولاً ، ولا يشعر أنه إنما يصيبه ذلك لأنه عطل ما أودع الله فيه من قوى : « وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون » النحل - 33 - .
    وهذا المسلم بعد ذلك ، يتفنن في اختراع أسباب لتفسير الأحداث ، فهو إن لم يعلق السبب بالنجوم ، فلا جناح عليه أن يرى ذلك في الزمان الذي أشرف على نهايته ، وإن تجاوز مشكلة آخر الزمان ، فمشيئة الله تعالى وإرادته جاهزة . فهذه المشيئة هي التي تفعل هذه الأمور التي لا يحبها ، ولا يرى فيها معقولية . وهذا السند ، هو المشجب الأساسي الذي يعلق به المسلمون كل مهازلهم التي يصابون بها . ويجدون بذلك ، نوعاً من الراحة والطمأنينة في رفع المسئولية عن أنفسهم . كما يغريهم بهذا الاتجاه ، ما يُلبسون نظرتهم من تعظيم الله ليثبتوا له حرية الإرادة والمشيئة المطلقة . كأن هذه لا تثبت له ، إلا بالتصرف الذي لا معقولية فيه ولا نظام . هذا ، فضلاً عن سلب الحكمة عن مشيئة الله تعالى وإرادته . كما وأن نظرتهم هذه ، فيها سلب للقدرة التي منحها الله للبشر ، على تغيير ما بأنفسهم وتغيير واقعهم .
    إن الخلط العجيب ، بين سلطان الله وما منح الله للبشر - من تمكين في توجيه حياتهم ، وعدم رؤية المجال الذي أعطي للإنسان - يبطل النظام الذي أبدعه الله لحياة البشر .
    وأحياناً ، يميل المسلم إلى الحط من قيمة قدرة الإنسان ، ليبقي لله عظمته . فكأن عجز الإنسان ، هو الذي يثبت عظمة الله . لهذا يتخوف من القدرات التي تتفتح أمام الإنسان ، ومن الإمكانيات التي يظهر فيها سلطانه . ولو أن المسلم تأمل قليلاً ، لما شعر بأن زيادة سلطان الإنسان ، تقلل من عظمة الله . بل من جلال الله سبحانه وتعالى ، أن يمنح عبده هذه القدرات .
    لكن نظرة المسلم في هذا الموضوع ، شابها كثير من الأخلاط على مر العصور ، من جبرية ، ومرجئة ، وقدرية ، ونماذج أخرى من أقطاب وأبدال ، وشخوص محدثة ، أو من هم أقدم قليلاً ، يلتجئُ إليهم عند المصائب . والأمور الملهمة ، ليفتوا في العقيدة والاجتماع وأمور الدنيا والآخرة .
    إن الفوضى الفكرية والعملية ، التي يعيشها المسلمون ، ترشح من هذا المستنقع ، الذي اجتمع فيه ما هب ودب . ومما يتصل بانقطاع الصلة بين العقل والسنن في المجتمع الإسلامي ، وكشاهد على ذلك ، أني كنت منذ قريب ، مع نخبة طيبة من الشباب الذين يُحبون الإسلام جهد طاقتهم ، ويتألمون لوضع المسلمين . وكان البحث في مشكلة المسلمين ، فكأنهم رغبوا أن يسمعوا مني رأياً في هذا الموضوع ، فقلت : إن في نفسي شيئاً في هذا الموضوع ، ولكن لا أعرف كيف سأعرضه عليكم بمبرراته ، لذا أشعر أني لست متمكناً من نقله إليكم . وبعد محاولة لتقريبه إليهم ، قلت ما معناه : كأن شيئاً ينقصنا لتغيير هذا الإنسان ! ولو أننا كشفناه فإنه يساهم في إزالة هذا العجز الذي يتصف به المسلم . لاحظتُ أن أحدهم التقطَ في ذكاء ما أقصدُ إليه ، ولعله لما يعلم عني من اتجاهٍ ، في أن مشكلة المسلمين يمكن أن تخضع للعلم . قال : هل تعني أن يخضع ذلك لقواعد علم محدد ؟ فقلت بشيء من الشعور بخيبة الأمل ، وبشيء من الإخفاق والخجل ، لعل هذا هو الذي أريد . فكأنه بحركة بسيطة عدل بها من جلسته ، وبنغمة صوتية خفيفة ، أفهمني أن هذا الأمر ليس كذلك . وشعرت بزهده الشديد ويأسه ، من أن يكون هذا الاتجاه في النظر إلى المشكلة يأتي بشيء له جدوى .
    أجدني في أحيان كثيرة في حيرة - وإن كان هذا يمكن أن يُردَّ إلى عدم تمكني من الموضوع - من أمري ، كيف سأقنع الشباب بأسلوب علمي جديد ، بما قاله ابن الوردي قديماً « في ازدياد العلم إرغام العدا » من أننا إذا زدنا معرفة وخبرة فإن هذه الزيادة في المعرفة تزيد من كفاءتنا في أداء أعمالنا أياً كان هذا العمل فكأننا لا نقرُ أن كيان الإنسان المعنوي يتكون من مجموع اللحظات التي امتص فيها المعرفة بشعور منه أو دون شعور .
    في الواقع إن وضع هذا الأمر تحت إدراك الوعي يساهم في تغيير الموقف . إن هذا الزهد الشديد الذي عندنا في السعي لطلب المعرفة ، ما هو إلا ذرية هذه الآفة التي نبحثها ، آفة عدم رؤية السنن في نظام الكون ، وعلاقة العقل الإنساني بهذه السنن كعلاقة تسخيرية .
    وإن ظاهرة الضجر التي عندنا ، في مطالعة موضوع يحتاج إلى جهد كري في التأمل ، راجع إلى تلك العقيدة ، عن علاقة الإنسان بنظام الكون . وما أسرع ما نتهم البحوث الجدية بالتعقيد والإغلاق ، كأن عقولنا لم تعد تتذوق طعم الأغذية الفكرية الجيدة ، لطول ما تعودنا على العلف الذي ذكره إقبال في الأسرار والرموز :
    جَوْهرُ الآسَادِ أضحَى خَرَفَا
    حِيْنَ صَارَ القُوْتُ هذا العَلَفَا
    ذكر إقبال في هذه القصيدة نماذج من المواعظ التي يتلقاها المسلم ، الذي لم يَعُدْ لهُ مَهمَّةٌ في هذه الحياة ، ليعطي له نوعاً من المبرر للوجود أيا كان هذا الوجود . ذكر ذلك إقبال على لسان الكبش الذي ادعى الإلهام ، وأنه مرسل كرسول لأولئك الأقوام الذين من عقيدتهم تسخير قوى هذا الكون لشريعة رب العالمين ووضع إقبال عنوان هذه القصيدة : « قِصَّةٌ في معنى أن مسألة نفي الذات من مخترعات الأُمم المغلوبة لتُضْعِفَ الأمم الغالبة بهذه الطريقة الخَفية » .
    ونفي الذات وإثبات محور فلسفة إقبال . ويعني بذلك إظهار ما أودع الله في هذا الإنسان من قوى ، فهذا إثبات وإهمال تلك هي رموز نفي الذات .
    الفِعْلُ وَالانْفِعَالُ
    سبق أن ألمحنا إلى أن كثيراً من أعضاء الجسم تعملُ آلياً دون تدخل الإرادة ، وقلنا كذلك إن الأفكار التي بالنفس تتفاوت في درجة العمق والتغلغل .
    وهذه المفاهيم التي تعمقت ، تقوم في كثير من الأحيان بأعمال آلية دون تدخل الفكر الواعي عند الإنسان . بل يفقد الإنسان صوابه وإرادته عند الغضب والانفعال ، أو تضعف إرادته بدرجات متفاوتة . وفي هذه الحالة يتصرف الإنسان على أساس دوافعه المتغلغلة ، ويقل تدخل القدرة الواعية أو يكف بالمرة . فلهذا يُوصي القاضي أن لا يحكم أثناء غضبه .
    إن أصول ها الموضوع ثابتة لا تنكر ، ولكن فروعه وتطبيقاته متشعبة في نواحي الحياة تشعباً كبيراً . فمثلاً قد نرى في الطرقات أشخاصاً يطاردون الأطفال ، لأن الأطفال كشفوا فيهم بعض نواحي الضعف ، كأن ينادونهم بألقاب معينة تثيرهم . إن الأطفال هنا كشفوا ضعفاً في إرادة هذا الإنسان ، فيخرجونه من طوره الواعي بسهولة ، إذ اهتدوا إلى النقطة التي تثيره ، أو إلى الزر الذي إن ضغط عليه حدث لدى هؤلاء استجابات معينة . حقاً إن هؤلاء جديرون بالرثاء ، لأن الأطفال يتحكمون بانفعالاتهم .
    ولكن يا ترى هل يمكننا أن نرى أننا نحمل في أنفسنا مثل هذه الأزرار ؟ إن كشف أحدٌ كيف يضغط عليها يُثيرنا أيضاً ؟ وإن لم يكن في مستوى مطاردة الأطفال في الطريق ، ونخرج أيضاً عن طورنا . إن هذه الأزرار موجودة عند كل الناس ولكن لا يستطيع كل واحد أن يضغط ، ولا كل من ضغط يمكن أن يحدث نفس الانفعال . فقد يذهب بعضُ الناس إلى إنسانٍ يريدون إثارتهُ فيذمُونَ له رأيا ، أو يستخفون من شيء يقدسه حتى تغلي مراجل قلبه ، فيخرجون من التباحث إلى التَّهاتُر والتشاتم ، وقد ينتقلون من استخدام اللسان إلى استخدام الأيدي .
    ولكن لنفرض أن هذا الذي أراد الآخرون إثارته ، جاءه من يخبره بقصدهم ، فلا شك أنه سيرجعهم مخفقين ، بتماسكه أمام لُعبته حين أصبح عل وهيٍ من قصدهم .
    وهذه المرتبة من التماسك والنضج ، يمكن أن يصل إليها الإنسان بجهده حين تزداد معرفته وتتسع خبرته بالناس والحياة ، فلا يترك لأحد سلطاناً على أعصابه وانفعالاته .
    وقد يكون الذين ذهبوا إليه لا يقصدون إثارته ، ومع ذلك يتهاتر الطرفان لأن الأزرار المكشوفة تحدث الانفعالات بالضغط عليها ، ولو بغير قصد الإثارة . فكثير من اللقاءات تجب لمثل هذه الحوادث المؤسفة .
    فإذا خرجنا من هذه الأمثلة التي يقوم بها الأطفال في الشارع ، ومن الأمثلة التي يقوم بها بعض الأذكياء الخبثاء في مستوى إثارة شخص معين ، يمكن أن ننتقل إلى مستوى المجتمعات التي تحمل مواريث معينة في فهم الحياة والكون .
    إن هذه المجتمعات تنطبق عليها نفس الفكرة في إمكانية الإثارة . فإن كان يمكن رؤية بعض البسطاء ، فإنه يمكن رؤية زمرة من الناس دربهم الكبار على التلاعب بالمجتمعات وإثارتها ، ليؤدوا دورهم ، في الوقت المحدد ، في مجتمعات ما تزالُ بسطةً لتبلغ مرحلة النُضجِ والرُشد . فإذا جاء هذا الوقت ألقى الأخصائيون (فتيشة)(1) تنفجر تحت أقدام المجتمع فتخرجه عن طوره أمام العالم مسخرةً لا يملك إرادة ، وإنما هو في صورة وحش ، ينبغي أن تُقيد حدودُ إمكانياته . ويكون هذا سبباً في تبرير ما يقومون به من إجراءات للحد من حرية حركته أو الحجز عليه كالسفهاء . إن العرف يقر الحجر على السفيه ، ولكن العرف لم ينتبه بعد إلى إمكانية إبقاء السفيه سفيها ، بل وزيادة سفهه . فإذا تنبه المجتمع إلى ذلك ، قام بعمل يزولُ معه خُبثُ الأذكياء المُدربين للتلاعب بالشعوب . وكان لورانس مثلاً ممتازاً في الإنسان المدرب على إثارة عواطف مجتمع في الاتجاه الذي يريده ، لتسخيره .
    ولعله من المناسب أن نستأنس هنا بما قاله جمال الدين الأفغاني في خاطراته ، بمناسبة أحداث السودان يومذاك : « من أن بريطانيا أخرجت من جرابها ألعوبة (حصار كوردون) ، فأصدرت أوامرها إلى المصانع ، ليباشروا مد سكة حديد من سواكن إلى بربر .. وتزعم أن لا باعث لها على ذلك إلا الرغبة في تخليص كوردون إن كان في خطر .
    إذا فرضنا هلاكه - كما هو الغالب - أو خلاصه . فهل تهدم دولة إنكلترا طريق الحديد أو تتبرع بها لمصر سخاءً . كلا والله . لا هذا ولا ذاك ، ولكن طريق للاستيلاء على السودان .
    قال المخزومي : أتيت يوماً لجمال الدين وكاشفته بقولي : « هذه المقالة نقلتها إلى (الخاطرات) حسب إشارتك ، ولكن توقفت عن نقل ما تبقى . لأنني ما رأيت جدوى في نقل حوادث جرت وانقضى أمرها وكاد الناس أن ينسوها ، ولا فائدة من إعادة ذكرها .
    سمع لي جمال الدين بإصغاء ، ولما انتهيت قال : يا شيخ بني مخزوم ، وعزة الحق : إن ما تراه اليوم من الفضول بذكر حوادث مضت ، وأعمال أتى بها الإنكليز في مصر والهند إن مضت أعيانها ، فستأتي أشكالها وأمثالها . فبريطانيا لا تفتر تحدث فتوقاً في البلاد فتدخل من أضيقها فتوسعه ، وترقب أصغر حدث فتجسمه ، وتعمل على عشق عصا القوم ، وتقسمهم أحزاباً وتكون نصير المتباغضين . سُنةٌَ جرت عليها دولة بريطانيا ورجالها فلا يحيدون »(1) .
    لم يكن هم الأفغاني ذكر الأحداث ، ولكن التنبه إلى السنة التي تتبعها بريطانيا مع الشعوب . ويظهر تألم الأفغاني من عدم فطنة المخزومي إلى هذا القصد . ويعرف الأفغاني أنها إن مضت أعينها فستأتي أشكالها وأمثالها . وحقاً إن إنكلترا أخرجت من جرابها بعد عشرين عاماً من هذا الحدث ، حاوياً آخر في الوقت المناسب ، كما قال مالك بن نبي : « عرف الأوروبي كيف يختار السياسة التي تناسب تلك الساعة ، هو الذي يتمتع بالمقدرة الانتهازية الجبلية الفطرية ، فعرف لورانس مثلاً - في الساعة التي هدد فيها (فون أرمين) قناة السويس 1915م - كيف يثير الثورة العربية المشهورة ، حين دلل ضعف الشيخوخة لدى عجوز ، هو الشريف حسن ، وتملق حفنة من الزعماء الشباب المخمورين بفكرة المملكة العربية »(2) .
    إن كتاب (أعمدة الحكمة السبعة) فيه تفاصيل دقيقة ، كيف قام لورانس بالمهمة على أحسن وجه ، وكيف استغل عدا ما أشار إليه مالك ، بدو الصحراء الذين لا نعرف لهم قيمة ، واختار منهم حرسه الخاص ، مئة من الشبان الأشداء ، كلهم ماتوا في سبيل حماية لورانس ما عدا بضعة نفر منهم .. وقد خاض نيفاً وثلاثين معركة في سبيل بريطانيا ، ولكن دون أن تراق قطرة دم بريطاني .
    ولا فائدة من ذكر هذه الأحداث إن لم تُحصنا من الوقوع في أمثالها .
    ولن يحصننا إلا تفهم السنن المسخرة للإنسان ، وإلا سنظل مسخرين لمن يعرفونها . ولن نصل إلى السنن ، إلا إذا كابدنا دراسة واسعة للأحداث ضمن هدف محدد ، غير مجرد الاطلاع .
    والشيء الذي يجب أن نستفيد منه في هذا الموضوع هو ، أن ترك المجتمع دون رفع مستواه يعرضه لأن يبقى في مستوى المعتوهين . قد يكون عَتهُ بعض الأفراد طبيعياً ، مع إمكان تقليل عددهم إلى حد أدنى . ولكن عَتَهَ المجتمع ليس طبيعياً ، وإنما هو عَتَهٌ من صنع أيديهم : « وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون » النحل - 33 - .
    إن إدخال سنن هذه القضايا في وعي الإنسان ، وإدخال هذه الآليات النفسية إلى مستوى الوعي ، واستبدال هذه الآليات بآليات أخرى ، أمر يستحق انتباهنا . لأن في الإمكان غرس الأفكار في مستويات معينة في درجة العمق والآلية .
    إن تغيير الشعور واللاشعور صار ممكناً الآن . وقد يعجز الفرد أن يغير شعوره ، أو أن قدرته على ذلك ليست مطلقة ، ولكن المجتمع له القدرة على تغيير ما بنفس أفراده ، مهما كان بالنفس سطحياً أو عميقاً ، لأن هذا علم . وهذا العلم هو موضوع آية البحث في هذا الكتاب .
    مثلاً حين يقول أحد زعماء الصين : « إن الذي علينا أن نقوم به من توعية للشعب إلى خطر الذي يحيط به ، لم نقم نحن به ، وإنما قام العدو بهذه التوعية حين صارت قنابله تسقط على الشعب ، وربما إلى الآن الذين لم تصلهم القنابل لم يتوعوا بعد إلى الخطر » .
    هذا الزعيم يشعر بأنه كان في الإمكان نقل هذا الخطر إلى ضمير كل فرد قبل سقوط القنابل ، ولكن لم يقوموا به ، فيشعر بالتقصير إزاء ذلك . لما نشأ مثل هذا الفهم عندهم ، استطاعوا أن ينقذوا شعبهم من أن يكون قصعته ، يتداعى إليها اليابان والروس والأمريكان ، الذين صاروا الآن يفكرون كيف يخطبون وده رغبةً ورهبة .
    إن تلقين ضمير الجماهير إزاء الأخطار ، علم يقوم به الاختصاصيون في عالم يعي كيف تسير الأمور .
    إن لا مبالاة الفلاح بالنظافة ، وما يجلب ذلك من أوبئة ، مشكلة ينبغي أن تعالج ، وأن يعلم من يعالج ، علم تلقين الضمير ، علم تغيير ما بأعماق النفس .
    إن كنا نضرب المثل بالنظافة فهذا مثل ، ولكن المشكلة أن يظل الإنسان في عالم اللامبالاة في مصيره في هذا العالم ومصيره في الآخرة .
    وحين يصبح التلاعب بأفكار المجتمعات وتوجيهها إلى حيث يراد ، علماً منسقاً له دوائره وعلماؤه ، ومؤسساته ، وحين يؤلف كتاب في مثل هذا الموضوع عنوانه : « اغتصاب ضمير الجماهير » حين يتم كل ذلك ، لا بد أن يصير عند هذه المجتمعات علم آخر تتحصن به ضد هذه التوجيهات وذلك الاغتصاب .
    إن مرحلة عطالة عقل الإنسان ، وعدم رؤية سنة الله في الكون والبشر ، هي المرحلة الخطيرة . وهذه المشكلة هي التي تُبرز لنا يومياً مواليد وذريات من المصائب ، نعتبرها أنها أخطر مرحلة .
    إننا دخلنا أخطر مرحلة ، حين أقفلنا العقول منذ زمان بعيد ، هناك كنا نقيم ببطء حول أعناقنا الطوق الحجري الذي سيرهق حياتنا في المستقبل .
    إن علم تغيير ما بالنفس وما ينبغي أن نغيره ، والزمن الذي يحتاج إليه إذا استخدمت الإمكانيات بكفاءة ، هذا العلم هو الذي يخرجنا من الحيرة التي نعيش فيها .
    فإن لم يتيسر لنا أن نفهم هذا ، ولم يتيسر لنا من يقدم لنا الحجج الكافية للإقناع في هذا الموضوع ، فسنظل نعيش في عالم لا نشعر أنه يخضع لسنن ، وسنصاب بالعطالة التي تشل نشاطنا .
    المنهج والتطبيق
    في هذا البحث الذي أعرضه من خلال قوله تعالى « إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم » ، حاولت أن أبرز جانبين رأيت لهما من الأهمية ما يجعلهما يستحقان هذا الإبراز الخاص . وقي الواقع سواء كان في كتاب ( مذهب ابن آدم الأول ) أو في هذا الكتاب ، لا أقول إني عرضت فيهما شيئا لم أسبق إليه . وإنما حاولت أن ألقي ضوءا خاصا على المواضيع التي أرى لها من الأهمية والأولوية في البحث عن غيرها ، لأني أعلم أن القارئ المسلم العادي قد يمر بهذه المواضيع ولكن لا يشعر بما لها من الأهمية . فحين تمر هذه المواضيع من خلال بحوث متشابهة في نظره ، لا يستطيع أن يعطيها من الأهمية ما تستحق ، فلهذا أريد أن أجعل عند بعض هذه النقاط التي وردت في مؤلفات أهل الثقة محطة توقف وتأمل .
    ولقد كان بعض الذين كنت أتحدث إليهم يشعرون بشيء من الريبة والدهشة ، حين استشهد بأقوال الثقات التي تدعم وجهة النظر هذه ، وكأن لسان حالهم يقول : لم نفهم منهم هذا الذي تقوله .
    وهذا بالذات ما قصدته من إبراز هذه النقاط في أضواء خاصة . والجانبان اللذان حاولت إبرازهما في هذا البحث :
    1 - جانب فصل القاعدة عن التطبيق .
    2 - جانب تعميم السنة .
    1 - جانب فصل القاعدة عن التطبيق :
    إن التطبيق قد يكون قريباً من القاعدة أو بعيداً عنها بصور متفاوتة ، فالتطبيق قد يساعد على فهم القاعدة ، ولكن القاعدة بحد ذاتها لها من قوة السًنَّةِ ما يجعلها تتصف بقوله تعالى « ولن تجد لسنة الله تبديلا » أما التطبيقات فتتفاوت كثيرا . وبعبارة أخرى : التفريق بين النظرية والتاريخ ، على اعتبار أن النظرية هي القاعدة والتاريخ هو التطبيق .
    وبعبارة ثالثة أيضاً التفريق بين الإسلام والمسلمين ، فالإسلام سُنة وقاعدة ، والمسلمون تطبيق وتاريخ . وهم مثال على القاعدة ، ليس لهم من الحصانة ما يجعلهم يحتلون محل القاعدة . فلهذا علينا أن نفرق بين هذين الأمرين في مجال تصدينا لبحث مشكلة تخلف المسلمين . ولا أقصد من ذلك أن المثال والتطبيق لا قيمة لهما في هذا ، بل قد تستنبط القاعدة من الأمثلة ولكن كثيراً ما نضطر أن نقدم القاعدة ضمن أمثلة ولا سيما في أول الأمر . ولكن القاعدة لها من القوة أن تشمل أمثلة لا تعد ولا تحصى . ولهذا حاولت أن أفصل بين الإسلام والمسلمين ، أو بين الإسلام ديناً مُنزلاً ، وبين تاريخ المسلمين على مر العصور ، بحيث لا نظن أن تاريخ أعمال المسلمين هو الإسلام ، الذي له الحصانة والمناعة الذاتية الموهوبة له من الله تعالى .
    هذا الذي كنت أقصد إليه حين حاولت أن أرد المسلم إلى القاعدة الإسلامية ، بصرف النظر عن موقف الملايين خلال المئات من السنين .
    وهذا الموضوع لم يكن خافياً على الكتاب الكبار ، ولا أنهم لم يتعرضوا له . ولكن ربما لم يبرزوه في مؤلف خاص ، ولا حاولوا أن يمسكوا المسلم ، ويفتحوا له عينه ليقطروا له ، إذ كثيراً ما يعجز المسلم عن فهم الموضوع ، إن لم يقم الكاتب بعملية رفع الجفن ووضع القطرة في العين .
    وهنا استشهد بكلمة في هذا الموضوع للأستاذ سيد قطب الذي له من المكانة عند الشباب الإسلامي قلَّ أن توفرت لغيره من الكتاب . قال رحمه الله رحمة واسعة ، في التعقيب الأخير من تعقيباته على غزوة أحد ، في تفسير آل عمران : « … وهناك حقيقة أخيرة نتعلمها من التعقيب القرآني على مواقف الجماعة المسلمة ، التي صاحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي تمثل أكرم رجال هذه الأمة على الله ، وهي حقيقة نافعة لنا في طريقنا إلى استئناف حياة إسلامية بعون الله .
    إن منهج الله ثابت وقيمه وموازينه ثابتة . والبشر يبعدون أو يقربون من هذا المنهج ، ويخطئون ويصيبون في قواعد التصور وقواعد التطبيق والسلوك ، ولك ليس شيء من أخطائهم محسوباً على المنهج ، ولا مغيراً لقيمه وموازينه الثابتة .
    وحين يخطئ البشر في التصور أو السلوك ، فانه يصفهم بالخطأ ، وحين ينحرفون عنه فانه يصفهم بالانحراف ، ولا يتغاضى عن خطئهم _ مهما تكن منازلهم وأقدارهم _ ولا ينحرف هو ليجاري انحرافهم .
    ونتعلم نحن من هذا ، أن تبرئة الأشخاص لا تساوي تشويه المنهج ، وأنه من الخير للأمة الإسلامية أن تبقى مبادئ منهجها سليمة ناصعة قاطعة . وأن يوصف المخطئون المنحرفون عنها بالوصف الذي يستحقونه _ أياً كانوا _ وألا تبرر أخطاؤهم وانحرافاتهم أبداً بتحريف المنهج وتبديل قيمه وموازينه ، فهذا التحريف والتبديل أخطر على الإسلام من وصف كبار الشخصيات المسلمة بالخطأ أو الانحراف … فالمنهج أكبر وأبقى من الأشخاص ، والواقع التاريخي للإسلام ليس هو كل فعل وكل وضع صنع المسلمون في تاريخهم . وإنما هو كل وضع وكل فعل صنعوه موافقا تمام الموافقة للمنهج ومبادئه وقيمه الثابتة …
    وإلا فهو خطأ أو انحراف لا يحسب على الإسلام وعلى تاريخ الإسلام ، وإنما يحسب على أصحابه وحدهم ، ويوصف أصحابه بالوصف الذي يستحقونه من خطأ أو انحراف أو خروج على الإسلام … إن تاريخ الإسلام ليس هو تاريخ المسلمين ولو كانوا مسلمين بالاسم أو باللسان ، إن تاريخ الإسلام هو تاريخ التطبيق الحقيقي للإسلام في تصورات الناس وسلوكهم ، وفي أوضاع حياتهم ، ونظام مجتمعاتهم(1) . فالإسلام محور ثابت تدور حوله حياة الناس في إطار ثابت ، فإذا هم خرجوا من هذا الإطار أو إذا هم تركوا ذلك المحور بتاتاً فما للإسلام وما لهم يومئذ ؟ وما لتصرفاتهم وأعمالهم تحسب على الإسلام أو يفسر بها الإسلام ؟ بل ما لهم يوصفون بأنهم مسلمون إذا خرجوا على منهج الإسلام وأَبوا تطبيقه في حياتهم ؟ وهم إنما كانوا مسلمين لأنهم يطبقون هذا المنهج في حياتهم لا لأن أسماءهم أسماء مسلمين ولا لأنهم يقولون بأفواههم أنهم مسلمون .
    وهذا ما أراد الله سبحانه أن يعلمه للامة المسلمة . وهو يكشف أخطاء الجماعة المسلمة ، ويسجل عليها النقص والضعف ثم يرحمها بعد ذلك ويَعفو عنها وَيُعفيها من جَرائِرِ النقص والضعف في حسابه وإن يكن أذاقها جرائر هذا النقص والضعف في ساحة الابتلاء … »(2) .
    هذا العرض الذي قدمه سيد لسنَّة فصل المبدأ عن التطبيق ، لضمان سلامة المبدأ ، عرض دقيق ، وواضح وضوحاً تاماً . إلا أن القارئ العادي لا يفهم منه إلا النموذج الذي تعوده من تنزيه الإسلام ولسمو به إلى مرتبة عالية من القداسة .
    وليس هذا مرد الأستاذ سيد ، وإنما مراده أن يفرق المسلم حين ينظر إلى تاريخ المسلمين ، بين المبدأ الإسلامي وتطبيقه ، وألاَّ يصير المسلكُ الذي سلكهُ المسلمون ، طاغيا على المبدأ الإسلامي بحيث يصبح هذا التاريخ هو الإسلام ، ونقف منه موقف من يظن أن كشف الخطأ في هذا التطبيق هو كشف لخطأ الإسلام . وبدون هذا التفريق تصير هذه الأخطاء دِيناً نضطر أن نتمسك به ، وَيُعجزُنا تقديسها عن كشف حقيقة المبدأ الإسلامي .
    رحم الله الأستاذ سيد … إنه بعمله هذا فتح باباً إلى حل المشكلة ، وسهل لنا تناول البحث ، ووضع هذه العلامة مَعلماً على الطريق . وعلى المسلمين الذين يهتمون بالمشكلة الإسلامية ، أن يتخذوا هذه المكتشفات التي انتهى إليها الأستاذ منطلقاً ليكملوا ما انتهى إليه . إلا أنه ينبغي أن نعرف أن الدخول إلى هذا الباب الذي فتحه ، مهمة شاقة عسيرة ، تحتاج إلى خبرة عظيمة .
    وهنا اشعر بالحاجة إلى التذكير بسنة من السنن . هذه السنة هي : أن إمكان تقرير السنَّة والاعتراف بصحتها نظرياً أكثر سهولة ويسرا _ مع الأسف _ من القدرة على تطبيقها تطبيقا عمليا وتعميمها . وقد سبق أن ذكرنا رأي ابن تيمية في هذا .
    إن هذه القاعدة التي ذكرها الأستاذ سيد هي من هذا القبيل ، يسهل التسليم بها كقاعدة نظرية ، ولكن صعبٌ جداً تطبيقها ، بل إن من سيقوم بتطبيق هذه القاعدة سيجد أن التسليم بها لم يقرب من حل المشكلة إلا قليلاً . لأن الأستاذ سيدا رحمه الله حين يقول :
    « ونتعلم من هذا أن تبرئة الأشخاص لا تساوي تشويه المنهج ، وأنه من الخير للأمة المسلمة أن تبقى مبادئ منهجها سليمة ناصعة قاطعة ، وأن يوصف المخطئون والمنحرفون عنها بالوصف الذي يستحقونه _ أيا كانوا _ وألا تُبررَ أخطاؤُهم وانحرافاتهم أبداً بتحريف المنهج وتبديل قِيمهِ وموازينه ، فهذا التحريف والتبديل أَخطرُ على الإسلام من وصف كبار الشخصيات المسلمة بالخطأ والانحراف . » .
    هذه القاعدة ، سهل التسليم بها نظريا … ولكن مَن هؤلاء الذين وَصَفهُم سيد رحمه الله بكبار الشخصيات المسلمة ؟
    هل نستطيع أن ندخل بالتفاصيل ونذكر بعض الأشخاص بالأسماء ؟ هنا نجد أن هذه القاعدة والتسليم بها ، لم يحل المشكلة إلا جزءاً يسيراً جدا ، لأن ذكر الأسماء وتعيين الشخصيات الكبيرة المخطئة ، يدعو إلى أن تحمر له الأحداقُ وتنتفخ له الأودَاجُ . لأن الدخول في هذا الموضوع يَفقدُ فيهِ العقلُ السَيطرةَ ، وتبدأ العواطفُ بالعمل .
    سهل أن أصف عبد الرحمن بن ملجم بأنه مخطئ سواء كنت سنيا أو شيعيا وكذلك سهل أن أصف معاوية بالخطأ والانحراف … إن كنت شيعياً .
    وفي الواقع إن تقديس التاريخ الإسلامي _ سواء وافق الإسلام أو لم يوافقه _ له من القداسة والقدرة على إبطال مجال العقل ، وإطلاق العواطف والقبض على مجال الحركة الفكرية ، وذلك عند الذين لم يستبينوا الفرق بين الإسلام ومطبقيه ، مما يبطل محاولات المصلحين في إنقاذ الإسلام ومنهجه من الأخطاء التطبيقية عند المسلمين ، والتي يشعر سيد بضرورة تخليص منهج الإسلام منها وجعل المنهج مسيطراً على التاريخ .
    إنَّ ذِكر أسماءِ الشخصياتِ الكبيرة التي يشير إليها ( سيد ) يوقع في مشكلة كبيرة ، ولن يتيسر ولوج هذا الباب إلا بعد غرس منهج العلم الذي يأمر به الإسلام . إن الإسلام لا يعطي العصمة لأحد بعد رسول الله ، ولكننا معشر المسلمين في الواقع نعطي هذه العصمة للرجال . ويصعب علينا أن نرى الشخصية الكبيرة التي نُجلُّها تُخطئُ وتصيب كما يصعب علينا أن نقول : هذا الرأي من قوله خطأ ، وهذا صواب .
    كما أننا _ عمليا _ لا يمكن أن نتعامل مع الشخصيات الإسلامية الكبيرة إلا على أساس التسليم لهم بكل شيء ، أو رفض كل شيء .
    وتحول هذا الأسلوب إلى منهج مقرر يتحدى القواعد النظرية الإسلامية التي يحفظها كل الناس ، مثل ما تحفظ عن الإمام مالك قوله : « يؤخذ من قول كل أحد ويرد عليه إلاَّ صاحب هذا القبر ، ويشير إلى حجرة النبي صلى الله عليه وسلم » وهذا القول مثل القول الذي يكرره سيد رحمه الله بأسلوب هذا العصر في الكلام الذي سبق أن اقتبسنا منه ، ولكن تطبيقه عمليا دونه خَرطُ القَتَادِ .
    وليس معنى هذا أن بعض المصلحين لا يتجرؤون على ذلك ، ولكن الواقع بثقله يتحدى الأفراد المصلحين ، ولن يتيسر لنا الخروج من الخلط بين السنة والتاريخ ، إلا إذا تذوقنا أهمية السنة ، وطبيعة الصلة بين السنَّة والرجال . فالرجل ليس سنَّة ، وإنما يخضع للسنَّة ، ويسعى لكشفها وتطبيقها . ومهما كان هذا الرجل عظيماً فلن يتجاوز حد الرجل . ثم ليس مما يقلل من قيمة الرجل أن يخطئ ، وكل ابن آدم خطاء . ولكن مع أخطائه يبقى مكانه محفوظاً ، ولا يُقللُ من قيمته العملية كونُهُ لم يحط بكل شيء . ولكن حسبه أن يعطي شيئاً جديداً مهما كان يسيراً . وسيحفظ له هذا الكشف مكانه ومقامه مهما سبقهُ من جَاءَ بعده . وهذا هو التقدير الصحيح للرجال ، لا أن نرفعهم فوق ما يستحقون ، ونعطي لهم العصمة التي لم يعطها لهم الله ورسوله وأولو العلم القائمون بالقسط .
    وفي الواقع إن تذوق العلم وحده ، هو الذي يستطيع أن يعودنا الاحترام الصحيح لأهل العلم ، بحيث نصل معه إلى درجة نُقدَّرُ فيها العلم الذي عندهم ، ونغفر لهم الخطأ الذي وقعوا فيه دون أن يصير خطأهم غِلاً في أعناقنا . نأخذ ما أصابوا فيه ، ونتجنب ما أخطأوا فيه دون أن نجعل خَطَأهُم تحقيراً لهم ، ودون أن نجعل صوابهم عِصمةً لهم . فهذا الموقف هو الذي يُنزِّهُ احترامَ أهلِ العلمِ مِنَ التحولِ إلى نوعٍ من الأوثَان ضرره أكثر من نفعه . وبهذا لا يتحول الأحبار والرهبان إلى أرباب .
    ليس هدفُنا إدانة التاريخ الإسلامي ولا تجريح شخصياته ، كما أن ما نقلناه عن الأستاذ سيد ليس هدفه أن يُزلزل ثقةَ الشبابِ بالشخصيات الإسلامية الكبيرة ، ولا أن ينزع الثقة من تطبيق الإسلام على مرِّ العصور . ولكنَّ هدفهُ أن يصبح للمسلم قدرةً على إخضاع التاريخ للمنهج بحيث يستفيد منه الفائدة المرجوة ، ويتجنب الخطأ الذي فيه لأن التاريخ يحتوي على هذا وذاك .
    إن موقف المسلمين الآن من التاريخ ليس موقفا صحيحاً ، لأنه لا قدرة لنا على تجنب أخطائه والاستفادة من صوابه . وعلينا أن نميز المنحرف والمخطئ ، من الأشخاص ، وأن نعرف ما هو مخطئ ومنحرف ليصير التاريخ دافعا ومحركا إلى الأمام لا غلاً على العنق يقيد العقل ويمنع من الحركة . والأستاذ سيد شعر بهذه الحاجة ، حاجة الموقف الصحيح من الرجال ومن التاريخ ، وشعر أيضا بأهمية هذا الموقف . وربما هذا الشعور هو الذي جعله يكتب عن عثمان رضي الله عنه عبارة لم يتعود المسلمون أن يسمعوا مثلها من كاتب يُعد من أهل السنة والجماعة . قال : « إنه لمن الصعب أن نتفهم روح الإسلام في نفس عثمان ، ولكن من الصعب كذلك أن تعفيه من الخطأ الذي هو خطأ المصادفة السيئة في ولايته الخلافة ، وهو شيخ موهون تحيط به حاشية سوء من أمية ذات الفطرة المشؤومة »(1) . ثم يقول بعد قليل عن الفتنة التي قامت : « ولكن لا بد لمن ينظر إلى الأمور بعين الإسلام ، ويستشعر الأمور بروح الإسلام ، أن يقرر أن تلك الثورة في عمومها أقرب إلى روح الإسلام واتجاهه ، من موقف عثمان أو بالأدق من موقف مروان ومن ورائه بنو أمية الذين لم تخالط روح هذا الدين نفوسهم في يوم من الأيام » .
    ويرى أيضاً أن لو وليها علي بعد الشيخين قبل أن تنمو البذرة الأموية … لو كان هذا لتغير وجه التاريخ الإسلامي وسار في طريق غير الذي سار فيه .
    إن المشكلة في الواقع ، إنما في تغيير النظر إلى التاريخ من خلال السنن ، وليس أن يحل التاريخ محل السنن . فحين يصير هذا النظر ثقافة في الأمة ، أعني ملكة تفهم الأمور على أساسها ، عندها نترك النزاع في خطأ رجل واحد أو أسرة واحدة . لا يكفي أن نحمل جريرة المشكلة لرجل واحد أو أسرة واحدة ، إذ المشكلة أعم من هذا .
    وكما أنه ليس دقيقا أن نحمل هذه التبعية رجلا أو أسرة في الماضي ، كذلك الحال اليوم . إن تعليق هذا الموضوع في رجل أو في مجموعة حلت محل أسرة ، لا يقل في عدم دقته عن السابق .
    إن المشكلة مشكلة نظر إلى التاريخ ، إلى الواقع البشري وما وراء هذا الواقع من الدوافع التي توجه الأحداث .
    إننا حين نكتسب النظرة الصحيحة إلى التاريخ ، ووضعه في مكانه ، لا يزعجنا خطأ رجل أياً كان هذا الرجل ، لأن لدينا ما يعصمنا من وضع الرجل مكان السنن . إن هذا الفهم ليس يعصمنا من خطئه فقط ، بل يجعلنا نستفيد من صوابه ، أيَّما فائدة ، متخذين الصواب الذي انتهى إليه منطلقاً لنا ، لا مكانا للوقوف عنده أو التراجع عنه . وذا الموقف هو الذي سيجعلنا نستفيد من صواب ما عند (سيد) وغير سيد . وليس عيبا على سيد أن يخطئ في بعض ما يكتب ، أو يقصر ، ولكن عيبا علينا أن لا نستفيد من صوابه والوصول به إلى المدى الذي كان يريد الوصول إليه(1) .
    وأن هذا ينطبق على ما أكتب وعلى من سيكتب في المستقبل .
    إن اكتساب هذا النظر إلى التاريخ يجعلنا نقدر ما عند الآخرين من النظريات الصائبة ، سواء كانوا مسلمين أتقياء أو غير أتقياء ، من الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا . بل يجعلنا نستفيد من صواب أي كاتب ، سواء كان مؤمنا أو غير مؤمن ، من غير أن يختلط علينا صوابه بكفره . وإن عدم التمييز في هذا الموضوع ، يحرمنا خيراً كثيراً . عدا أنه يجعلنا نقف مواقف تدعو إلى الأسى من المحب ، والسخرية من المبغض ، حين نردُّ بعض الحقائق العلمية لعدم إيمان أصحابها نفعل هذا دون أن نشعر .
    إن النظر الصحيح إلى التاريخ يفيدنا من جانبين كبيرين : فهو يحررنا من عقدة الخوف من كشف الخطأ في تاريخ المسلمين . كما يحررنا من عقدة الخوف من كشف صواب في تاريخ الآخرين .
    إن عدم بخس الناس أشياءهم مبدأ قرآني . كما أن العدل وأن لا يجر من شنآن قوم على أن لا نعدل مبدأ قرآني . كما أن قوله تعالى :
    « يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين » النساء _ 135 . مبدأ قرآني لنعدل في الانتصاف من أنفسنا وممن نحب هذا الحب الساذج لا حب المثل الأعلى الذي يشرف الإنسان ويرفع من قدره ويجعله يقدر الأصدقاء والأعداء ، بميزان العدل لا بميزان الهوى المبني على النظرات القصيرة .
    وفي الختام ليس الهدف تجريح الشخصيات أو تقديسها ، وإنما الهدف اكتساب موقف سليم بين الحق والرجل . وأن يبقى الحق حقاً والرجل رجلاً . لأن الحق حق فقط ، ولكن الرجل يمكن أن يكون محقا كما يمكن أن يكون مبطلا ، وبينهما درجات كثيرة . لهذا يعرف الرجال بالحق وليس العكس .
    وهذا الموقف لا يكتسبه الإنسان بأن تقول له ميز بين الحق والرجل ، ولكن يكتسبه من الممارسة الدائبة والسعي المتواصل .
    2 - جانب تعميم السنة :
    وأما الجانب الثاني وهو جانب تعميم السنة : أي أن السنن الاجتماعية التي تنطبق على البشر تعم المسلمين أيضا . بل أكثر من هذا ، أن سنة الله في التفاعل مع المبادئ تنطبق على الإسلام أيضاً ، مع ما للإسلام من ميزة ذاتية كما يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في كتابه (هذا الدين) :
    « هناك حقيقة أولية بسيطة … ولكنها مع بساطتها كثيراً ما تنسى أو لا تدرك فينشأ عن نسيانها أو عدم إدراكها خطأ جسيم في النظر إلى هذا الدين :
    حقيقته الذاتية وواقعه التاريخي ، حاضره ومستقبله كذلك . إن البعض ينتظر من هذا الدين - ما دام منزلا من عند الله - أن يعمل في حياة البشر بطريقة سحرية خارقة غامضة الأسباب ودون أي اعتبار لطبيعة البشر ، ولطاقاتهم الفطرية ولواقعهم المادي في أي مرحلة من مراحل نوهم ، وفي أية بيئة من بيئاتهم . وحين يرون أنه يعمل بهذه الطريقة ، وحين يرون أن الطاقة البشرية المحدودة ، والواقع المادي للحياة الإنسانية يتفاعلان معه ، فيتأثران به - في فترات - تأثرا واضحاً ، على حين أنهما في فترات أخرى يؤثران تأثيرا مضاداً لاتجاهه ، فتقعد بالناس شهواتهم وأطماعهم وضعفهم ونقصهم ، دون تلبية هتاف هذا الدين ، أو الاتجاه معه في طريقه …
    حين يرون هذا فانهم يصابون بخيبة أمل لم يكونوا يتوقعونها - ما دام هذا الدين منزلا من عند الله - أو يصابون بخلخلة في ثقتهم بجدية المنهج الديني للحياة وواقعيته ، أو يصابون بالشك في الدين إطلاقا .
    وهذه السلسلة من الأخطاء تنشأ كلها من خطأ واحد أساسي هو :
    عدم إدراك هذا الدين وطريقته أو نسيان هذه الحقيقة الأولية البسيطة … » ص 3 - 4 .
    هذه النقط التي أتوقف عندها من كتابات سيد وأريد إبرازها وأعتبرها من أحسن ما كتب ، ربما لا يشاركني بعض الطيبين من الشباب ويرون الأولى التوقف إزاء هذه الأفكار ، لا لفهم حقيقة ما يرمي إليه واتخاذها منطلقاً ، وإنما تردداً في صحتها أو جدواها ، بل ربما يرون فيها بعض الخطورة حيث تفتح باباً تدخل منه رياٌح باردة . يشعرون بهذه النسمات الباردة بإحساس دقيق مرهف صنعته القرون الماضية ، حين أغلقوا الأبواب على أنفسهم وشمعوها . وأرى أن الصفحة الأولى من كتاب هذا الدين من أروع ما تركه سيد رحمه الله . فعند الحديث عن طبيعة هذا الدين وطريقة عمله في حياة البشر تبرز الحقائق التالية :
    1 - حقيقة أولية بسيطة .
    2 - ومع بساطتها كثيراً ما تنسى .
    3 - ونسيانها ينشأ عنه خطأ جسيم .
    ثم يقول : وحين يذكَّرون بهذه الحقيقة :
    1 - فانهم يصابون بخيبة أمل لم يكونوا يتوقعونها .
    2 - أو يصابون بخلخلة في ثقتهم بجدية المنهج الديني .
    3 - أو يصابون بالشك في الدين إطلاقاً .
    ثم هذه السلسلة من الأخطاء نتيجة خطأ واحد ، وهو عدم إدراك طبيعة هذا الدين أو نسيانها .
    ولو أن إنساناً خصص حياته كلها لبحث هذه النقاط وكشف مصادرها التاريخية وبواعثها النفسية وآثارها الاجتماعية ، وقرب ذلك للإفهام وفصلها تفصيلاً حتى يبلغ بها درجة البلاغ المبين ، لكانت هذه الحياة ، حياة مباركة طيبة .
    كم من حقائق قرآنية أولية بسيطة على مسمع كل أحد في قارعة الطريق ! ولكن مع هذا كله لا ينتبه إليها منتبه ! وكم من المصائب التي تسد علينا منافذ الحياة تنشأ عن هذا النسيان وعدم الانتباه ! وكم من الآلاف المؤلفة من الشباب يصابون بخيبة أمل ، أو بخلخلة في ثقتهم بجدية المنهج الديني حين يكشفون الحقيقة ، لأنهم يعيشون على الوهم متقوقعين ! ثم كم من الشباب يصابون بالشك في الدين إطلاقاً ، ويظهر عليهم آثار ذلك بأساليب مختلفة ، لكل موسم ما يناسبه ، وليس آخرها أصحاب الشعور الطويلة الذين يملأون الأسواق … إنه الامتلاء بالأوهام . أجل إنها مشكلة مجتمع ، مشكلة جيل ضائع متخم بالأوهام ، ومجاعة من إدراك سنة الحياة .
    دليل الأفكار
    مقدمة مالك بن نبي 9 -11
    (9) الدور الذي قامت به الحركات التغييرية في العالم الإسلامي (10) القانون وما ينبغي أن يكون موقف الإنسان منه (10 ) التاريخ يتبع فكرة الدورة أن يترك لشأنه (11) القرآن يجعل حتمية التاريخ اختياراً يتقرر في أعماق النفوس (11) انتظار العالم الإسلامي لهذا النوع من التغيير .
    مدخل 12 -30
    (12) الشباب المسلم لا ينذر عمره في دراسة موضوع جاد وتحليل ذلك (16) للعقل موقفان إزاء المشكلات (18) معرفة القانون تمنح الإنسان قدرة تسخيرية (20) معرفة سنن المجتمع وقيمتها في تغييره (28) العقل المتبصر لا يرى غموضاً في الأسباب لأنه يخضع لقانون .
    سنة عامة للبشر 31 - 37
    (31) مشكلة المسلمين خاضعة لسنن لها مشكلات عامة البشر (33) المشكلة تتعلق بالمسلمين لا بالإسلام (35) مفاهيم المسلمين عن الإسلام كثير منها ظنون وأوهام .
    سنة مجتمع لا سنة فرد 38 - 42
    (39) لا بد أن يتم التغيير ضمن نسبة محددة في النفوس ليتم تغيير الواقع (41) تحديد مسؤولية الفرد في تأثيره على المجتمع وزيادة النسبة سلبيا وإيجاباً .
    سنة دنيوية لا أخروية 43 - 44
    (43) المحاسبة في الدنيا جماعية ، وفي الآخرة فردية .
    في الآية تغييران -45-
    (45) إيجابية الإنسان ، قائمة على فهم ما يخصه من عملية التغيير .
    في الآية ترتيب بين حدوث التغييرين 46 -47
    (46) التغيير الذي يخص الإنسان أولا .
    مجال كل من التغييرين 48 -57
    (48) ماذا تشمل كلمة : « ما بقوم » (51) ماذا تشمل كلمة : « ما بأنفسهم » (52) ابن خلدون أول من لمح الارتباط بين التغييرين . الجانب المهم هو التغيير الذي يقوم به القوم 57 -62
    (57) انتقال الإنسان إلى الأفضل هو الأمانة (58) القرآن اهتم بموضوع التعامل مع النفس ولم يهتم بكشف حقيقتها (60) معنى الفطرة .
    ما بقوم نتيجة لما بالنفس 63 -68
    (63) تغيير ما بالقوم تابع لتغيير ما بالنفس (64) لا جدوى من بحث العلة في ارتباط النتائج بالأسباب وإنما في الكيفية التي ارتبطت بها - لا ارتباط بين السبب والنتيجة عقلاً وإنما الواقع هو الذي يثبت العلاقة (66) خطر خفاء الرابطة بين ما بالنفس وما بالقوم .
    لتحقيق التغيير لا بد من تغييرين 69 -77
    (69) عمل الإنسان وخلق الله (70) طريقة القرآن في ذكر التغييرين أو أحدهما (71) كيف بين هذا ابن كثير في التفسير (75) مشيئة الله ومفهومها ورأي ابن تيمية (77) الأفعال وليدة الأفكار .
    مفهوم التغيير عند الآخرين 78 -82
    (79) دعوى الشيوعيين أنهم أول من جعل تغيير المجتمع علما موضوعياً (81) الاهتداء إلى سنن المجتمع لا علاقة له بنفي الإيمان بالدين .
    علم النفس الفردي والاجتماعي 83 -88
    (83) لا وجود لعلم النفس منفصلا عن المجتمع (85) الاهتداء إلى سنن دمج الفرد بالمجتمع وقيمة لك في صنع المجتمع المتماسك (86) علم النفس يبرز بصورة تعارض الإيمان فتضيع الفائدة منه .
    العلاقة بين سلوك الإنسان وما بنفسه 89 -97
    (90) سلوك الإنسان تابع لأفكاره تغيير أفكار الإنسان يتبعه سلوكه (91) ثلاثة أمثلة لذلك ، أسطورة ، ومثل من السيرة ، ومثل عن استخدام أمريكا للحرب النفسية .
    (98) الأوهام المسيطرة على الأفراد والشعوب تنتج أفعالا خاطئة مضحكة (100) الخلاص من الوهم بادراك الأمر على حقيقته .
    ما بالنفس يتفاوت في الرسوخ 105 -126
    (105) كثير مما بالنفس يعمل آلياً حين يكون راسخاً (108) كشف سنن التعامل مع النفس يجعل تغيير ما بها سهلا (112) أهمية توحيد الثقافة والفكر لإيجاد توازن المجتمع (114) أعمار المجتمعات والدول ورأي ابن خلدون (وهل هي حتمية ؟ (120) الجهل بكيفية التغيير وبما نغيره يجعلنا ننتظر المهدي (122) الفكرة المتعمقة في النفس مصدر للأخلاق (123) السلوك والأخلاق يحميهما العلم .
    كيف تلقى السنن القبول 127 -161
    (127) يجب أن تجد سنن التغيير مستنداً لها في كتاب الله لتلقى القبول عند المسلمين (129) إلحاح القرآن على الاعتبار بسنة الأولين ومعنى سنة الأولين (136) موقف من يدرك سنن الأحداث يختلف عن موقف من يجهلها (139) المسلمون اليوم عالة مستكبرون (141) قاعدة هامة تبين المقصود من ذهاب العلم (146) مكان المشكلة ليس في الإسلام وإنما في عقل المسلم الذي فقد وظيفته (148) مشكلة أخرى كيف جهل السابقون هذا !! (156) في ظلال أفلا تعقلون (157) إدراك السنن يقود إلى الموضوعية والى حماية المجتمعات .
    العقل والسنن في القرآن 163 -187
    (163) العقيدة العبثية ومعناها وأخطارها والآفات التي تتولد عنها (166) آفة الغفلة (166) آفة الإعراض عن آيات الله وسننه (165) آفة التكذيب (168) التكذيب يتولد من مفاهيم خاطئة (169) خوف المسلمين من أعمال العقل ، وإغلاق باب الاجتهاد (171) في التنظيم والتخطيط (173) آفة اتباع الهوى (174) آفة اتباع الآباء (178) كلمات لإقبال في كشف زيف المسلم . (179) سبب بطء تقدم المسلمين بالنسبة لغيرهم . (180) نتائج اختلاط المبدأ بالأشخاص . (181) أثر فكرة « ما بال القرون الأولى » . (183) مصدر قولهم « الناس كلهم هكذا » . (184) الغرور بالقوى البشرية قد يحول دون إدراك الحقيقة . (185) المبررات التي يغطي بها المسلمون عجزهم . (186) زهد المسلم في قيمة السنن كوسيلة لرفع العجز . (187) الضجر من دراسة موضوع يحتاج إلى جهد فكري .
    الفعل والانفعال 188 -195
    (188) العمل الآلي لبعض أعضاء الجسم ، نقل هذا الأمر إلى مستوى الفكر . (189) قدرة البشر في السيطرة على الانفعالات . (189) النضج الفكري ، يقلل من سيطرة الانفعالات على الإنسان . (190) استخدام المسيطرين على الأمم لهذه القاعدة فيما يخدم أغراضهم . (191) مثال لجمال الدين الأفغاني يوضح ما سبق . (192) لورانس نموذج على ما ذكرناه . (193) الخلاص من سيطرة الانفعالات ، ومن مستغليها إنما يكون بفهم السنن .
    المنهج والتطبيق 196 -212
    (197) جانب فصل القاعدة عن التطبيق . (198) رأي للأستاذ سيد قطب في فصل المبدأ عن الواقع . (202) الاعتراف بصحة القاعدة أيسر من تطبيقها . (203) خطأ إحلال الرجال محل القاعدة والسنة . (205) إخضاع التاريخ للمنهج . (209) رأي للأستاذ سيد قطب حول ما يقود إليه خطأ إدراك طبيعة هذا الدين وطريقة عمله .
    كتب للمؤلف
    مذهب ابن آدم الأول : أو
    (مشكلة العنف في العمل الإسلامي )
    يبرز المؤلف في هذا البحث الأسلوب الذي زكاه الله في موقف ابن آدم الأول من أول نزاع حدث في مطلع البشرية ..
    ليكون هذا الأسلوب المزكى من قبل الله نبراساً للبشرية في خط سيرها الطويل . ويهدف إلى إيجاد أسلوب آخر لحل مشكلات البناء . وهو وإن كان يوجه الكلام إلى الإسلاميين ليدلهم على الطريق ، إلا أنه لم يقصد الاقتصار عليهم ، بل يريد أن يضع أمام ضمير الآخرين هذا الأسلوب في العمل ليكون موضع تأملهم . ويبين أن على المسلمين من أجل استئناف الحياة الإسلامية أن يقوموا بعملية البلاغ المبين ، وان يؤدوا واجباتهم بصرف النظر عن الحق الذي لهم .
    الإنسان : حين يكون كلاً وحين يكون عدلاً
    ينطلق المؤلف من شرح قوله تعالى : « وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير . هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم » .
    ويهدف إلى بيان أن البشر يمكنهم باستخدام سنن تغيير النفس والمجتمع ، رفع أو خفض مستوى الأفراد والمجتمعات . ويشرح فكرة « الفعالية » ، ويبين أن أهم شروطها .
    _ أن نبحث أسباب الأحداث ، ونعترف بجهد الإنسان فيها .
    _ أن يتحرك الإنسان بين حدّي الرجاء والخوف ، من أجل خير يجلبه أو شر يدفعه ..
    العمل
    قدرة وإرادة
    إذا توفرت للعمل الإرادة الجازمة والقدرة التامة مع استيفاء شروطه وانتفاء موانعه ، وجب وجود الفعل ضرورة ، وتم حصول العمل بإذن الله تعالى .
    إن لدى المسلمين من الإرادة والقدرة المادية ما يكفيهم للإقلاع ، وإنما عوزهم الحقيقي قي القدرات الفهمية .
    وهذا الكتاب يتناول مشكلة العمل بأسلوب موضوعي على صورة قوانين رياضية :
    الإرادة الجازمة + القدرة التامة = العمل الناجح .
    العقل + المثل الأعلى = الإرادة .
    العقل + وقائع الكون وأحداث التاريخ = القدرة التسخيرية .
    حتى يغيروا ما بأنفسهم
    ينطلق المؤلف من شرح قوله تعالى : « إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم » . ويحاول أن يوضح أن أساس مشكلة تخلف المسلمين ، هو جهلهم أن مشكلتهم تخضع لقوانين يمكن كشفها وتسخيرها .. وبالتالي اصبحوا ألعوبة بيد أعدائهم الذين يفرضون أن المشكلات تخضع لقوانين يمكن كشفها وتسخيرها ..
    ويبين المؤلف أن الدعوات التي تركت أثرها العميق في تاريخ البشرية ، إنما بدأت تأثيرها على نفس الإنسان وفكره فغيرتهما ؛ وان هذا التغيير يخضع لقواعد وقوانين هي سنن الله في النفس والمجتمع التي يرتقي المجتمع أو يتخلف بحسبها …
    فقدان التوازن الاجتماعي
    يدرس الكتاب إنسان مجتمعنا الذي يتردد بين مبدئه وضغط الواقع . ويبين أن الانفصام الاجتماعي الذي يعانيه مسلم اليوم ، هو الذي يفقده توازنه ويحمله على الانسحاب من المجتمع أو الذوبان فيه . وان من الشروط الأساسية لتحقيق التوازن الاجتماعي :
    - أن ندخل المجتمع ونحن نعتقد أن لدينا عقيدة تنقذه .
    - أن ندخل المجتمع لنغيرِّه ، لا لنقلِّده .
    - أن نقدم الإيمان بأدلته من عالم الشهادة .
    كتب قيِّمة
    أولاً - أبحاث في سنن النفس والمجتمع
    تأليف : الأستاذ جودت سعيد
    1- مذهب ابن آدم الأول (مشكلة العنف في العمل الإسلامي) .
    2- الإنسان حين يكون كلاً وحين يكون عدلاً .
    3- حتى يغيروا ما بأنفسهم .
    4- فقدان التوازن الاجتماعي .
    5- العمل قدرة وإرادة .
    ثانياُ - دراسات نفسية وتربوية :
    تأليف : الدكتور عبد الحميد الهاشمي
    1- الرسول العربي المربي
    ثالثاً - نظرات في كتاب الله تعالى :
    1- قبس من الإعجاز للأستاذ : هشام الحمصي .
    2- توجيهات قرآنية للأستاذ : هشام الحمصي .
    3- أضواء من سورة يس للأخت : حنان لحام .
    4- أضواء من سورة لقمان للأخت : حنان لحام .

    رابعاً - من أخبار الصحابيات :
    تأليف : السيدة حنان لحام
    1 سمية بنت خياط ( الشهيدة الأولى ) .
    2- أم سليم بنت ملحان ( الزوجة المؤمنة ) .
    المحتوى
    الموضوع الصفحة
    مقدمة الطبعة الرابعة 5
    مقدمة مالك بن نبي 9
    مدخل 12
    سنة عامة البشر 31
    سنة مجتمع لا سنة فرد 38
    سنة دنيوية لا أخروية 43
    في الآية تغييران 45
    مجال كل من التغييرين 48
    الجانب المهم هو التغيير الذي يقوم به القوم 57
    ما بالقوم نتيجة لما بالنفس 63
    لتحقيق التغيير لابد من تغييرين 69
    مفهوم التغيير عند الآخرين 78
    علم النفس الفردي والاجتماعي 83
    العلاقة بين سلوك الإنسان وما بنفسه 89
    يظهر أثر ما بالنفس ولو كان وهماً 98
    ما بالنفس يتفاوت في الرسوخ 105
    الموضوع الصفحة
    كيف تلقى السننُ القبول 127
    العقل والسنن في القرآن 163
    الفعل والانفعال 188
    المنهج والتطبيق 196
    دليل الأفكار 213
    من أعمال المؤلف 219
    كتب قيمة 222
    المحتوى 223
    هذا الكتاب

    ينطلق المؤلف من شرح قوله تعالى : « إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم » . ويحاول أن يوضح أن أساس مشكلة تخلف المسلمين ، هو جهلهم أن مشكلتهم تخضع لقوانين يمكن كشفها وتسخيرها .. وبالتالي اصبحوا ألعوبة بيد أعدائهم الذين يفرضون أن المشكلات تخضع لقوانين يمكن كشفها وتسخيرها ..
    ويبين المؤلف أن الدعوات التي تركت أثرها العميق في تاريخ البشرية ، إنما بدأت تأثيرها على نفس الإنسان وفكره فغيرتهما ؛ وإن هذا التغيير يخضع لقواعد وقوانين هي سنن الله في النفس والمجتمع التي يرتقي المجتمع أو يتخلف بحسبها …
    فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •